تواصل الجدل الإسرائيلي بشأن خطة رئيس الوزراء الإسرائيلي ارييل شارون للانسحاب من غزة مع إنذار المستوطنين اليهود المطلوب منهم إخلاء المستوطنات بمهل طواعية حتى يوليو/ تموز المقبل والإجلاء بالإكراه بحلول سبتمبر/ أيلول. وذلك وسط تزايد التهديدات ضد شارون. وأعادت الصحف الإسرائيلية إلى الذاكرة اغتيال رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق اسحاق رابين في العام 1995، والأجواء التي سبقتها. هذه الأجواء المحمومة إسرائيلياً، التي قلل من شأنها سياسيون فلسطينيون وشككوا في الأهداف الحقيقية لخطة شارون، رأى المستشار القانوني في منظمة التحرير الفلسطينية مايكل طرزي في «هآرتس»، أن على الإسرائيليين ألا يضعوا اللوم على الفلسطينيين في حال قرروا اللحاق بالسياسات الإسرائيلية إلى نتيجتها المنطقية، إذ أصبح لدى الفلسطينيين الحق في إعادة النظر في خياراتهم مقابل الخطوات الإسرائيلية الأحادية.
وأوردت «هآرتس» أن الكنيست سيشدد الإجراءات الأمنية خلال جلسة خطة فك الارتباط. ونقلت الصحيفة العبرية عن رئيسه روفن ريفلن أنه قرر فرض إجراءات أمنية لا سابق لها بشأن مقر «الكنيست» بعد أن وصلته تقارير تفيد بأن آلاف الأشخاص قرروا الحضور إلى المقر الأسبوع المقبل من بينهم أعضاء في اللجنة المركزية لتكتل «ليكود» من أجل الضغط على نواب التكتل ووزرائه للتصويت ضد الخطة. هذه الأجواء المحمومة، لاحظ جدعون ساميت في «هآرتس» أنها تتجه بـ «إسرائيل» نحو أزمة وطنية بسبب تنامي نفوذ المتطرفين والمتعصبين. وأشار في مقاله «عودة المتطرفين» إلى أن خطة شارون لفك الارتباط مع الفلسطينيين تراوح مكانها ليس لأن رئيس الوزراء لا يريد تنفيذها أو أنه لا يملك تأييد الغالبية ولا لأن الخطة ليست حيوية، بل أن الخطة عالقة لأن السياسات الإسرائيلية تجنح صوب اليمين بطريقة مدمرة على حد تعبيره.
غير أنه حذر في حال تعرضت خطة الفصل للهزيمة في «الكنيست» أو لم يتم تطبيقها فإن ما من شيء سيمنع «إسرائيل» من الانزلاق نحو أسوأ الأوضاع. وأضاف أن هزيمة الخطة ستكون بمثابة انتصار للمتطرفين والمتعصبين اليهود الذين سيقوضون أية فرصة للتوصل إلى حل للنزاع مع الفلسطينيين. وأوضح ساميت، أن ربع أعضاء «الكنيست» هم من اليمين وهم يرغبون في استمرار النزاع مع الفلسطينيين إلى الأبد. الأمر الذي اعتبر ساميت انه قد يؤدي إلى غرق «الكنيست» وخصوصاً انه خارج أبواب هذه المؤسسة لا يوجد سوى مسئولين همجيين على حد قوله. وتوقع المعلق أن ينضم المزيد من أعضاء الحزب الحاكم وحزب «شاس» الديني وحزب «يهدوت هتوراة» إلى المتمردين في تكتل «ليكود» والحزب القومي الديني «المفدال» والاتحاد الوطني في رفضهم لخطة الفصل. مرجحاً أن يشكل هؤلاء أكثر من ثلث أعضاء الكنيست وأن يتعزز نفوذهم في حال جرت انتخابات مبكرة. واستغرب يوئيل ماركوس في «هآرتس» تحذير رئيس الوزراء الإسرائيلي من أن الجنود الذين يرفضون الخدمة في الأراضي المحتلة خلال عملية إخلاء غزة سيدمرون «إسرائيل». متسائلاً أنه طالما أن غالبية الإسرائيليين تدعم خطة الفصل فلماذا الخوف إذاً؟ ورأى أن الدعوة إلى إجراء استفتاء عام بشأن خطة الفصل هي محاولة لضرب مبادرة شارون. وتساءل عن الفائدة من الاستفتاء الشعبي بشأن الخطة طالما أن الإسرائيليين يعلمون أنه على رغم أن غالبية الإسرائيليين تؤيد هذه الخطة فإن 60 حاخاماً سيصدرون فتوى ضد تنفيذ الخطة وأقلية إسرائيلية ستهدد بالمواجهة؟ وهنا أكد المعلق أن القرارات المصيرية يجب أن تتخذ في «الكنيست» وليس خلال محادثات مع زمرة من المتعصبين الذين يدعون الجنود إلى رفض الخدمة في الأراضي المحتلة وإثارة الرعب في نفوس غالبية الإسرائيليين. وختم بالقول إن ما يهم اليوم ليس الحلم بـ «إسرائيل» الكبرى بل بـ «إسرائيل» الديمقراطية. وفي مقال يتجاوز السجالات الداخلية الإسرائيلية بشأن الخطة لاحظ ألوف بن في «هآرتس» أن استمرار الحرب بين الفلسطينيين والإسرائيليين وعدم وجود نهاية قريبة للنزاع بين الطرفين وحقيقة أن ما من صيغة لوقف المواجهات، جميعها عوامل تعيد طرح السؤال بشأن أهداف الحرب الإسرائيلية على الفلسطينيين. وتساءل بن عن الخطط المطروحة حالياً لحل النزاع الفلسطيني الإسرائيلي؟ وأجاب انه في الغرب ثمة جدال فكري وإعلامي بشأن حق «إسرائيل» في تعريف نفسها على أنها دولة يهودية. لافتاً إلى أن هذه الفكرة بدأت تتردد في بعض وسائل الإعلام. وأشار إلى انه في داخل «إسرائيل» لا يوجد عدد كبير من المؤيدين لفكرة إقامة دولة واحدة بشعبين التي قد تعني نهاية الصهيونية.
لكن هناك أصوات داخل الجيش لم تعد تؤمن بإمكان تحقيق أي من الخطط السياسية المطروحة لحل النزاع مع الفلسطينيين، وبدلاً من ذلك ثمة من يدعو إلى اتفاق إقليمي ينص على التخلي عما وصفها بالفكرة الفاشلة التي تقضي بتقاسم الأرض مع الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات والعودة إلى الحل الذي طرحه اتفاق الهدنة العربية الإسرائيلية في العام 1948. مذكراً أن هذا الاتفاق نص على منح السيطرة الأمنية على غزة لمصر والضفة الغربية للأردن ومرتفعات الجولان لسورية! وفي المقابل كانت «إسرائيل» ستحصل على اتفاقات ثابتة مع الدول الثلاث.
وانتقد المستشار القانوني في منظمة التحرير الفلسطينية مايكل طرزي في «هآرتس» ما جاء في مقال للمعلق الإسرائيلي أبراهام تال في الصحيفة ذاتها، من أن منظمة التحرير لاتزال تفكر في حل الدولة الواحدة مشدداً على أن المنظمة لاتزال ملتزمة رسمياً بحل الدولتين. ولفت طرزي، إلى أن رئيس السلطة الفلسطينية ياسر عرفات أكد هذا الالتزام في مقال نشره في «نيويورك تايمز» في العام 2002 والتي كتب خلالها أن الرؤيا الفلسطينية للسلام تشمل إقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة في الأراضي التي احتلتها «إسرائيل» في العام 1967 تعيش بسلام جنباً إلى جنب مع دولة «إسرائيل».
وأضاف انه على رغم أن بعض الفلسطينيين لايزال يؤيد حل الدولة الواحدة غير أن استطلاعات الرأي أظهرت أن غالبيتهم تؤيد حل الدولتين. واتهم طرزي في المقابل «إسرائيل» بتقويض حل الدولتين عبر خطة فك الارتباط. مشيراً إلى أن المشكلة لا تكمن في أن الفلسطينيين يريدون دولتين أو دولة واحدة بل في الخطوة الإسرائيلية الأحادية التي تجعل من حل الدولتين مستحيلاً. إلا أن مستشار السلطة الفلسطينية استدرك بالقول انه نظراً إلى ما خلفته الخطوات الإسرائيلية مثل جدار الفصل والتوسع الاستيطاني من تداعيات على الشعب الفلسطيني، أصبح لدى الفلسطينيين الحق في إعادة النظر في خياراتهم. وأضاف انه في حال كانت النتيجة غير مناسبة لأبراهام تال وأمثاله فيجب أن يبحث في أسباب ذلك مع المستوطنين والحكومة الإسرائيلية وألا يضع اللوم على الفلسطينيين في حال قرروا اللحاق بالسياسات الإسرائيلية إلى نتيجتها المنطقية على حد تعبيره
العدد 778 - الجمعة 22 أكتوبر 2004م الموافق 08 رمضان 1425هـ