العدد 760 - الإثنين 04 أكتوبر 2004م الموافق 19 شعبان 1425هـ

هل من يعود بالبوصلة إلى وجهتها الصحيحة؟

بعد إقصاء الكفاءات من معهد البحرين للتدريب

لاتزال الأوضاع داخل أسوار معهد البحرين للتدريب لا تبشر بالخير، على رغم المحاولات التي تبذلها إدارة المعهد في تلميع الصورة وإن استدعى ذلك تدخلا من أصباغ المكياج، غير ان واقع الحال يقول إنها لم تعد تنفع لإخفاء ما أفسدته الأيام، تماماً مثلما تفعل الشيخوخة.

استياء عام يسود أوساط المتدربين والمدربين من القرارات المتتالية، من دون دواعٍ وأسباب معلنة لها، ما يبرهن بجلاء على تخبط حاصل... هموم كثيرة نعرف منها جزئيات صغيرة بالمقارنة مع ما يحصل خلف الأسوار، ينقلها المنتسبون للمعهد عبر انتقاداتهم للوضع الذي لا يشهد سوى التردي، ما يدفعهم إلى الشكوى بصيغ كثيرة منها ما وصل أخيرا إلى «الوسط»، بعدما فتحنا ملف المعهد بشقيه الموجب والسالب في الأيام الماضية.

«نافذة» اليوم نفتحها من جديد على الأوضاع التي يمر بها المعهد، على لسان حال بعض الموظفين السابقين والحاليين، الذين اشترطوا ان يقترن البوح بعدم ذكر أسمائهم، خشية توبيخ يضاف إلى قائمة الممارسات المتعجرفة ضدهم، متحملين مسئولية ما يرون ويقسمون بصدقه.

الموظفون الذين قصدوا مبنى «الوسط»، ولم تقصدهم كما فعلنا في «نافذة» سابقة، فضلوا الانطلاق في الحديث عن المعهد في عصره الذهبي بداية عقد التسعينات وحتى العام 2001، «فخلالها حصل المعهد على جميع الاعتمادات للشهادات من الجهات المانحة، منها اعتراف من «EDEXCEL» وهي الجهة المانحة لحوالي 80 في المئة من شهادات المعهد، كذلك «AAT»، «NEBOSH» و«IASH» وجميعها شهادات معتمدة من بريطانيا»، كذلك «استقطب المعهد خلال هذه الحقبة الكثير من الكفاءات المحلية والخارجية».

بالتوازي مع ذلك، حقق المعهد خلال تلك الفترة الكثير من الإنجازات، فقد حصل نحو 80 في المئة من خريجي المعهد على وظائف في سوق العمل البحريني، وفي فترة الاحتقان السياسي التي شهدتها البحرين خلال التسعينات من القرن الماضي... استحدث المعهد برامج استطاعت استقطاب الكثير من الطلاب الذين تسربوا من المدارس إلى الشوارع نتيجة هذه الحوادث، ومن بينها برنامج الدبلوم الوطنية و«CRAFT»، بالإضافة إلى برامج التقوية، «وكانت هذه البرامج من ضمن الأمور البارزة في تلك الفترة».

بالإضافة إلى ذلك، حصل المعهد على عدة اعترافات، منها اعتراف من منظمة العمل الدولية التي صنفت معهد البحرين للتدريب كمعهد متميز وخصوصاً في تأهيل الباحثين عن العمل (التدريب المهني)، كذلك «أدكسل» (وهي أكبر شركة مانحة للشهادات في العالم) منحت المعهد اعترافاً بأنه مركز متميز.

المبتعثون من الشركات

منذ العام 1995 وحتى 2000 ازدادت نسبة المبتعثين من الشركات بشكل واضح، وقد وصلت نسبة الزيادة خلال هذه الفترة إلى نحو 200 في المئة، وذلك نتيجة لأمرين، الأول بحسب ما يراه الفريق الساخط على الأوضاع الحالية، هو تحسين المخرجات بإنشاء دائرة ضبط الجودة، أما الثاني وهو الأهم، وتمثل في إنشاء دائرة التدريب الخاص بالشركات التي كانت في السابق عبارة عن قسم «وتتواصل هذه الدائرة مع الشركات وتحدد احتياجاتها التدريبية، ومثل العائد من رسوم المبعوثين في إحدى السنوات مبلغ 800 ألف دينار».

«وتشكل المبالغ التي يجنيها المعهد من ابتعاث الشركات لموظفيها نسبة مهمة في موازنة المعهد التي تعتمد على الدعم الحكومي البالغ 3,5 ملايين دينار سنويا»، إلى جانب الموارد الذاتية للمعهد التي تشكل «1,5 مليون دينار من موازنته، منها 800 ألف إلى مليون دينار تأتي من رسوم ابتعاث الشركات لموظفيها للتدريب في المعهد، وهناك موارد أخرى تأتي من إيجار المطاعم والمحلات الموجودة بالمعهد تبلغ نحو 1,5 مليون دينار، فكانت الموازنة السنوية للمعهد نحو 5 ملايين دينار».

تطوير الموظفين

ومن جانب آخر، على صعيد تطوير الموظفين، في الفترة الذهبية، يقول مصدر موثوق «وضع نظام ابتعاث الموظفين بعد موافقة مجلس إدارة المعهد على تخصيص مبلغ من موازنة المعهد لابتعاث مجموعة من الموظفين للحصول على شهادات البكالوريوس، الماجستير والدكتوراه (...) غير ان الحال في المعهد لم يستمر على ما هو عليه، بعدما أصدر وزير العمل والشئون الاجتماعية مجيد العلوي قراراً بنقل ناجي المهدي منسقاً للبرامج في الوزارة، وعين باسم البحارنة خلفاً له».

وهذه الفترة اعتبرها الكثير من الموظفين في المعهد بأنها «مفقودة ومظلمة في حياة المعهد، لأن المهدي وعلى رغم ما عرف عنه من صرامة في الإدارة كان يجيد مسك العصا من النصف وكان مبدعا بما يكفي ليحول المعهد من مجرد معهد يستقطب المتسربين من التدريس إلى معهد وطني يعتلي هرم الخيرات العلمية أمام خريجي الثانوية العامة».

بعدها عين البحارنة الذي لم يبق في منصبه سوى سبعة أو ثمانية شهور، «لا يمكن الحكم على شخص في منصب مدير معهد في هذه الفترة القصيرة نسبياً» كما يقول منتسبي المعهد الذين قصدوا «الوسط»، «وخصوصاً أن التغيير تم في منتصف العام الدراسي فاستمر المعهد برتيبة واحدة من دون أي تغيير».

إلى ذلك، يؤكد عدد من المقربين من البحارنة أنه «ترك المعهد لأنه وجد أن المعهد الذي أنشئ ليخدم شريحة من المجتمع ويؤهلها لدخول سوق العمل، سينحرف اتجاهه بسبب تدخل وزارة العمل»، غير أن تأكيدات أخرى تشير إلى أنه «ترك الكرسي لحصوله على منصب آخر يدفع بسخاء أكثر».

نقطة التحول

الموظفون الذين عاصروا تلك الفترة يرون أن نقطة التحول الكبرى في تاريخ المعهد هي تعيين الإدارة الجديدة، والسبب في ذلك بحسب الموظفين عائد إلى عدة أمور منها القصور في الخبرة الإدارية، وانعدام التخصص.

فيما يؤكد المقربون من الإدارة الجديدة أنها لم تشغل في يوم من الأيام أي منصب إداري قبل الوصول إلى كرسي المعهد، بعد شغل وظائف عدة لا علاقة لها بالإدارة، في ديوان الخدمة المدنية، وقسم التدريب في وزارة الكهرباء والماء، وزارة العمل والشئون الاجتماعية، إلى ان استقر بها الحال في المعهد.

إقصاء الكفاءات

ويذهبون إلى القول «بعد التغيير الأخير في المعهد عمدت الإدارة إلى استخدم سياسة إقصاء الكفاءات، حتى وصل عدد المدربين البحرينيين الذين تركوا المعهد منذ تولي الإدارة الجديدة المنصب ما بين 15 إلى 20 مدرباً من الكفاءات المحلية، تماما في عدد مقارب للمدربين الأجانب الذين أنهيت عقودهم أخيراً، وكان ذلك مدعاة للتفاخر عند القائمين على المعهد.

وفي الوقت الذي يؤكد المتحدثون باسم المعهد أن معهدهم مليء بالامكانات البشرية والفنية التي لا توجد في أي معهد آخر في البحرين وحتى على مستوى الخليج، يرى آخرون انه من المفترض أن يكون المعهد منتجاً للكفاءات، لا طارداً لها، ويصرون أكثر على ان الكفاءات التي لاتزال تعمل هناك مازالت معطلة.

تضليل الوزارة

إلى ذلك، يكشف هؤلاء عن سوء استغلال وتضليل عبر إعطاء المعلومات المغلوطة، التي منها ما رفع في هيئة تقرير إلى وزير العمل والشئون الاجتماعية، جاء فيه أن هناك مشروعاً لتدريب مجموعة من شباب إحدى الدول الخليجية بالتنسيق مع أحد المكاتب الموجودة في تلك الدولة لتأهيل الشباب لدخول سوق الذهب كأصحاب محلات وصياغة.

لكن حقيقة هذا الموضوع أن المعهد تلقى مكالمة من أحد المسئولين في ذلك المكتب يستفسر فيها عن إمكان تدريب عدد من موظفيهم في المعهد، بعدها التقى بهم عدد من المسئولين في المعهد ووضعوا لهم برنامجاً تدريبياً، لكن ما رفع في ذلك التقرير يقول بإتمام الاتفاق بين الطرفين وإن المكتب تبرع للمعهد، على رغم أن شيئاً من ذلك لم يحدث.

وفي حادثة أخرى مضللة، زار احد وزراء العمل الخليجيين المعهد، وصرح بعد زيارته بإعجابه بالمعهد وإدارة الجودة فيه فقط، غير أن ما رفع في التقرير الذي أعقب الزيارة قال إن الوزير الخليجي طلب نقل تجربة المعهد في إدارة الجودة إلى خمس كليات حكومية في تلك الدولة، وهو أمر لم يحدث.

جامعة نيويورك

حادثة أخرى يرويها أحد المسئولين السابقين في المعهد، ليقول: «كان المعهد في نقاش مع جامعة نيويورك للاعتراف بشهادات المعهد ومعادلتها، لوجود صعوبة في معادلتها بشهادات جامعة البحرين، ووصل النقاش إلى أن المسئولين في جامعة نيويورك وعدوا بمساعدة المعهد في ذلك، غير أن ما نشر في الصحافة المحلية يقول إنه تم الاتفاق مع جامعة نيويورك لمعادلة شهادات المعهد! فاتصل في اليوم الثاني أحد المسئولين من جامعة نيويورك مستغرباً هذا التصرف، وقال إن الاتفاق لم يكن نهائياً، إذ لابد من إرسال الشهادات إلى نيويورك للنظر في المشروع، ونتيجة ذلك التصرف نشرت جامعة نيويورك تكذيباً للخبر، ما أضاع الفرصة على المعهد كمؤسسة تدريبية وعلى الدارسين فيه كمتدربين بحاجة إلى اعتراف من هذا النوع، خصوصا مع تقلص فرصة معادلة شهادة المعهد بالشهادة الجامعية».

حادثة أخرى، يرويها مسئول آخر، ليقول: «كانت تدرس في المعهد طالبة من إحدى الدول الخليجية، ووالدتها سيدة أعمال زارت المعهد واقترحت أن يدخل المعهد سوق تلك الدولة، وبعد خروجها رفع تقرير إلى وزارة العمل، يؤكد أن اتفاقا حدث مع جمعية نساء الأعمال في تلك الدولة لإعداد برنامج تدريبي لتأهيل الفتيات للدخول في مجال الفنون(...) على رغم أن المسئولين في المعهد لم يتلقوا أي طلب من الجمعية بل ولم يسمعوا عنها».

ويستغرب عدد من المديرين و المدربين في المعهد من المسئولين عن تعامل الإدارة مع الجهات التي كانت تحاول المساهمة في تطوير المعهد، فلم يتوقف الأمر عند جامعة نيويورك التي خسر المعهد اعترافها بشهاداته، بل إنه خسر أيضا الفوائد التي سيجنيها من توقيع اتفاق التجارة الحرة بين البحرين وأميركا، «في إحدى المرات كان الوفد الأميركي الذي زار البحرين في إطار التباحث الذي سبق توقيع اتفاق التجارة الحرة في زيارة للمعهد، إذ كانوا يحددون الأماكن التي سيدعمونها ويساعدونها، وكانوا يهدفون إلى تدريب البحرينيين على التصميم، ورأوا في معهد البحرين النواة لهذا المشروع، غير أنهم أخذوا فكرة سيئة عن المعهد بعد ان وجدوه متخبطاً في قراراته، وأحس أعضاء الوفد بأنه لا يمكن الاستثمار في المعهد، وبناء عليه قرروا بأنه في حال الاستثمار في البحرين، فإنه لن يتم الاستثمار في المعهد، فخسر المعهد نتيجة ذلك مليوني دينار كان سيجنيها سنوياً».

«الوسط» حاولت نقل هذه التفصيلات التي يصر قاصّوها على أنها حقائق دامغة لا يمكن التشكيك في صحتها، ويقر بها كل العاملون حتى وإن تحاشوا الحديث للصحافة خشية العائد المحتمل، إلا ان الإدارة لا تريد الخوض في هذا المسار، وتعتبر كل ما يطالها محاولة للتشويش وقطع طريق النجاح.

الحديث لم ينته بعد، هناك الكثير مما يستحق النشر عن آليات التوظيف في المعهد، والموظفين الأجانب الذين مازالوا يعملون في المعهد، وتجاوزات إدارية أخرى، نطل عليها في نافذة أخرى قريباً

العدد 760 - الإثنين 04 أكتوبر 2004م الموافق 19 شعبان 1425هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً