العدد 2786 - الخميس 22 أبريل 2010م الموافق 07 جمادى الأولى 1431هـ

الأصالة والمعاصرة ما بين الاتباع والإبداع (2)

فؤاد زكريا - أكاديمي واستاذ جامعي مصري، توفي في 11 مارس / آذار 2010 

22 أبريل 2010

إن طرح قضية الأصالة والمعاصرة على شكل بدائل ثلاثة هي: التمسك بالأصالة، أو السير في طريق المعاصرة، أو القيام بمحاولة توفيقية للجمع بين الاثنين... يثير إشكالات تزيد من تعقيد القضية، وتجعل الوصول إلى رأي حاسم فيها أمراً يكاد يكون مستحيلاً.

فالبديل الأول، اعني التمسك بالأصالة، يفترض أن من الممكن أن نعيش في ظل «أصالتنا»، وحدها، مادام أصحاب هذا الرأي ليسوا ممن يسعون إلى التوفيق بين «الأصالة والمعاصرة. ومعنى الأصالة في نظر هؤلاء هو «العودة إلى الأصل»، أي أن المطلوب من المجتمع في ظل هذا البديل، هو أن يعيش في ماضيه من دون حاضره، وأن يستلهم التاريخ ويبني حياته على أساسه. فهل هذا بديل معقول من الناحية النظرية، أو ممكن من الناحية العملية؟ هل يستطيع أي مجتمع أن يجمد التاريخ ويتشبث بفترة واحدة منه، ويتجاهل كل ما قبلها وما بعدها، ويجعل من هذا الماضي حاضراً أبدياً لا يسري عليه التغيير، ولا يخضع لتقلبات الزمن؟ وهل يمكن أن يعيش أي مجتمع بأمجاد ماضيه وحدها، وينسى أن ما كان «مجداً» في عصر معين قد يصبح «تخلفاً» إذا ما نقل بحذافيره إلى عصر آخر؟ إن إشكال البديل الأول هو، في كلمة واحدة أنه يلغي التاريخ، على حين أن التاريخ ليس ما يمكن إلغاؤه.

فلنتأمل إذن البديل الثاني، الذي يتساءل أصحابه: هل أساس التقدم هو أن نكون معاصرين، أي أن نساير العصر؟ هذا التساؤل يفترض أن العكس ممكن، ولو نظرياً. فهو يفترض أن من الممكن ألا يكون المجتمع «معاصراً»، أي لا يعيش عصره. فهل يستطيع أحد أن يتصور مجتمعاً معاصراً يختار، بمحض إرادته، أن يكون «غير معاصر»؟ هل من الممكن أصلاً أن يكون المجتمع في العصر ولا يكون فيه، أي أن ينعزل عنه طوعاً؟ سيجيب بعضهم بأن هذا ما يحدث مثلاً في المجتمعات البدائية التي يعيش بعضها في أواخر القرن العشرين، وفقاً لأوضاع ظلت على ما هي عليه منذ عشرات القرون. ولكن البدائي لا يفعل ذلك «إلا مرغماً». فهو لا يعرف القرن العشرين، لأنه لم يتعرض لمؤثراته ولم يتصل بها، أما الحالة التي نحن بصددها فهي حالة مجتمع يعرف العصر ويتصل به، ولكنه ينفصل عنه عامداً، ويختار أن يعيش في عصر غيره.

إنك حين تضع المعاصرة كأنها بديل ضمن بديلين آخرين، فأنت تضع معايشتك للعصر الذي تعيش فيه، كأنها اختيار وكأنها شيء، يمكن أن يحدث أو لا يحدث، وحقيقة الأمر أن المعاصرة ليست اختياراً، وليست بديلاً من البدائل. فعصرك جزء منك وأنت جزء منه، ولا أحد يملك أن يكون «معاصرا» أو لا يكون.

من الواضح إذن، أن هذين البديلين يكشفان عن إشكالات أساسية في علاقتنا بالزمن. فالطريقة التي يصاغ بها البديلان توحي بأن في استطاعة مجتمع ما أن يختار ألا يعيش عصره، بل يستمد مقومات حياته كلها، أو أهمها، من عصر ماضٍ. ولما كانت المشكلة كلها، كما بينا ليست مشكلة «اختيار» لأن عصرك مفروض عليك شئت أم أبيت، فإن من حقنا أن نتساءل: ألا يجوز أن صيغة الاختيار بين الأصالة والمعاصرة تعبر عن خلل أساسي في علاقتنا بالزمن، وبالتاريخ؟ إذا صح ذلك فهل كانت هذه الكتابات، وكل هذه المؤتمرات والندوات، التي دارت حول هذا الموضوع طوال ربع القرن الأخير على الأقل، مجرد تعبير عن هذا الاختلال؟ وهل كان مفكرونا وكتابنا طوال هذا الوقت واقعين تحت تأثير وهم كبير لم ينتبهوا إليه، حين طرحوا أمامنا إشكالية الأصالة والمعاصرة كما لو كانت اختياراً بين بديلين، أو محاولة للتوفيق بينهما من الخارج؟

العدد 2786 - الخميس 22 أبريل 2010م الموافق 07 جمادى الأولى 1431هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً