رغم برودة الطقس وقسوته مساء أمس انطلقت أولى أمسيات فعاليات قلعة عراد الموسيقية مع عزف مقطوعات لارام ختشادوريان وليوهانس برامز المعروفة إذ شدت ألحان موسيقاها في سماء عراد وهي تتراقص على الكمان والتشيلو وغيرها وذلك في انسيابية حالمة تخللت في كل فقرة من فقرات البرنامج الذي قاده المايسترو والتر ميك مع أوركسترا فلسطين للشباب وأوركسترا جامعة بون الألمانية.
وبدا الجمهور أكثر حماسا وتصفيقا عندما صدح صوت ديما بواب الأوبرالي وهي تغني بعذوبة «القدس عربية» و»المدينة المقدسة « باللغتين العربية والإنجليزية بينما قدمت ريم بنا أغنياتها «وحدها بتبقى القدس» و « سارة» بأداء هادىء لا يخلو من الثورية في ثنايا كلمات أغنيات ناقدة تتحدث عن فلسطين.
أما ريم تلحمي فجاء أداؤها جامعا بين الحس الوطني الملتزم وبين الأسلوب الأوبرالي الشفاف في مقاطع من «يا قدس وين الروح» و»زهرة المدائن» للفنانة فيروز التي كانت خاتمة مسك الحفل.
المحرق - منصورة عبدالأمير
في أحد الأزقة الفاصلة بين مركز الشيخ إبراهيم ومكتبة اقرأ وباقي البيوتات التابعة له، سوف تسمع أصواتهم، تمتلئ حماسا، طفولة، شقاوة، حبا وتفاعلا جميلا، وبعدها وبمجرد أن تنعطف يمينا ستواجهك سقالة يعتليها فتيان لا يتجاوز عمر أكبرهم 12 عاما. يقفزون هنا وهناك، يتحاورون مع بعضهم ويجادلون الفنانة التشكيلية الفلسطينية سامية زرو، التي تشرف عليهم، والفنان البحريني مهدي البناي، الذي يساعدها في توجيههم، لربما كانوا يناقشون أي الألوان ستبدو هي الأفضل. الكل منشغل بالرسم ولن يشعر بك أي من الموجودين رغم ضيق الزقاق الذي يمتلئ، بألوانهم، بالسقالة التي يعتلون، بالمارة، بالمتفرجين، بهم، بمشاعرهم، وبفوضاهم الجميلة.
أول ما ستلمح وربما أكثر ما سترى وسيظل في ذهنك هو صور الأشرعة المبحرة، النخلات الطوال الباسقات، البحر الأزرق والسماء الصافية، وفي وسط كل ذلك يرفرف دائما علم البحرين، صغيرا كان أم كبيرا، يملأ اللوحة أو تلمحه من بعيد فوق سارية الشراع ربما، أو متواريا فوق حائط منزل، وإن لم تجده فلإنه استبدل بعبارة في حب البحرين مكتوبة بخط طفولي جميل «البحرين وطني»، «أنا أحب البحرين».
هكذا عبر أطفال البحرين عن حبهم لها، وهكذا بدت البحرين في عيونهم وهكذا بدت جداريتهم التي تأتي كإحدى الفعاليات التي ينظمها مركز الشيخ إبراهيم للثقافة والبحوث ضمن مهرجان الثقافة 2009.
الفعالية التي انطلقت من مكتبة اقرأ، وتشرف عليها الفنانة التشكيلية الفلسطينية سامية طقطق زرو، أقيمت تحت عنوان «البحرين في عيون الأطفال». وبدأت صباح أمس، وأقيمت على فترتين صباحية (9-12) ومسائية (2-5) وتستمر حتى الخامسة من مساء اليوم (السبت).
«الوسط» كانت هناك، تحدثت مع الفنانة زرو ومع الفنان البناي الذي يساعدها في توجيه الأطفال، أما الأطفال فلم يكن الحديث معهم بالأمر الممكن، حماسهم الشديد وتفاعلهم مع الفكرة لم يجعل اجتذابهم للحديث أمرا منطقيا.
حول فكرة الجدارية، تقول زرو «الفضل في هذه الفكرة يعود لوزيرة الثقافة والإعلام الشيخة مي، وهي في واقع الأمر امتداد لمشروع مصغر تم تنفيذه مسبقا مع مجموعة صغيرة من أطفال المدارس، الآن تم تطوير الفكرة وتوسيعها.
وتواصل «في البداية تم إعطاء الأطفال إيحاء أولي بالحديث معهم وعمل شحذ ذهني ليتحمسوا ويتفاعلوا حول ما تعني البحرين لهم، ما هي البحرين وماذا يوجد فيها، ما هي أنواع البيوت، العمارة القديمة والأزياء والفنون الشعبية. خلال الحديث معهم تطرق الأطفال لأمور كثيرة».
زرو التي تجد متعة خاصة في العمل مع الأطفال، وجدت تفاعل أطفال البحرين معها مذهلا لكنها أضافت «كنت أتطلع لأن يكون هناك تدريب أكثر للأطفال قبل أن يصلوا للجدارية، هم بحاجة للتدريب على أن يعملوا كجماعات ولأن يكونوا هادئين لأن حماسهم فاق التوقع».
رسومات الأطفال التي ملأت ما يقرب من 70 في المئة من الجدارية أعطت زرو «فكرة عن طريقة تفكير الأطفال وتعبيرهم عن أنفسهم، مغامراتهم، يمكننا أن نتعرف على الكثير من خلال هذه الجدارية عن أطفالنا».
عن أسلوب عملها مع الأطفال قالت «ليس هناك توجيه إلا في طريقة استعمال الفرشاة وأي الألوان التي يستخدموها، إذ يمنع قطيعا أن يفرض على الطفل في هذه المرحلة أسلوب معين. ما ترين على الحائط هو عمل خاص بالأطفال يعبر عن شعورهم الخاص وتفاعلهم. لقد تفاعلوا بشكل جميل وهاهو الوقت قد انتهى ولايزالون يتوافدون للمشاركة في الجدارية وينتظرون حتى يحين دورهم. مجهودهم جميل وعملهم رائع».
وفي إشارة لما قد تكشفه هذه الرسومات، قالت «هناك أطفال بحاجة لضبط من ناحية فورتهم الانفعالية، إذ تلاحظين أنهم بدأوا يرسمون خارج النطاق وهو نوع من التعبير قد يكون رفض، قبول، تجربة أمر جديد، فضول، خوف، بطولة، رجولة أو ربما أنوثة. كلها أمور واردة.
وحول إمكانية تطوير الفكرة وقابلية استمراريتها، علقت الفنانة «هناك حاجة لدراسة الفكرة بشكل أكبر وعمل برنامج معين للأطفال. برنامج اليوم تم بشكل سريع، أنا ألتقي بهؤلاء الأطفال للمرة الأولى، لا أعرفهم ولا يعرفوني كما أنهم غير معتادين على الفكرة. كذلك فإن حماسهم الكبير وانفعالهم وسرورهم وفوضاهم كلها أمور بحاجة لضبط إيجابي وليس ضبطا عكسيا.
زور تفيد بأن فكرة الجدارية هي خبرة متكاملة للأطفال «أنا ألح عليهم بأن يتركوا أرض الزقاق الذي نعمل فيه نظيفة، وألا يوسخوا ملابسهم، أو بعضهم البعض، قمنا بعمل «مريلات» بلاستيكية. كذلك قاموا بعمل جماعي في غسل «الفراشي» وفي استعمال الألوان. هذا عدا عن خبرة الوقوف على السقالة كالعمال. لقد فوجئوا بالأمر بداية ولكني شجعتهم وأخبرتهم بأني أعتلي السقالة لأرسم، فصعد إلى الأعلى 8 منهم.
أخيرا أوضحت الفنانة بأن «كل طفل موهوب وكل طفل يعبر عن نفسه بطريقة مختلفة وعبر أساليب متنوعة، كالصراخ والرقص والرسم» وذلك في ردها حول ما يمكن اكتشافه من مواهب عبر هذه الفعاليات، إذ وبحسب زرو «الموهبة لا يمكن احتسابها إلا إذا ثابر الطفل، لكن الأطفال حتى سن 12 عاما لا يثابرون، هم يمرون بالأمر كتجربة. نعم من يعود إليها بعد سن 14 يكون موهوب».
وأضافت زرو «أنا ضد أن يلقن الأطفال، وهناك كثير من الأهالي يحبوا أن يعلموا أبناءهم الفن على أيدي مدرسين، وهذا أمر غير صحيح فالأستاذ لا يمكنه تعليم الفن للطفل بل قد يفسد موهبته. الأطفال يجب أن يتركوا على حالهم في هذا السن».
الفنان التشكيلي مهدي البناي، الذي يساعد زرو في توجيهها للأطفال وإشرافهم على رسم جداريتهم، قال إن «فكرة الفنانة هي أن تترك الأطفال يعبروا عما بداخلهم بحرية وألا تحجز عليهم، فقط تغذيهم بالأفكار في البداية لأن يعبروا عن حبهم للبحرين برسم ما هو موجود فيها والأمور التراثية ومناطقها المختلفة وما إلى ذلك. بداية يرسم الأطفال أفكارهم على الورق ثم يقوموا بتنفيذها كجدارية تعبر عن حبهم للبحرين وللطفل الحرية في أن يختار ما يشاء من أفكار.
وحول إقبال الأطفال على المشاركة أفاد البناي «كان من المفترض أن يشاركنا 15 طفلا في الفترة الصباحية، لكن الأطفال الذين حضروا فاقوا عددهم العشرين. الأمر نفسه حدث الآن في الفترة المسائية، لدينا الآن 21 طفلا. بل إنه كان من المفترض أن هذه الفعالية مفتوحة للأطفال ما بين 9 - 11 عاما لكن أعمار الأطفال المشاركين تراوحت بين 5 - 15 سنة.
وأضاف البناي «يفترض أن يتم الانتهاء من الجدارية وملئها برسومات الأطفال على مدى يومي الجمعة والسبت، في الفترتين الصباحية والمسائية. لدينا خطة بأن نعطيهم المجال للرسم على السيرامك في الجهة المقابلة ولا أعرف إن كنا سنتمكن من عمل ذلك غدا»
البناء أفاد بأن الأطفال أنجزوا 70 في المئة من الجدارية «الطفل سريع في التعبير وكذلك في التفاعل، في البداية اشتكت الفنانة زرو من عدم تفاعل الأطفال معها أثناء شرحها الأولي لهم في داخل المكتبة لكني أخبرتها أنهم بمجرد أن يعطوا الجدار سوف يعملوا بشكل مختلف وسوف يترجموا ما لديهم من أفكار. وبالفعل حدث ذلك، إذ بدأوا يتفاعلون معها بشكل جيد». وحول إمكانية اكتشاف بعض المواهب من خلال الجدارية قال «العملية هي عملية مشاركة ولا تشترط ظهور موهبة أو ما شابه، لأن الموهبة بحاجة لعمل طويل لكي تكتشف وتظهر» .
وأفاد البناي «هذه هي المرة الأولى التي يتم تنفيذ جدارية بأيدي الأطفال في البحرين. وهي فكرة جميلة لكنها تحتاج إلى وقت أطول وإلى تنظيم أكبر، خصوصا أنها تنفذ في زقاق ضيق، لدينا حوالي 20 طفلا ونحن معهم 3 أشخاص بالإضافة إلى الأهالي الذين يترددون على أبنائهم والمارة مما يسبب ربكة كبيرة في العمل. لكنها بشكل عام تجربة جميلة جدا ورائعة»
يشار إلى أن زرو هي فنانة تشكيلية من مواليد نابلس، فلسطين. حصلت على بكالوريوس في الفنون من الجامعة الأميركية في بيروت والتخصصات العليا من أكاديمية كوركورن والجامعة الأميركية في واشنطن. وهي أستاذة محاضرة في الفنون البصرية حاليا في كلية الفنون الجميلة، بالجامعة الأردنية. وتتميز الفنانة في تعاملها مع مواد التلوين والتصميم والتشكيل بمعادن الحديد والبرونز والمنيوم بأساليب فنية متعددة في النحت.
كذلك فإن زرو خبيرة دولية للفنون البصرية مع اليونسكو كممثلة عن الدول العربية والبحر الأحمر وإفريقيا مع ستة خبراء آخرين. وهي أيضا خبيرة في بناء وتطوير مناهج الفنون البصرية وبرامج التدريب الفني للمدارس والجامعات، ولها مشاركات في
العدد 2374 - الجمعة 06 مارس 2009م الموافق 09 ربيع الاول 1430هـ