الإمام علي بن ابي طالب (ع) عظيم العظماء، نسخة مفردة لم يرَ لها الشرق ولا الغرب صورة طبق الأصل لا قديماً ولا حديثاً» شبل الشيمل.
ما هو من الآدميـين إلا بمقدار ما يسمون بمقياس الضمير والوجـدان. هلاّ أعرت دنياك أذناً صاغيةً فتخبرك بما كان من أمرٍ عظيم ما أعطت الدنيا أن تحدثـك عن مثـله إلاّ قيلاً بين جيل وجيل!
هلا أعرت دنياك أذناً وقلباً وعقلاً فتـلقي إلى كيانك جميعاً بخبر عبقري حملت منه في وجدانها قصة الضمير العملاق يعلو ويعلو حتى لتهون عليه الدنيا وتهون الحياة ويهون البنون والأقربون والمال والسلطان ورؤية الشمس المشرقة الغاربة. وحتى يندفع بصاحبه ارتفاعاً فما هو من الآدميـين إلا بمقدار ما يسمون بمقياس الضمير والوجدان !
هلا أعرت دنياك هذه الأذن وهذا القلب وهذا العقل فتروي لك مع المعري ومع الطيبين من الأقربين والأبعدين قصة الشهادة تصبغ الفجر والشفق بدم العدل والحق الصريعين فاذا دماء الشهيد في أواخر الليل فجران وفي أولياته شفقان!
هلا ضربت بعينيك إذ شئت من تاريخ هذا الشرق سائلاً عن فكر هو من منطق الخير نقطة الدائرة تـشد إليها آراء جديدة في الحياة والموت ونظرات عميقة في الشرائع والأنظمة والدساتير وقوانين الأخلاق وفي مكانها من المجموعة البشرية على صعيد التعامل والتعاطي وربط الانسان بالانسان في مجتمع هو من الكل وللكلّ على السواء!
هلا سألته عن فكر أنتج للناس مذهباً في الحكمة هو من مذاهب العصور ومن نتاجها القيم يرثه الأولون فيورثونه الابناء والأحفاد فيجتمعون له فيأخذون منه بقدر طاقتهم على الأخذ وما يتركونه فهو للطالعين المقبلين!
هلا سألته عن ذكاء غريب أورث صاحبه الشقاء والناس منه في نعيم. ومدّ أمام انصاره وخصومه الطريق ولايزال! ذكاء العالم الباحث عن كل علـّة وكل نتيجة؛ الراغب في الاكتـشاف والتبيـين وتركيز ذاته على قواعد ونواميس العميق الواسع الإدراك السابر الأغوار حتى لا تفوته أعمال الناس وهي لاتزال في نفوسهم خواطر وفي رؤوسهم أفكار! ذكاء العالم الذي أوتي من المواهب ما جعل علمه متصلاً بكل علم أخلاقي جاء بعده في هذا الشرق بل أصل له!
هلا عرفت بين العقول عقلا نافذا كانت له السابقة في ادراك حقيقة كبرى هي أصل الحقائق الاجتماعية وعلـّة تركيب المجتمع وتسيـيره على هذا النحو من دون ذاك وهي الموضوع الذي تدور عليه دراسات الباحثين العلماء في الشرق والغرب اليوم بعد ألف وأربعمئة عام ونيف، تمرّ على إدراكه إياها ولا تعنى بها الا واقع الاستغلالية وأساليبها في الاحتيال على قواعد الطبيعة وفي تضليل العقول عن أسبابها الصحيحة ونتائجها المحتومة وتـفاهة منطقها الذي صنعه الاغنياء لاستـثمار الفقراء والحكام لاحتكار مجهود الناس، وبعض الإلهيـين لتـثبيت سلطانهم على الأرض!
سرّ الإنسانية
هل عرفت العقل الجبار يقرر منذ بضعة عشر قرناً الحقيقة الاجتماعية الكبرى التي تضع حداً لأوهام لها ألف مصدر ومصدر، فيعلن أنه «ما جاع فقيرٌ إلاّ بما متّع به غني»، ثم يردف قائلاً لتـقييم هذه الحقيقة «ما رأيت نعمة موفورة إلا وإلى جانبها حق مضيع». أمـّا إلى أحد عماله فيـبعث بهذا القول في صدد الحديث عن الاحتكار، باب الغبن الاجتماعي ودعامته: «وذلك باب مضرة للعامة وعيب على الولاة فامنع من الاحتكار».
هل عرفت عظيماً دلـّه عقله الجبـّار منذ بضعة عشر قرناً على اكتشاف سر الانسانية الصحيح فاذا سرّها متصل اتصالاً عميقاً بالشعب الذي لم يكن حكـّام زمانه وملوكه يقيمون له وزناً أو يشعرون له بوجود إلا في نطـاق ما يكون لهم سلـّماً ومطيـّة. فاذا كان رافائـيل اتخذ من إحدى فلاحات الريف الايطالي نموذجاً للعذراء أم المسيـح (ع) ليضع في هذا النموذج ما يحبه ويريده من معاني الكرم الانساني؛ واذا كان تولستوي وفولتير وغوتة عملوا في صنيعهم الفكري والاجتماعي ما هو من روح رافائيل في صنيعه هذا فان ذاك العظيم سبقهم اليه بمئات السنين مع الفارق بين ظرفه الصعب وظروفهم المؤاتية؛ وبين مجتمعه الضيـّق ومجتمعاتهم الواسعة. فاذا هو يحارب الملوك والأمراء والولاة والأثرياء! يحارب عبثهم وسخف تـفكيرهم في سبيل الشعب المظلوم المهان فيـقسم قائلاً: «وايم الله لأنصفنّ المظلوم من ظالمه ولأقودنّ الظالم بخزامته حتى أورده منهل الحق وإن كان كارهاً». ثم يطلق في آذان أمراء زمانه العابثـين هذه الصيحة المدوية التي يكمن وراءها من المعرفة بحقيقة أهل الارستقراطية التافهين المتعالين على تـفاهتهم وبحقيقة الشعب البائس الشقي ما لا مزيـد عليه، فيقول بايجاز كأنه صوت القـدر: «أسفلكم أعلاكم وأعلاكم أسفلكم!».
وما يقصد من وراء هذا إلا الاشارة الصريحة إلى ما يخفي الحرمان والجور من مواهب أبناء الشعب في الخير. وإلى ما يستـتر في ثياب الاقطاعيـين والحكام والمحتكرين من شياطين الشر وأبالسة الأذى والمكر!
هل عرفت عظيماً ساق إلى مدارك الناس حقيقة انسانية قديمة كالأزل باقية كالأبد عميقة حتى ليستـشفها كبار العقول والنفوس كل منهم على نهجه ووفق مزاجه؛ وحتى ليأبى العاديون إلا العيش في ظلالها وهم لا يعرفون فإذا بهم يرضون بما قسط لهم الأجداد والآباء من أفكار وآراء لا تتطلب منهم عناء ولا جهداً، لأنها أنزلت فيهم منزلة العادة والتـقليد حقيقة كانت أساساً لفلسفات ايجابية وأخرى سلبية. وأعني بها البحث عن المطلق للاستـقرار والبحث عن المطلق لا يعني في أعماقه الا البحث عن الحقيقة في وجه من الوجوه يتعاون في هذا البحث العقل والقلب والخيال وما ينبثـق عنها من خلق ثم الظرف والمناسبة والدوافع والنوازع على اختلاف معانيها وأشكالها. وقد أدرك هذا المطلق على نحو معين ثم أدرك بعقله وقلبه ان في كل استـقرار على المطلق قوة، فاذا هو مثال هذه القوة، واذا قوته تبدو في انتصاره وانكساره على السواء، لأنها هنا وهناك هي الغالبة القاهرة سيّان عندها النصر والهزيمة في ميدان القتال وميدان السياسة وكل ميدان فليس في الغلبة او الهزيمة محكّ لها؛ فهي انما تحمل بذاتها كل مقياس وكل ميزان!
صراع المبادئ والاستئثار
هل سألت تاريخ هذا الشرق عن صلابة العقيدة لا تجرّحها الزلازل ولا يشوبها من البراكين وهن. وأي زلزال أشد على العقيدة من ائتمار أقلـّه إجماع الخصوم وهم كثر أقوياء على التخطئة والتكفير وما اليهما من ذنوب! وأي بركان أكثر احراقاً للعقيدة من التهديد بالموت المحتوم ثم من الموت نفسه! ثم هل سألت كيف يكون الصراع من أجل العـقيدة لا يوارب ولا يساوم ولا ينطوي على نفع ولا يدور في نطاق من الأثرة والاستعلاء اللهم إلا اذا كان نجاح العقيدة هو النفع والاستعلاء والأثرة! هل طلبت إلى الدنيا أن تـناجيك بحديث الرحمة تنطلق من قلب ملأته الرحمة ومن لسان تجري عليه برداً وسلاماً، فاذا هي القوة الغالبة تتحطم على بابها مغريات الأرض المتفجرة بالمغريات تأتي من غير مصدرها في عهد هو عهد القسوة والاستغلال واحتكار المنافع يتـقاتـل عليها الخصوم، ثم يلتـقون على قـتال صاحب القلب واللسان الرحيمـين!
هل عرفت البراءة في قاموس الكلمات التي يردّدها الناس ويكتبونها ويعيشونها في كثيرهم أو قليلهم وكل منهم يأخذ منها بحكم تكوينه تنادي اليها أخواتها جميعا من سلامة القلب وصفاء النية والطهارة الخالصة التي لو مثـلتها لمـا أحسنت لها تـشبـيهاً بدموع الليل وأنداء الفجر لأنها طهارة الانسان ما فضله فجر ولا ليل! البراءة الصافية الطاهرة تـنبع من القلب الطاهر الذي تطمئنّ إلى صاحبه كما يطمئنّ الشتاء إلى حرارة الشمس وتـثـق به كما تـثـق الأرض بالماء فتحيا وتخضرّ!
هل عرفت عظيماً أدرك من أسباب المحبة والوفاء فوق ما أدرك الآخرون ثم ما أدرك هذه المحبة وهذا الوفاء إلاّ في نطاق الطبع الخالص الذي يجري بنفسه من نفسه فأحب وما تكلـّف حباً، ووفى وما تكلـّف وفاء، وفهم بعمق فكره وعميق حسـّه ان الحرية لها قدسية يريدها الوجود ويأبى عنها بديلاً، وفي رحبها تدور كل عاطفة وكل فكر، وفي رحبها يكون الحب ويجري الوفاء صريحين طليقين فإذا «شـرّ الاخوان من تكلـّف له»، خيرهم غير هذا.
هل سألت عن حاكم يحذر نفسه أن يأكل خبزاً فيشبع في مواطن يكثر فيها من لا عهد لهم بشبع؛ وأن يلبس ثوباً ناعماً وفي أبناء الشعب من يرتدي خشن اللباس؛ وأن يقـتني درهماً وفي الناس فقر وحاجة؛ ويوصي أبناءه وأنصاره ألا يسيروا مع نفوسهم غير هذه السيرة؛ ثم يقاضي أخاه لمكان دينار طلبه من مال الشعب من غير بلاء، ويقاضي أعوانه ومبايعيه وولاته من أجل رغيف يأكلونه في رشوة من غني، فيتهدد ويتوعد ويبعث إلى أحد ولاته بأنه يقسم بالله صادقاً ان هو خان من مال الشعب شيئاً صغيراً أو كبيراً، ليشدن عليه شدة تـدعه قليل الوفر ثـقيل الظهر ضئيل الأمر. ويخاطب آخر بهذا القول الموجز الرائع الايجاز: «بلغني أنك جرّدت الأرض فأخذت ما تحت قدميك وأكلت ما تحت قدميك، فارفع الي حسابك». ويتوعد ثالثاً ممن يرتـشون ويسعون في الاثراء على حساب المستضعفين فيقول: «فاتـق الله واردد إلى هؤلاء القوم أموالهم، فانك ان لم تفعل ثم أمكنـني الله منك لأعذرنّ إلى الله فيك، ولأضربنـّك بسيفي الذي ما ضربت به أحداً إلاّ دخل النار».
هل عرفت من الخلق أميراً على زمانه ومكانه يطحن لنفسه فيأكل ما يطحن خبزا يابسا يكسره على ركبتيه؛ ويرقع خفه بيديه؛ ولا يكتنز من دنياه كثيراً أو قليلاً على ما مرّ ، لأن همـّه ليس إلا أن يكون للمستضعف والمظلوم والفقير ينصفهم من المستغلـّين والمحتكرين ويمسك عليهم الحياة وكريم العيش؛ فما يعنيه أن يشبع ويرتوي وينام هانئا وفي الأرض «من لا طمع له في القرص». وفيها «بطون غرثى وأكباد حرّى»، قائلاً، ويا لشرف القول: «أأقنع من نفسي بأن يقال أمير المؤمنين ولا أشاركهم مكاره الدهر؟» ولأن أقل ما في هذه الدنيا شأناً هو خير عنده من ولاية الناس ان لم يقم حقاً ويزهق باطلاً؟!
هل عرفت في موطن العدالة عظيماً ما كان الا على حقّ ولو تألب عليه الخلق في أقاليم الأرض جميعا وما كان عدوّه الاّ على باطل ولو ملأ السهل والجبل لأن العدالة فيه ليست مذهباً مكتسباً، وان أصبحت في نهجه مذهباً فيما بعد؛ وليست خطة أوضحتها سياسة الدولة وان كان هذا الجانب من مفاهيمها لديه؛ وليست طريقاً يسلكها عن عمـد فتوصله من أهل المجتمع إلى مكان الصدارة وان هو سلكها فأوصلته إلى قلوب الطيـبين؛ بل لأنها في بنيانه الأخلاقي والأدبي أصل لا يمكنه أن يجوز ذاته فيخرج عليها حتى لكأن هذه العدالة مادة ركـّب منها بنيانه الجسماني!
هل عرفت في موطن الخصومات عظيماً حاربه ذوو المنافع وفيهم نفر من ذوي قرباه وقاتلوه فخذلت المفاهيم الانسانية المنتصرين عليه لأنه انتصار للحيلة والمساومة والائتمار وكسب الدنيا بسيف ظالم غاشم ورفعت المنكسر لأن انكساره في ضوء العقل والقلب يتضمن جوهر الشهادة في سبيل كرامة الانسان وحقوقه وما يتوق اليه من بلوغه العدالة والمساواة، وهكذا كان نصرهم هزيمة وانكساره انتصاراً عظيماً لقيمة الانسان!
المصلح المحارب
هل سألت التاريخ عن محارب شجاع فائق الشجاعة يبلغ به حبـّه لصفة الانسان في مقاتليه ويبلغ عطفه عليهم أن يوصي أصحابه وهو المصلح الصالح الكريم المغدور به فيقول: «لا تـقاتلوهم حتى يبدأوكم، فاذا كانت الهزيمة باذن الله فلا تـقتلوا مدبراً، ولا تصيـبوا معـوراً، ولا تجهزوا على جريح، ولا تهيجوا النساء بأذى»! ثم تجليه عن الماء عشرات الألوف المؤلفة من طالبي دمه على غير حقّ ويبلغونه انهم سيمنعون عنه الماء الجاري حتى يموت عطشاً. فيزيلهم عن الماء ويحتله، ثم يدعوهم إلى الماء أسوة بصحبه وبالطير الشارب ولا زاجر له. ثم يقول: «ما المجاهد الشهيد في سبيل الله بأعظم أجراً ممـّن قدر فعفا، لكاد العفيف أن يكون ملكاً من الملائكة». حتى إذا هو طالته اليد الآثمة فقضت عليه، قال لصحبه بشأن قاتله: «لئن تعفوا أقرب للتقوى».
محارب شجاع تـتصل في قلبه أسباب الشجاعة الغريبة والفروسية النادرة بأسباب العطف والحنان العجيبـين، فيعاتب المتآمرين به وله القدرة على أن يضرب فيصرع. وهو لا يعاتبهم إلا منفرداً أعزل حاسر الرأس، وهم مدججون بالسلاح لا يكاد يبدو لهم وجه إلا من خلاله؛ ثم يذكرهم بالإخاء الانساني وبالمودات؛ ثم يبكي لهم إذا هم حثــّوا السير في الطريق، حتى اذا أبوا إلا دمـه وهو سيف المستضعف والمحروم صبر لهم حتى يبدأوه القـتال، ثم راح يزلزلهم زلزلة ويقصفهم قصفا ويعصف بمطامعهم كما تعصف الرياح السافيات برمال الصحراء فتذروه بدداً. وهو لا يصرع منهم إلا الطاغية الباغية الذي تبيـّن فيه العداء والقصد للشر! ثم اذا هو ظفر بكى قتلاهم، قتلى الأنانية والأثرة تأتيهم من المطمع السقيم والهوى المنحرف!
هل عرفت من الخلق أميراً توافرت لديه أسباب السلطان والثروة كما لم تتوافر لسواه فإذا هو منها جميعاً في شقاء وحسرة دائمين. وتوافرت لديه محاسن الحسب الشريف فقال: «لا حسب كالتواضع»، وأحبـّه محبـّوه فقال: «من أحبني فليستعـد للفقر جلباباً». وغالوا في حبـّه فقال: «هلك فيّ محب غال»، وكرهه آخرون وسبوه فاستاء صحبـه وأجابوهم بالسباب فقال لهم: «أكره لكم أن تكونوا سبـّابين». وأغروه بمسايرة بعض الآثمين ولو إلى حين حفاظاً على سلطانه، فقال: «صديقك من نهاك وعـدوك من أغراك».
وتحدّثوا لديه عن نعيم الأرض فنظر إلى المتحدث يقول: «كفى بحسن الخلق نعيماً». ثم عادوا يغرونه بالنصر يأتيه على أسلوب الحاكمين فقال: «ما ظفر من ظفر الاثم به، والغالب بالشر مغلوب». وعلم من سيئات خصومه ما لا يعرفه سواه، فغضّ عنها طرفه وأخذ يردد: «أشرف أعمال الكريم غفلته عمـّا يعلم».
هل عرفت اماما لدين يوصي ولاته بمثـل هذا القول في الناس: «فانهم إمـّا أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق. أعطهم من عفوك وصفحك مثـل الذي تحب ان يعطيك الله من عفوه وصفحه»!
هل عرفت صاحب سلطان تمرّد على سلطانه لإقامة الحق في الشعب، وصاحب ثروة أنكر منها إلاّ القرص الذي يمسك عليه الحياة وما الحياة لديه إلا نفع اخوانه في الخلق ... أمـّا الدنيا «فغرّي غيري»!.
ثم هل سألت تاريخ هذا الشرق عن نهج للبلاغة آخـذ من الفكر والخيال والعاطفة آيات تتـصل بالذوق الفني الرفيع ما بقي الانسان وما بقي له خيال وعاطفة وفكر؛ مترابط بآياته متساوق؛ متفجـّر بالحس المشبوب والإدراك البعيد؛ متدفق بلوعة الواقع وحرارة الحقيقة والشوق إلى معرفة ما وراء هذا الواقع؛ يجمع جمال الموضوع وجمال الإخراج حتى ليندمج التعبير بالمدلول، والشكل بالمعنى اندماج الحرارة بالنار والضوء بالشمس والهواء بالهواء؛ فما أنت إزاءه إلا ما يكون المرء قبالة السيل إذ ينحدر والريح إذ تطوف.
بيان هو من مشاركة الحس السمعي للعقل بحيث يحوّل لك المعاني إلى أنغام هي في حـدّ ذاتها المعاني الكاملة كما تـشـاء الطبيعة الحية وتريد وهو من مشاركة الحس النظري للعقل بحيث يحوّل لك المعاني إلى لوحات فنية لها خطوطها وأشكالها وألوانها، فإذا بك من ذلك في عالم زاخر بروائع الفن تـتمازج به صور وموسيقى وأنغام وألوان! بيان لو هدّد الفساد والمفسدين لتفجـّر براكين، ولو انبسط في منطق لخاطب العقول والمشاعر لأقفل كل باب على كل حجة. ولو دعا إلى تأمل لرافق فيك منشأ الحس وساقك إلى ما يريده سوقاً ووصلك بالكون وصلاً. ولو راعاك لأدركت حنان الأب وصدق الوفاء الانساني وحرارة المحبة التي تبدأ ولا تنـتهي! أمـّا اذا تحدث اليك عن بهاء الوجود وجمالات الخلق وكمالات الكون فانما يكتب على قلبك بمداد من نور النجوم! بياناً هو بلاغةٌ وتنزيل من التنزيل! بياناً اتـّصل بأسباب البيان العربي ما كان منه وما يكون حتى قال أحدهم في صاحبه: «ان كلامه دون كلام الخالق وفوق كلام المخلوق»!
الشجاعة الحانية
هل عرفت عقلا كهذا العقل وعلما كهذا العلم وبلاغة كهذه البلاغة وشجاعة كهذه الشجاعة، تكتمل من الحنان بما لا يعرف حدوداً حتى ليبهرك هذا القدر من الحنان كما يبهرك ذلك القدر من المزايا تلتـقي جميعاً وتـتـّحد في رجل من أبناء آدم وحواء، فاذا هو العالم المفكر الأديب الإداري الحاكم القائد الذي يترك الناس والحكام وذوي المطامع والجيوش يتآمرون عليه ليقبل عليك فيهزّ فيك مشاعر الانسان الذي له عواطف فيهمس في قلبك هذه النجوى الرائعة بما فيها من حرارة العاطفة الكريمة قائلاً: «فقد الأحبـّة غربة»، أو «لا تشمت بالمصائب»، أو «ليكن دنوّك من الناس ليناً ورحمة»، أو «واعف عمن ظلمك واعط من حرمك وصل من قطعك ولا تبغض من أبغضك»!
هل عرفت من الخلق عظيماً يلتـقي مع المفكرين بسموّ فكرهم ومع الخيـّرين بحبهم العميق للخير ومع العلماء بعلمهم ومع الباحثـين بتـنقيـبهم ومع ذوي المودّة بمودتهم ومع الزهاد بزهدهم ومع المصلحين باصلاحهم ومع المتألمين بآلامهم ومع المظلومين بمشاعرهم وتمردهم ومع الأدباء بأدبهم ومع الأبطال ببطولاتهم ومع الشهداء بشهادتهم ومع كل انسانية بما يشرّفها ويرفع شأنها. ثم انّ له في كل ذلك فضل القول الناتج عن العمل والتضحية المتصلة بالتضحية والسابقة في الزمان! عظيماً يهون لديك أمر غالبيه ونصر المنتصرين عليه لأن أيامهم انما هي من الأيام التي عجـّت بالمتـناقضات واصطبغت بالغرائب حتى أصبح فيها شمال الحياة يمينـها، وتحتها فوقها، وأرضها سماءها!
وسواء لدى الحقيقة والتاريخ أعرفت هذا العظيم أم لم تعرفه؛ فالتاريخ والحقيقة يشهدان أنه الضمير العملاق الشهيد أبو الشهداء الامام علي بن أبي طالب صوت العدالة الإنسانية وشخصية الشرق الخالدة! وماذا عليك يا دنيا لو حشدت قواك فأعكيت في كل زمن علياّ بعقله وقلبه ولسانه وذي فقاره
العدد 791 - الخميس 04 نوفمبر 2004م الموافق 21 رمضان 1425هـ