لم أحسب أن الأيام ستتلاحق بهذه السرعة
جالسة أنا في نفس المقهى
على نفس الطاولة الخشبية
الكرسي من حديد قاس
عليه قطعة إسفنج بنفسجية اللون
أسند ظهري المنحني عليها
بهدوووووووووء
أمد رقبتي قليلاً
أرفع ما بقي من رأسي
وأحاول التنفس
فلا أجد ما أروي به حنايا ضلوعي...
سوى هواء مخنوق
تنفثه رئة العجوز الجالس إلى جواري
على الطاولة الأخرى
أسترق النظر إليه بين حين وحين
لعلي أرى من يجلس إلى جواره
أو من يلقي عليه التحية
أو لعلي أجد بين نظراته أملاً
في انتظار قادم لا أعلمه
لا أحد
لا أحد
ولم أشغل نفسي به؟
سأشرب العصير
وأحاول التركيز على ما جئت من أجله
أمد يدي المرتعشة إلى الطاولة
أصابعي تدغدغ الكأس ولا تستطيع الإمساك به
يكاد الندى الذي عليه يسيل على المنديل الناعم الذي هو كائن أسفله
استجمعت قليلاً من القوة
ضحكت على نفسي
بل ابتسمت... لأنني آخر مرة ضحكت فيها، بكيت بعدها دهراً
فاصطنعت مصدر قوة
امسكت بالكأس
أراه يفيض بشيء مما فيه
تتساقط حبات عصير البرتقال على رجلي
لا أشعر ببرودتها
سرعان ما تمتص ملابسي تلك البقع فتختفي
كم أرثى لحال الكأس
أحاول أن أشرب
بهدوووووووء
أااااااااااااه
ما بقي من برودة فيه، تلسع لساني
فأرجعه هناك
أسند ظهري إلى الكرسي
وأبحر قليلاً.
لا... بل أراني مرة أخرى أسترق النظر للعجوز
طاولته نظيفة
مرتبة
لا أثر لكأس عليها
ولا حتى دائرة من قاع فنجان طبعها الندى
ولا حتى جريدة قديمة
لا أميز ما يلقي عينيه عليه
أراه ينظر للا شيء
أطلب من النادل إحضار الفاتورة
لن أستمر في هذه الملهاة
أراني أذهب للنادل خلسة وأسأله عن هوية العجوز
فيبتسم ذلك الطويل القامة قائلا:
ليس
ثمة
شيء
سوى
المرآة
العدد 721 - الخميس 26 أغسطس 2004م الموافق 10 رجب 1425هـ