العدد 2779 - الجمعة 16 أبريل 2010م الموافق 01 جمادى الأولى 1431هـ

فقه العلمانية... هل تطور مع الزمن؟

إبراهيم لقمان حمادة - كاتب من فلسطين 

16 أبريل 2010

ينبغي في البدء، ومنعا لأي التباس القول بأن العلمانية ليست ضد الدين، مطلق دين، وإنما هي دعوة إلى حياد الدولة تجاه الدين، وإلى الإقرار بحرية المواطنين الدينية، واحترام خيار كل إنسان باعتناق الدين الذي نشأ عليه، أو اختاره بمحض إرادته وتثقف عليه، وعمل بموجباته، مادام ذلك كله لا يتعارض في جوهره مع النظام العام وحرية الآخرين الدينية ضمن المجتمع الواحد.

وعليه، وفي المجتمعات ذات التعددية الدينية، ينبغي للدولة أن تظهر حياديتها، ولا تفضل مواطنا على آخر بسبب دينه، وخصوصا لجهة تولي الوظائف العامة على اختلاف مراتبها، بدءا من الرئيس وانتهاء بأي موظف صغير. كما على الدولة أن تعامل الفرد المؤمن وغير المؤمن في مرتبة اعتبارية متساوية واحدة.

لكن، ومن جهة أخرى، على الدولة أن تحمي المواطن المتدين لجهة ممارسته لعبادته وشعائره بكل حرية، وتترك بالتالي الشئون الدينية، والمسئوليات إزاءها إلى رجال الدين المعنيين أنفسهم هنا، من مختلف الأديان والمذاهب.

كما على الدولة العلمانية أن ترضى بالواقع الديني، كما تحدده وتنظمه الأديان نفسها، فلا تتدخل في شئونها إلا من ضمن حدود المحافظة على النظام العام.

إلا أنه وفي مقابل موقف الدولة العلمانية من الدين، على الهيئات الدينية، على اختلافها، أن تعترف بأن الدولة مستقلة عنها وعن تعاليمها في حقول نشاطها وممارسة أعمالها، وأن على المؤمنين أن يخضعوا جميعا للموجبات التي ترتبها عليهم الدولة من ضمن القوانين الوضعية العامة التي يرتضي بها الجميع.

لكن هل تطور مفهوم العلمانية الذي كان ابتدأ في العام 1598 في أوروبا، حيث شرعت الدولة تعلن أن وحدة الأمة ترتكز على أساس غير أساس وحدة الإيمان؟

قبل أن نجيب عن هذا السؤال لا بد من الاعتراف بأن التحول في اتجاه العلمانية في الغرب قد سار بطيئا في الدول الكاثوليكية بينما كان سريعا في الدول البروتستانتية، بمعنى آخر، إن طريق الفصل التام بين الدولة والكنيسة، كان سهلا جدا في الولايات المتحدة، إذ لم يعانِ هذا البلد الكبير من سيطرة الكنيسة، كما كان الأمر في أوروبا إذ اتخذ الفصل أوضح أشكاله وأكملها عندما صدق البرلمان الفرنسي على قانون الفصل في العام 1905.

نعم، تطور مفهوم العلمانية في أوروبا واضطر رجال الدين والأساقفة إلى القبول بالفصل بين الدولة والكنيسة، وكان البادئ في ذلك البابا بندكتوس الخامس عشر، الذي كان تولي السدة البابوية في العام 1914 حتى العام 1922 وخلفه بذلك بيوس العاشر الذي دامت ولايته من العام 1922 حتى العام 1939 ومن بعدها صارت التعاليم الفاتيكانية منسجمة مع الخط الجديد الذي يقبل بصراحة الفصل بين الدولة والكنيسة.

ومع الزمن كان الكاثوليك قد أخذوا يألفون التوافق بين العلمانية كنظام قانوني، والعلمانية كنظام فلسفي تبنى عليه المجتمعات، وفي هذا المجال أصدر كرادلة وأساقفة فرنسا العام 1945 إعلانهم الشهير الذي دعوا فيه أبناء رعاياهم إلى التسليم بوجود علمانية الدولة المتفقة كل الاتفاق مع عقيدة الكنيسة، ومما جاء في هذا الإعلان «لقد حان الوقت لتبديد التباس من شأنه أن يسيء إساءة بالغة إلى الوحدة الوطنية، وهذا الالتباس يتعلق بعبارة مستعملة عادة بمعانٍ مختلفة: علمانية الدولة».

وعلى مستوى الدولة الحاضنة للفاتيكان ورمز الكنيسة الكاثوليكية في العالم: إيطاليا، كان قد صدر الدستور الجديد فيها في 27 ديسمبر/كانون الأول من العام 1947، فنص في مادته السابعة على أن الدولة مستقلة، وذات سيادة، وكذلك الكنيسة الكاثوليكية، كل منهما فيما خصه. كما نصت المادة الثامنة على أن حرية العقائد الدينية مكفولة أيضا أمام القانون. وللعقائد الأخرى غير العقائد الكاثوليكية الحق في أن تنظم نفسها وفقا لنظمها الخاصة، ما دامت لا تتعارض مع النظام القانوني الإيطالي... وينظم القانون علاقاتهما مع الدولة على أساس الاتفاقات التي تعقد مع ممثلي كل منها.

ويمكن القول بأن هذا الموقف أصبح نهائيا في الأوساط الكاثوليكية، حتى أن البابا بيوس الثاني عشر، قد أعلن في خطاب ألقاه في مارس /آذار العام 1958 «إن علمانية الدولة السليمة والشرعية إنما هي من مبادئ الكنيسة الكاثوليكية».

وإذا كان تطور الموقف الديني المسيحي الصعب والمحرج في اتجاه علمنة الدولة والفصل بينها وبين الكنيسة، فما أحراه سيكون تطور العلمانية نفسها تجاه أولوياتها وأنساقها وأهدافها... وطبعا لا يجسد ذلك سوى مريديها الذين هم أسياد هذا التطور «وفقهه». ففي حين كانت العلمانية في مستهل ظهورها وقوفا في وجه الكنيسة الكاثوليكية، وضربا من ضروب رفض الدين، لا بل أحيانا من الإلحاد المكشوف، فإن الوقت شهد تحولا بارزا نحو الحياد تجاه الدين واحترام المؤسسات الكنسية وحقها في الوجود باستقلالية، فأصبحت العلمانية موقفا لا فلسفيا، بل قانونيا وخلقيا عبر عنه ـ Laicite مقابل العلمانوية Laicisme التي هي موقف فلسفي لا ديني.

أما أسباب هذا التحول فأهمها:

أولا: انتشار الفكرة الديمقراطية ومفاهيم الحريات العامة، ولاسيما فكرة حرية المعتقد في مختلف الأوساط، ومنها حق الكنيسة بالوجود المستقل المحترم.

ثانيا: مشاركة عدد متزايد من الكاثوليكيين المتدينين جدا في الحياة الاجتماعية وانفتاحهم على المفاهيم الليبرالية.

ثالثا: وقوف الدول الأوروبية موقفا واضحا إلى جانب حماية المؤسسات العامة في الميدان الديني وحماية استقلال المؤسسات المسيحية في نشاطاتها الدينية.

كل ذلك عزز رسوخ الفكرة العلمانية الهادئة المقبولة من جميع المواطنين، مؤمنين كانوا أم غير مؤمنين.

طبعا نحن لا نقول إن كل شيء على ما يرام بين الطرفين العلماني والديني، ولكن جل ما نريده ونؤكد عليه هنا هو تثبيت حرية الإنسان واختياره، وليس لنا هنا سوى أن نستشهد بهذه الآية الكريمة من سورة البقرة (256): «لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي».

العدد 2779 - الجمعة 16 أبريل 2010م الموافق 01 جمادى الأولى 1431هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً