بينما تجري مذبحة أطفال في غزة على يد الاحتلال الإسرائيلي ومذبحة أطفال في بغداد تسبب بها الاحتلال الأميركي، يقول الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان إن سورية ولبنان «انتهكا قرار مجلس الأمن رقم 1559»! كيلا يخيب أمل وزير الخارجية الأميركية كولن باول والناطق باسم خارجيته آدم ايرلي بأن يكون التقرير «قاسيا»... وفي الوقت الذي تتوارى فيه حوادث أطفال العرب تحت الثرى، وينشغل العالم العربي وخصوصاً بـ «مناظرة» بين رجلين أميركيين يتنافسان بشأن من سيحظى بشرف «دعم إسرائيل» و«كسر أنف» من بقي لهم أنوف في عالم العرب... ووسط الحوادث في العراق وفلسطين ولبنان وسورية وفي أروقة الأمم المتحدة، إذ لا صوت يعلو على صوت أميركا المنشغلة عن العالم بتفصيل «رجل» يشتغل بـ «العالم» لأربع سنوات مقبلة.
تناولت الصحف العبرية على نحو واسع العملية العدوانية الواسعة النطاق وغير المحددة بزمن التي تشنها قوات الاحتلال الإسرائيلية في قطاع غزة تحديداً، تحت الاسم الرمزي «أيام الندم» بحجة منع المقاومة الفلسطينية من إطلاق صواريخ على المستوطنات الإسرائيلية داخل الخط الأخضر. وأجمع المعلقون الإسرائيليون على أن «إسرائيل» لن تجني من هذه العملية سوى «الغرق في مستنقع غزة» ورجح الجميع فشل جيش الاحتلال في ردع صواريخ «القسام» من السقوط في المستوطنات. ودليلهم نجاح الهجمات الأخيرة لفصائل المقاومة في حمأة الحملة العسكرية المستمرة في القطاع.
لكن الصحف العبرية نعت في طريقها «خطة شارون» للانفصال عن غزة. ونعى البعض الجهود المصرية والدولية في هذا الشأن لأن عملية «أيام الندم» ستجعل من الصعب على مصر والمجتمع الدولي دعم خطة الانسحاب. وإذ لاحظ أحدهم أن جنود جيش الاحتلال بدوا «قساة القلوب» أمام استشهاد الأطفال الفلسطينيين! كانت الملاحظة الأقوى هي التساؤل الساخر لأحد المحللين حين كتب أنه ليس من الواضح كيف أن هذه العملية العسكرية ستدعم توجه شارون نحو عدم جعل خطة الانسحاب تجري تحت وابل الرصاص؟! لكن في التقرير أيضاً نتائج استطلاع جديدة أظهرت أن 74 في المئة من الفلسطينيين يعتبرون أن خطة الانسحاب من غزة انتصار للكفاح المسلح.
وكتبت «هآرتس» تحت عنوان «تفادوا المستنقع في قطاع غزة»، لاحظت خلالها أن خطة فك الارتباط بعيدة كل البعد عن التنفيذ غير أن حركة «حماس» نجحت حتى الآن في إعطاء انطباع بأن التحضيرات للانسحاب تجرى تحت وابل الرصاص. وإذ رأت أن الحركة وشركاءها تلقوا ضربات متلاحقة من الجيش الإسرائيلي، زعمت أنه على رغم ذلك واصلت الحركة توتير الأجواء. وأضافت أن الحوادث العسكرية على الأرض باتت أكثر حدة من قبل، كما أن الخسائر الإسرائيلية أكبر! ورأت أن المعركة باتت معركة استنزاف من جنوب غزة حتى شمالها. وأشارت الصحيفة إلى أن سبب الحملة العسكرية الجديدة هو فشل الجيش الإسرائيلي في وقف عمليات إطلاق صواريخ «قسام» على رغم أنه حاول ذلك بأكثر من طريقة. وإذ رجحت «هآرتس» أن يثير التصعيد الجديد اهتمام «حماس»، أكدت أنه في جميع الأحوال لا يصب هذا التصعيد في مصلحة «إسرائيل» التي اتخذت قرار الانسحاب. وشددت على أنه صحيح أن على «إسرائيل» حماية نفسها بكل الأساليب غير أن ذلك لا يعني رفع عدد الخسائر البشرية في صفوف الفلسطينيين والغرق عميقاً في مستنقع غزة. وكتب عاموس هاريل في «هآرتس» مقالة على هامش حملة جيش الاحتلال في قطاع غزة استهلها بالإشارة إلى أن ضباطاً رفيعي المستوى في مكتب الارتباط على معبر آريتز شاهدوا وقائع المعركة في مخيم جباليا من على شاشة «الجزيرة». ولاحظ أن التقارير التي أظهرت سقوط أطفال فلسطينيين في المخيم فشلت في تحريك مشاعر الضباط. وبرر ذلك بأن هؤلاء الضباط كانوا شهدوا في مستوطنة «سديروت» مقتل طفلين من المستوطنين بصواريخ «قسام» لافتاً إلى أنه عند سقوط أطفال إسرائيليين تصبح قلوب الإسرائيليين متحجرة تجاه آلام الطرف الآخر.
واعتبر أن استمرار الوجود العسكري الإسرائيلي على أطراف مخيم جباليا وبيت حانون لفترة طويلة سيرفع عدد القتلى والجرحى على الجانبين، الأمر الذي سيؤدي إلى المزيد من الضغوط الدولية على «إسرائيل»، دائماً على حد توقعات هاريل. واعتبر زئيف شيف في «هآرتس» أن الطرف الوحيد الذي لديه مصلحة في السماح للجيش الإسرائيلي بالغرق في مستنقع غزة ومخيمات اللاجئين هناك، هم بعض المستوطنين وغيرهم من الذين يرغبون في إفشال خطة فك الارتباط. غير أن شيف، رأى أن تورط الجيش الإسرائيلي في أكثر المناطق اكتظاظاً في غزة لا يصب في مصلحته ولا في مصلحة «إسرائيل» التي يرغب غالبية سكانها في الانسحاب من غزة. وأكد أن بقاء الجيش في مخيم جباليا لفترة طويلة، «سيجبي ثمناً باهظاً» من خلال سقوط عدد كبير من الخسائر في صفوفهم وإلحاق أضرار جسيمة بممتلكاتهم. من جانبه أجرى «المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية» من على موقعه على الإنترنت استطلاعاً للرأي في الضفة الغربية وقطاع غزة وذلك في الفترة الممتدة من 23 إلى 26 سبتمبر/أيلول 2004. وقد بينت نتائج الاستطلاع أنه بعد أربع سنوات من الانتفاضة يشعر 86 في المئة من الفلسطينيين بفقدان الأمن والسلامة الشخصية، بعد أن بلغت هذه النسبة 77 في المئة في يونيو/حزيران الماضي. وتبين في المقابل أن 41 في المئة من الشعب الفلسطيني يعتبرون أن تفشي البطالة وانتشار الفقر يشكلان المشكلة الأولى التي تواجه الفلسطينيين اليوم. في حين رأى 35 في المئة أن المشكلة الأولى هي الاحتلال و15 في المئة انتشار الفساد وغياب الإصلاح و8 في المئة الفوضى الداخلية. وأظهرت نتائج الاستطلاع أن 77 في المئة من الفلسطينيين أيدوا عملية بئر السبع واعتبر 64 في المئة ان المواجهات المسلحة ساهمت في تأمين الحقوق الفلسطينية التي فشلت المفاوضات في تحقيقها. غير أن الغالبية العظمى 83 في المئة عبرت عن رغبتها في وقف العنف على الجانبين كما أكد 59 في المئة أنهم سيؤيدون اتخاذ إجراءات لمنع العمليات ضد «إسرائيل» في حال تم التوصل إلى اتفاق بشأن وقف النار. كما تبين من الاستطلاع أن 75 في المئة من الفلسطينيين يؤيدون المصالحة بين الشعبين الفلسطيني والإسرائيلي إذا تم التوصل إلى اتفاق سلام. من جهة أخرى ارتفعت نسبة التأييد للمبادرة المصرية من 64 في المئة في يونيو الماضي إلى 69 في المئة، فيما انخفضت نسبة المعارضة من 34 في المئة إلى 27. كما عبر 79 في المئة من المستطلعين عن تأييدهم لتوحيد الأجهزة الأمنية تحت قيادة مجلس الوزراء. كما أيد 70 في المئة التحرك المصري الهادف إلى التوصل إلى وقف لإطلاق النار. وفيما يتعلق بخطة شارون للانسحاب من غزة فقد ارتفعت نسبة الذين يعتقدون أن الخطة انتصار للكفاح المسلح من 66 في المئة في مارس/آذار الماضي إلى 74 في المئة في هذا الاستطلاع. كما أكد 54 في المئة أنهم سيعارضون استمرار العمليات المسلحة في غزة في حال كان الانسحاب كاملاً. من جهة أخرى أظهر الاستطلاع أن 64 في المئة من الفلسطينيين يشعرون بالقلق من إمكان نشوب صراع فلسطيني داخلي في قطاع غزة بعد انسحاب «إسرائيل» منه
العدد 758 - السبت 02 أكتوبر 2004م الموافق 17 شعبان 1425هـ