تعمل وزارة التربية والتعليم على تعميم تدريس اللغة الإنجليزية منذ المرحلة الأساسية الأولى في 20 مدرسة ابتدائية كمرحلة أولى خلال العام الدراسي المقبل، تمهيداً لتعميمها تدريجياً في جميع المدارس الحكومية.
المشروع للوهلة الأولى يعد خطوة جيدة، إذ إن رياض الأطفال شرعت منذ سنوات في تدريس الأطفال اللغة الإنجليزية، ولكن بمجرد التحاقهم بالمدرسة فإن ما اكتسبوه من لغة يتلاشى تدريجياً لأن تدريس هذه اللغة في المدرسة يبدأ في الصف الثالث الابتدائي، فيكون الطالب نسي كل ما تعلمه في الروضة، ومن جانب آخر يشتكي عدد من القائمين على العملية التعليمية في البحرين من أن كثيراً من خريجي الثانوية العامة يعانون من ضعف هذه اللغة.
إلى ذلك، أكد مصدر مسئول بوزارة التربية والتعليم في تصريح صحافي سابق «أنه سيتم تعميم تدريس مادة اللغة الإنجليزية منذ المرحلة الأساسية الأولى في 20 مدرسة ابتدائية حكومية كمرحلة أولى اعتبارا من العام الدراسي المقبل تمهيدا لتعميمها في جميع المدارس الحكومية على مراحل تدريجية، وإن الوزارة بدأت فعلا بتدريب عدد من المدرسين الأوائل في مادة اللغة الإنجليزية، تضمنت المرحلة التدريبية الأولى 60 مدرسا أول وتمت الاستعانة فيها بعدد من الخبرات المحلية والخارجية، أما بالنسبة إلى المنهج الذي سيتم تدريسه فإن الوزارة وضعت مسبقا خطة مدروسة ومتكاملة لتحقيق الأهداف المرجوة منه».
وأوضح المصدر «أن عملية التدريب على تدريس اللغة الإنجليزية للمرحلة الابتدائية ستتواصل حتى تتم تغطية كل الكوادر التعليمية في جميع المدارس لتهيئتها لتطبيق المناهج التي ستعد لهذه المادة».
ويذكر أن فكرة تضمين اللغة الانجليزية في مناهج الوزارة تعود إلى نحو 6 سنوات مضت إذ بدأت كتجربة في 3 مدارس اعتبرت نموذجية في ذلك الوقت، وبسبب النجاح الملحوظ الذي حققته بشهادة عدد من الاختصاصين والمعنيين بادرت الوزارة ممثلة في اللجنة المعنية إلى متابعة هذه التجربة بزيادة عدد المدارس المشاركة في هذه التجربة في الأعوام التالية حتى قررت الوزارة تعميم التجربة على كل المدارس الحكومية خلال الأعوام الدراسية المقبلة.
رئيس جمعية المعلمين البحرينية مهدي أبوديب يقول: «هذا المشروع هو مطلب قديم في المجتمع البحريني ولأولياء الأمور، كما أنه يعد إضافة مهمة في العملية التعليمية للطلاب الذين يعانون من ضعف في اللغة الإنجليزية في المراحل التعليمية المتقدمة»، مردفاً «نتمنى من الوزارة مراعاة مسألة المواد بأن تكون هناك مواد موضوعة بشكل جيد، تتلاءم مع مستوى الطلبة وتساهم في تطوير مستواهم في اللغة الإنجليزية»، متمنياً أن «يخفض نصاب معلم الفصل».
وتتفق معه معلمة نظام الفصل بالوزارة هدى مكي في «ضرورة تقليل نصاب معلمي نظام الفصل، فإذا لم يخفض النصاب فإن ذلك سيكون متعباً لهم».
وترى أن المشروع «خطوة جيدة، ولكن من الضروري أن تكون هناك دراسات تربوية لمعرفة مدى تأثير تدريس اللغة الإنجليزية على الطلاب في هذه المرحلة الدراسية».
وبالسؤال هل تؤيد أن يطبق المشروع في جميع المدارس الابتدائية في البحرين؟ يجيب أبوديب: «نؤيد أن يطبق المشروع كمرحلة تجريبية على عدد من المدارس، وهذا الأسلوب هو المتبع عند تطبيق أي مشروع جديد للتعرف على سلبياته وإيجابياته». وهذا ما يتفق معه فيه عيسى قمبر، وهو معلم للغة الإنجليزية في مدارس وزارة التربية، إذ يقول: «إن تطبيق هذا المشروع على 20 مدرسة للتعرف على مدى نجاحه وعيوبه حتى لا تنتج أخطاء، لكن يجب ألا تطول الفترة التجريبية لأكثر من عام واحد».
التجربة الكويتية
عايش قمبر تجربة مشابهة في الكويت، يتحدث عنها قائلاً: «عملت في دولة الكويت مدرساً للغة الإنجليزية في المرحلة الابتدائية منذ العام 1997 حتى 2000، وبدأ التدريس منذ العام 1992، وقد واجه هذا المشروع معارضة في البداية من أولياء الأمور، خوفاً من أن تطغى هذه اللغة على اللغة الأم (العربية)، وبشكل عام كان جزء من المجتمع الكويتي يعارض الفكرة بينما رحب بها جزء آخر، وبعد مرور فترة على تطبيق المشروع تفهم أولياء الأمور هذه التجربة وأهميتها»، مضيفا «أن المنهج المعمول به في تلك الفترة كان إماراتيا، ويركز على البيئة الإماراتية، وبالتالي كانت هناك مطالبات من المدرسين بأن يوضع منهج يتناسب مع البيئة الكويتية، وقد استجابت الوزارة لهذه المطالبات قبل عامين أو ثلاثة إذ تم وضع منهج جديد».
ويؤكد قمبر «أن المنهج البحريني الذي سيدرس في المرحلة الابتدائية الأولى يجب أن يلامس الواقع البحريني»، معللاً بأن «المنهج المتبع في المرحلة الإعدادية لا يتناسب مع البيئة البحرينية».
وعن مدى نجاح التجربة الكويتية، يقول قمبر: «كانت تجربة ناجحة بنسبة قد تصل إلى 90 في المئة، فالطالب الكويتي عندما يصل إلى المرحلة الإعدادية تكون لديه حصيلة جيدة من اللغة الإنجليزية، بخلاف الوضع في البحرين، فهناك عدد من طلاب المرحلة الإعدادية يجهلون حتى الأرقام والحروف الإنجليزية»، مؤكداً أن «اهتمام أولياء الأمور كان له دور كبير في نجاح التجربة الكويتية».
بحرنة الإنجليزية
وعن تطبيق هذا المشروع في البحرين يقول: «أتفق مع تطبيق هذه التجربة في البحرين، فمن الجميل أن ترى طلاباً في المرحلة الابتدائية يحفظون عدداً من الكلمات الإنجليزية، ولكن من الضروري أخذ آراء معلمين بحرينيين في الموضوع، وإشراكهم في صوغ المنهج بالتعاون مع موجهين من وزارة التربية، وألا يقتصر وضع المنهج على معلمين أجانب، ومراعاة ألا تكون المناهج مقتبسة، فكلما ربط تعليم الطفل بالواقع الذي يعيش فيه كان ذلك أفضل في استيعابه للمادة».
أسباب ومخاوف
وينفي رئيس الهيئة الوطنية العليا لدعم المدرسين العاطلين عن العمل السيدعبدالله العالي علمه بالأسباب التي دعت وزارة التربية إلى تطبيق هذا المشروع، إذ يقول: «لا أعلم إذا كان هذا القرار اتخذ على أساس نتائج بحثية أو انطباعية أو بني على آراء خبراء تربويين، ولكنني قد أخمن بعض الأسباب، أهمها ضعف الطلبة عموماً في اللغة الإنجليزية ومن أحد أسبابها انخفاض السقف الزمني لتعليمها، ويمكن الاستفادة من السنوات الثلاث الأولى لرفع هذا السقف»، مردفا «لاشك أن تطبيق هذا المشروع سيساهم في حل جزء من مشكلات خريجات اللغة الإنجليزية العاطلات عن العمل، إلا أن هناك الكثير من الأسئلة التي يمكن أن تثار، أهمها: هل هناك ما يؤكد أن من أسباب ضعف الطلبة في اللغة الإنجليزية تأخير تعليمها لبداية الحلقة الثانية؟ وهل يحسن رفع السقف الزمني والتبكير بتدريس اللغة الإنجليزية من مستوى الطلبة فيها؟ وهل الكلفة المالية للمشروع تعادل هذا التحسن (إن وجد)؟ وهل هناك آثار سلبية أو إيجابية لتطبيق المشروع؟ وهل توجد دراسات تؤيد أو تعارض التبكير بتدريس لغة أجنبية مع اللغة الأم؟ وهل هناك مساحة في المنهج الدراسي في الحلقة الأولى تستوعب تدريس هذه المادة؟».
ويرى العالي «أن تطبيق هذا المشروع لا يخلو من الكثير من الملاحظات عليه تربوياً وأكاديمياً ينبغي الالتفات إليها، على رغم الجوانب الإيجابية للمشروع المتمثلة في زيادة فترة تعليم اللغة الإنجليزية لمدة ثلاث سنوات دراسية إضافية، والتبكير في تدريس الطفل لغة حية تعتبر هي اللغة العالمية، والتي يمكن أن يتناغم معها الطفل بسهولة ويتفاعل مع ألفاظها ونبراتها إذا ما قدمت بأساليب راقية عجزت مدارسنا عن تطبيقها في تدريس اللغة العربية».
تزاحم اللغات
ويستدرك العالي ليقول: «تعليم أية لغة في المراحل الأولى من عمر الطفل سيزاحم اكتساب الطفل اللغة الأم، ومع أن كثيراً من الأبحاث التربوية في مجال التعليم تؤكد أن الطفل يمكن أن يتعلم أكثر من لغة في آن واحد ابتداء من فترة الطفولة الوسطى التي تمتد من ست إلى تسع سنوات وهي المرحلة المستهدفة (...) فإن هناك سلبيات لا يمكن التغاضي عنها، أهمها: التحصيل العلمي إذ إن تدريس اللغة الإنجليزية سيقتطع جزءاً لا يستهان به من وقت تدريس المواد الأخرى، كما أن الأنشطة المصاحبة للمادة ستؤثر على أنشطة المواد الأخرى، ما سيقلل من الحصيلة المعرفية في باقي المواد، ومع ذلك اختلفت نتائج الدراسات والبحوث في تأثير ذلك، فمنها ما توصل إلى علاقة إيجابية بين تعليم لغة أجنبية مع اللغة الأم على التحصيل الدراسي ربما تفوق نتائج من قالوا عكس ذلك، بالإضافة إلى ذلك هناك التأثر اللغوي بمعنى أن اللغة الثانية ستؤثر على اللغة الأم، ما ينتج عنه تداخل بين اللغتين، إلا أن الدراسات تؤكد ألا دلالة إحصائية على التأثير السلبي وإن كانت هناك علاقة سلبية فيمكن إرجاعها إلى عوامل أخرى، كذلك يوجد التأثير القيمي والاتجاهي فالطفل عند تعلمه سيتعرض للكثير من المؤثرات منها البيئة المدرسية كما سيتأثر بمدى اهتمام أبويه، وبناء عليه نتوقع أن تكون هناك تأثيرات إيجابية أو سلبية لكل عنصر من هذه العناصر بحسب قوته وضعفه تجد مكانها في نفس الطفل المتعلم، فإذا اهتمت المدرسة بتعليم اللغة الإنجليزية بصورة غير متوازنة مع اللغة العربية، أو أعطت الأولى الأهمية على حساب الثانية فإن ذلك قد يسبب خللاً واضحاً على حساب أي منهما، فلو وضعت مقررات اللغة الإنجليزية بصورة مشوقة، ووفرت لها التجهيزات اللازمة كافة فقد تتغلب على اللغة الأم التي لم تتمكن وزارات التربية في دولنا العربية من تطوير مقرراتها ووسائل تعليمها».
وينبه العالي إلى أن «بعض أولياء الأمور يعتقدون أن اللغة الإنجليزية هي جواز مرور أبنائهم للدراسة المتقدمة والعمل الناجح، فيسعون إلى تعزيزها على حساب اللغة الأم خارج زمن التدريس، وربما يكون على يد الخادمات، ولا يترك أي مجال للطفل للتفاعل مع لغته واستخدامها وسيلة للتواصل، ومن هنا فإن الكثير من الدول التي سعت إلى التبكير في تعليم لغة ثانية إلى جانب اللغة الأم، أعادت النظر في قرارها إما بالتريث في تطبيق تدريس اللغة الإنجليزية في المرحلة التأسيسية أو بالتشديد على ضوابط تدريسها، ومن هذه الدول الإمارات العربية المتحدة والكويت وقطر والبحرين في فترة سابقة، ومن أبرز هذه الضوابط التركيز على عقيدة المجتمع وقيمه وتراثه في المقرر الدراسي، اختيار معلمين من ذوي الانتماء العربي والإسلامي وعدم المساس بنصاب تعليم اللغة العربية.
الدراسات تقول أحياناً
معلم اللغة الإنجليزية في وزارة التربية محمد حسن علي، قدم رسالة ماجستير هذا العام في جامعة البحرين، تطرق فيها إلى تدريس اللغة الإنجليزية في الصف الثالث الابتدائي الذي طبقته الوزارة منذ العام الدراسي 2000 - 2001، يذكر بعض النقاط التي لها صلة بتدريس اللغة الإنجليزية ابتداء من الصف الأول الابتدائي، يقول علي: «أجرى الأستاذ بقسم اللغة الإنجليزية في جامعة البحرين سلمان الحلواجي بتكليف من قسم الدراسات والبحوث بوزارة التربية في العام 1998 دراسة عن إمكان التبكير بتدريس اللغة الإنجليزية ابتداء من الصف الأول الابتدائي، وكان من توصيات الدراسة التريث في تطبيق هذا المشروع لوجود بعض الآراء المعارضة من قبل أولياء الأمور والمعلمين الذين شملتهم الدراسة، وهذا يعني أن الوزارة لم تجر دراسات تؤيد اتخاذ مثل هذا القرار»، مضيفا «من خلال نظرة متأنية في الدراسات السابقة المتعلقة بهذا المجال، لا يوجد من يؤكد أن الطالب الذي يتعلم اللغة الإنجليزية ابتداء من الصف الأول يكون أفضل من الطالب الذي تعلمها في الصفوف المتقدمة كالرابع مثلاً. كثير من المتحمسين لهذا القرار متأثرون بالنتائج الإيجابية التي تميز طلبة المدارس الخاصة، وخصوصاً في مجال تعلم اللغة الإنجليزية. وهذا يدل على وجود قصر نظر، فعلى رغم تفوق طلبة المدارس الخاصة عموماً على طلبة المدارس الحكومية في مادة اللغة الإنجليزية، فإن السبب لا يرجع فقط إلى أن أولئك الطلاب يدرسون اللغة الإنجليزية ابتداء من الصف الأول، بل لجودة التعليم في تلك المدارس أولا ولكون اللغة الإنجليزية هي اللغة الأساسية في التدريس».
وخلال إعداده رسالة الماجستير وزع علي استبانات شملت جميع مدارس البحرين بنين وبنات التي تدرس اللغة الإنجليزية في المرحلة الابتدائية، وكان من ضمن بنودها سؤال يتعلق بإمكان تدريس اللغة الإنجليزية ابتداء من الصف الأول، وكانت نسبة المؤيدين لذلك 63 في المئة فقط وهذا يوحي بأن هناك تقبلا نسبيا من قبل معلمي اللغة الإنجليزية.
ويقترح علي «أن يخضع هذا المشروع للتقويم والدراسة، ومن أهم الجوانب المطروحة هي مدى تأثير اللغة الإنجليزية على اللغة العربية».
ويتابع «الوزارة - بحسب علمي - لم تقم حتى الآن بتعريف معلمي اللغة الإنجليزية الذين دخلوا دورة لتدريس الصف الأول بالمنهج المقترح تدريسه، وهذا يضع علامة استفهام كبيرة عن مدى استعداد الوزارة لتنفيذ قرار الوزير (...) عملية اتخاذ القرار بشأن اختيار المنهج هي عملية دقيقة جدا، لأن المنهج يجب أن يكون مترابطا وموحدا لست سنوات وهي المرحلة الابتدائية، فأي خطأ في الاختيار والإعداد قد يؤثر سلبا على الطلاب ليس في الصف الأول فقط بل يتعداها ليشمل كل سنوات المرحلة الابتدائية. لذلك يجب إشراك المعلمين في اتخاذ القرار لأنهم الحلقة الأهم في تنفيذ أي منهج كان».
الحديث لم ينته، فلنا حديث آخر مع وزارة التربية لتوضح الكثير من الأمور عن هذا المشروع، أهمها سبب تحديد 20 مدرسة، وعلى أي أساس اختيرت هذه المدارس، وعدد الحصص التي ستخصص لتدريس اللغة الإنجليزية، من هم القائمون على اختيار المنهج، وهل شكلت لجنة لتقويم التجربة المقبلة، وما هي أساليب التقويم التي ستتبع؟
العدد 730 - السبت 04 سبتمبر 2004م الموافق 19 رجب 1425هـ