شهدت سورية في نهاية القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين بوادر نهضة عامة، تمثلت في تشكل عدد كبير من الجمعيات الأهلية والمدنية، تميزت بحركات نضالية متعددة المستويات والمجالات، وكانت للمرأة السورية مساهمة مهمة في هذا النشاط، إذ أسست ماري عجمي في العام 1910 مجلة «العروس» وهي المجلة الأولى في الوطن العربي الذي تنشئها وتديرها وتحررها امرأة، وأسست مريانا مراش أول صالون أدبي في حلب لعله بين أول الصالونات الأدبية العربية، فيما شكلت السيدة نازك العابد بيهم جمعية «نور الفيحاء» العام 1919، وكانت أول رئيسة لها، وتعكس هذه النشاطات عمق اهتمام السوريات بالعمل العام.
تواصلت نشاطات النساء السوريات ومشاركتهن في الحياة العامة في تأسيس النوادي والجمعيات والصالونات الأدبية حتى أوائل الستينات، عندما انتقلت سورية إلى مرحلة أخرى من النظام السياسي المحكوم بالحزب الواحد، والفكر الواحد، وانسحبت هذه الأحادية على جميع الأصعدة في حياة السوريين، وكانت في أسباب أدت إلى تراجع مساهمة المرأة السورية في العمل العام، سواء في تأطير مساهمتها في نشاط يتبع النظام السياسي ومنظماته، أو في اعتكافها العمل العام، وربما انشغالها بتلبية متطلبات المعيشة.
أكثر من أربعين عاما امضتها السوريات في ظل تلك الأوضاع، التي اندمجت فيها الأنشطة النسائية في الأنشطة الرسمية، لكن السنوات القليلة الماضية عاشت تبدلا في واقع الحال السوري، إذ شهدت سورية انفتاحا باتجاه الخروج من إحادية الفكر وإحادية العمل، وفتح المجال لمساهمة السوريين في العمل العام، مع تحسن نسبي في واقع الحريات، وهو ما انعكس على مشاركة السوريات في العمل العام سواء من خلال أنشطة تشارك النساء فيها الرجال، كما في الأنشطة الوطنية، أو بصورة مستقلة كما في الأنشطة الاجتماعية وخصوصا المتعلقة بقضايا المرأة، وفي كل الحالات أخذت تظهر أسماء نسائية ضمن تجمعات ولجان وهيئات مدنية وأهلية وحقوقية، ساهمت في تأكيد حضور المرأة السورية ومشاركتها في تطوير الحياة العامة، وتحسين واقع المرأة.
واقع الحال السوري، ومشاركة النساء في تنشيط الحياة العامة، بين دوافع أدت إلى الوقوف مع بعض السوريات اللواتي يساهمن في العمل العام، لاستطلاع رأيهن بما هو واقع، والآفاق التي يمكن أن يتطور إليها، ودور السوريات في المرحلة التي تعيشها سورية بعد أكثر من أربعين عاما من انغلاقات الحياة العامة.
طبيعة العمل العام وأهميته
في البداية كان حديث الفنانة والمخرجة واحة الراهب الناشطة في جمعية المبادرة الاجتماعية، والتي قالت: إن ظاهرة العمل الأهلي هي حالة صحية لمجتمع قابل وراغب في التطور والتغيير، ومن دون هذا العمل لن يحقق المجتمع أية خطوة باتجاه التغيير والتطور، فهو المناخ الصحي الأولي الذي يهيئ ويساهم في تطوير المؤسسات التي ستطور بدورها المجتمع. وبقناعتي أن سبب وجود هذا التغيير يعود بالدرجة الأولى إلى المتغيرات الحاصلة على المستوى العالمي والتي أغرقتنا بحالة عجز وإفلاس عربي، وأغرقتنا بهزيمة عربية وداخلية، وهزيمة للوطن والمجتمع والفرد. أرخت حالا من الإحباط والعجز الكامل، في مواجهة تعتبر أشرس مواجهة مرت على المنطقة، وهذا استتبع بدوره محاولة تدارك الوضع إلى حد ما من قبل القيادات العربية، وساهم أيضا في خلق هذا المناخ في سورية.
ورأت الناشطة في رابطة النساء السوريات سوسن زكزك، ان أهمية العمل الاهلي تكمن في انه يساهم في دفع الحراك المجتمعي المدني إلى الأمام، ويسرع من استعادة المجتمع لحيويته، ويساهم في التركيز على قضايا نوعية محددة ضمن الاهتمام بها لصالح الشعارات العامة. أما على الصعيد الشخصي فإنه يكرس الشعور بالمواطنة، ويزج الطاقات الفردية في بوتقة واحدة ما يعطي إحساسا أعمق بجدوى العمل من خلال التعاون مع الآخرين والدعم المتبادل. وأعتقد أن هناك مجموعة من الأسباب وراء نشاطها الآن لعل أهمها بعض الانفراج في المجال الديمقراطي الذي خلق بيئة مواتية لإنشاء عدد من الأطر ضمن أوساط النخب كالمنتديات واللجان الأهلية، ثم هناك التحديات الكبيرة التي واجهتنا كشعب سوري جزء من الشعوب العربية خلال السنوات الأخيرة، واستدعت القيام ببعض الفعاليات التضامنية. والسبب الثالث، يكمن في التناقض بين الواقع وبعض القوانين التمييزية والمعرقلة لعملية التطور الاجتماعي والحاجة الماسة إلى تغييرها، كما يحصل في قضايا المرأة السورية أو في احتكار العمل السياسي بين الشباب.
وقالت الناشطة في المنتدى الاجتماعي سحر سعيد، إن العالم كله يشهد حراكا اهليا ومجتمعيا، بعد أن أدرك الجميع أن الدولة والقطاع العام، لا يستطيعان أن ينهضا وحدهما بأعباء الوطن الاقتصادية والثقافية والاجتماعية، ما يتطلب تدخل المجتمع في ذلك، لكن نشاط الجمعيات الأهلية والمدنية في سورية مازال ضعيفا جدا بالمقارنة مع بقية الدول، إذ نجد أن المنظمات الأهلية في المغرب مثلا يزيد عددها على ثلاثين ألف منظمة.
ضعف العمل العام وأسبابه
وترى الناشطة في لجنة نساء حق العودة رندة اليوسف، أن سبب ضعف العمل العام، يعود الى غياب المواطن السوري عن ساحة العمل عبر عقود من الزمن بمختلف مناحيه الأهلي والمدني والسياسي، ما أدى إلى دور سلبي من جانبه تجاه المجتمع ونفسه، اضافة الى غياب الديمقراطية باعتبارها المناخ الوحيد الذي يمكن من خلاله أن تنتعش كل الأفكار الخيرة وكل الإبداعات، التي يفتح ابوابها العمل العام الذي يتلمس طريقه دافعا الفرد السوري للاحساس بالمواطنة والشعور بالكرامة وقيمة مشاركته بالعمل العام، ما يشكل حاضنة اجتماعية مهمة وقادرة للتصدي لكل المشكلات والأزمات المستعصية التي عانى منها بلدنا ومواطنونا.
وترى عضو مكتب أمناء لجان الدفاع عن الحريات الديمقراطية وحقوق الانسان في سورية الإعلامية مزن مرشد، أن: السوريين يدركون الدور المهم الذي تلعبه المنظمات الأهلية ممثلة بمؤسسات المجتمع المدني من حراك على مستوى الشارع وعلى مستوى القضايا سواء الاجتماعية أو الاقتصادية وما تستطيع فعله في تحريك الرأي العام والتأثير عليه، لكن هذا الادراك وإن أتى متأخرا، فهو لم يكن إفساح المجال كاملا أمام نشطاء هذه المنظمات في العمل الحر، وإنما كان نشاطا مقيدا بحدود معروفة يقف عندها الجميع من دون استثناءات تذكر.
النساء وميادين العمل العام
ان توزع النساء على ميادين العمل العام في سورية، امر طبيعي سواء في العمل داخل المنظمات النسائية او الحقوقية او غيرها، ما استوجب سؤال ناشطات العمل العام عن المجال الذي تجد فيه ذاتها؟
وقالت واحة الراهب في اجابة على هذا السؤال: أجد نفسي في كل ما يخدم قضيتي، قضيتي هي قضية المجتمع السوري وقضية الأمة العربية، بالدرجة الأولى. وقناعتي لن يتم حل أي من هذه القضايا من دون حل جذري لقضية المرأة، التي ما عادت مقتصرة على المناداة بالتساوي بين الجنسين، بل هي شرط موضوعي وذاتي لكي تتم عملية التغيير التاريخي عند العرب. ولا تغيير ثوري كامل من دون تغيير واقع المرأة العربية التي تعيد إنتاج التخلف بتربيتها لأبنائها، ولذلك اجد نفسي في موقع العمل في قضايا المرأة ومن بعدها القضايا الأكبر والأكثر شمولية.
وتؤكد هذا الاهتمام سوسن زكزك بقولها: الحقيقة إن نشاطي في العمل الأهلي ليس حديثا اذ عملت في اتحاد الشباب الديمقراطي منذ 1983 وفي رابطة النساء السوريات منذ أواخر الثمانينات. وأفضل العمل في ميدان قضايا النساء لأنني أعتقد أن مجتمعا يعاني نصفه من التمييز - السلبي طبعا - هو مجتمع غير صحي وكذلك لأن هذه القضايا هي جزء أساسي من قضايا أشمل كالعدالة الاجتماعية وحقوق الإنسان والمواطنة، ولأنني قبل هذا وذاك امرأة عانيت وأعاني على رغم كل ظروفي الخاصة المساعدة والداعمة (الأهل - العائلة).
أما سحر سعيد فكان لاهتمامها جانبان، تقول: رغبتي في المشاركة نتيجة طبيعية لإدراكي بأهمية دور الفرد في النهوض بالمجتمع، وأن تضيء شمعة خير من أن تلعن الظلام ألف مرة.. ومحبتي العمل في مجال الثقافة عموما وقضايا المرأة بشكل خاص.
السيدة رندة تعتبر أن العمل في مجال قضايا المرأة يبدأ بالرجل، وتقول: إن تجربة منتدى المرأة الثقافي وهو منتدى متخصص في شئون المرأة والعمل مع نساء المبادرة الاجتماعية، أثرت تجربتي بجوانبها المختلفة وجدت بخلاصتها، أن العمل المتخصص في ميدان المرأة هو من أكثر الميادين قربا وأهمية لي. ذاك المنجم الذي لا يزال التنقيب فيه أمر بالغ الصعوبة بالنسبة إلى خصوصية البلد المليء بالقيود والاجتهادات. فغياب الوعي عموما وعند المرأة خصوصا وعدم معرفتها وإدراكها جوهر قضيتها ووجودها وهو حق امتلاكها لتقرير مصيرها ومساواتها الكاملة بالرجل. فإذا أردنا التغيير فلنبدأ بتحرير الرجل أولا وهذه دعوة لكل رجال الوطن من أجل تفكيك منظومة العقل الذكوري.
معوقات العمل العام
وقالت سوسن زكزك ان من بين أهم معوقات العمل العام عدم وجود قانون للجمعيات ما يجعل عملنا تحت رحمة الظروف ويكبح تجاوب النساء مع عملنا ويقلل فرص العمل، وأكدت مزن مرشد ضرورة تعديل أو تغيير قانون الجمعيات الذي لا يحقق بوضعه الحالي طموحات المؤسسات المدنية، وكثير منها يعمل من دون ترخيص رسمي معرضا نشطائه للمساءلات القانونية وغيرها، فيما ذهبت رندة اليوسف الى الابعد في حديثها عن معوقات العمل الأهلي في سورية فقالت، اهم المعوقات تكمن في غياب الديمقراطية، ما يعوق تشكيل جمعيات أهلية يمكنها أن تتصدى لمشكلات المجتمع. والثانية، مصاعب تتعلق بتخلف بنية العقل السوري وضعف الوعي الاجتماعي والثقافي ودور الموروث السلبي في صوغ تفكيرنا وعاداتنا. وقالت: الخيار المتاح أمامنا لإطلاق طاقات المجتمع وإمكاناته هو دعوة السلطة إلى مصالحة شعبها والثقة به وتحريره من كل العقبات التي تحول دون نشاطه وحراكه، وبالتالي صحته
العدد 641 - الإثنين 07 يونيو 2004م الموافق 18 ربيع الثاني 1425هـ