العدد 806 - الجمعة 19 نوفمبر 2004م الموافق 06 شوال 1425هـ

مشاهد الفقر المؤلمة تزحف إلى الريف والعاصمة

المنامة، كرباباد، جزيرة النبيه صالح - زينب عبدالنبي 

19 نوفمبر 2004

كثيرة هي مشاهد الفقر المؤلمة في هذا الوطن، فمن القرى إلى العاصمة، تتكرر السيناريوهات. ففي قلب العاصمة يختبئ بيت غريب، يشبه الهرم تماما، ما ان تفتح بابه المتهالك حتى يأتيك سلم أسمنتي طويل ومرتفع، تحاول قدماك لمسه بحذر وبعد انتهائك من مشقة الصعود على السلم، ستصادف غرفة تكدست فيها الخزائن، وعلى رغم ضيقها الخانق فإنها تأوي عشرة أشخاص! عشرة أشخاص في غرفة واحدة، لان البيت بأكمله لا يتعدى غرفة، وشبه حمام، يُطبخ بداخله، كما تُغسل الأواني به أيضا!

وتشتد المعاناة في بيت آخر في العاصمة أيضاً، يشبه الكوخ، ويتكون من ثلاث غرف، إحدى غرفه نصفها من الاسمنت والنصف الآخر من الخشب، كما يسقط سقف إحدى غرفه كلما تساقطت الأمطار في فصل الشتاء.

وفي قرية كرباباد، يعيش الحاج يحيى الضرير مع أبنائه الـ 12، في بيت ضيق، تقطنه عائلتان، وتطالب ثالثة بنصيبها الموروث منه!

أخذنا الحاج بعد حديث مؤلم عن أوضاعه الاقتصادية المتردية إلى الجانب الآخر من بيته، وهناك صمت الحاج ليترك المشهد يعبر عن نفسه، إذ افترش الأرض وأخذ يغزل السلال باتقان إنسان مُبصر.

هل تكسب شيئاً من هذه السلال؟

- «ما يطلعون شي السلال... لكن أحسن من أن أمد يدي للناس، لينهرني أحدهم، أو يمن علي بالنعمة».

وعند هذا الحد انتهى المشهد!


مشاهد الفقر المؤلمة تزحف لعاصمة الوطن

بيوت تنتظر السقوط... آباء عاطلون... وأبناء بالفرج يحلمون!

المنامة، جزيرة النبيه صالح، كرباباد - زينب عبدالنبي

المشهد الأول: يستلقي وسط غرفة متآكلة شيخ مريض، عاجز عن الحركة، ويتكفل برعاية الأبناء الأخ الأكبر، الذي ترك المدرسة منذ الصف الثالث الاعدادي، ليعمل في بيع السمك، وليساعد أباه.

مشهد آخر: يسكن الحاج يحيى في منطقة كرباباد، في بيت ضيق، تقطنه عائلتان، وتُطالب أخرى بنصيبها «الموروث» من البيت، قدم لقسيمة أرض لوزارة الاسكان منذ العام 1982، وحول طلبه إلى «بيت» في العام 1992، ومازالت العائلة تنتظر (المسكن الموعود).

مشهد ثالث: عائلة تسكن في العاصمة المنامة، بيتها يشبه الكوخ تماما، نصف احدى غرفه الثلاث من الاسمنت ونصفها الآخر من الخشب، يسقط سقف إحدى غرفه، كلما انهالت الأمطار في فصل الشتاء.

ومشاهد تُروى وغيرها لا تروى ولا توصف تتعرض لها عائلات بحرينية الأصل، تعشق الوطن، وبذلت ومازالت مستعدة لبذل المزيد من أجله... كل تلك المشاهد المؤلمة في وطني!

بيت الحاج عطية

لم يكن بيت المتوفى الحاج عطية الذي يسكن كرباباد أيضا، أفضل حالا من الحاج يحيى، إذ يصرف الابن الأكبر على خمس بنات، وثلاثة أولاد، ولا يكفي راتبه الذي قدره 150 دينارا، مصاريف الأسرة الكبيرة، لاسيما ان لديها بنتا مريضة، و ذهبوا بها لإيران من أجل العلاج، عوضا عن أخيها المعاق.

وحتى الابنة التي كانت تساهم في مصروف البيت ، تم تسريحها من المصنع التي تعمل به.

بيت الحاج يحيى

والحاج يحيى، أب لـ 12 ابنا، كان يعمل بائع خضراوات وفواكه في السوق المركزي، تعرض لنكسة صحية افقدته بصره، فبحث طويلا عن عمل آخر، وبلا جدوى، قدم لوزارة العمل، والصحة و«السكرتارية» ولم يُقبل طلبه على رغم حصوله على شهادة ثانوية عامة (تخصص علمي) منذ أواخر الستينات! علما بأن لديه من الزملاء وكلاء وزارات وشخصيات متنفذة كبيرة.

أرادت ابنة الحاج الالتحاق بالجامعة، ونتيجة وضع والدها الاقتصادي السيئ، لم تحقق حلمها، فتزوجت، ومازالت تتمنى مواصلة الدراسة!، أما الابنة الأخرى فلم تستسلم للواقع، اذ تكفل الصندوق الخيري لمنطقة كرباباد بدفع رسوم دراستها.

أخذنا الحاج يحيى (الضرير) بعد حديث مُؤلم مع أفراد العائلة، إلى الجانب الآخر من بيته، وهناك، صمت الحاج ليترك المشهد يعبر عن نفسه! إذ افترش الأرض وأخذ يغزل السلال/(السبابيك)، بإتقان انسان مُبصر.

كسر الفضول الصحافي صمت الحاج، هل تكسب شيئا من هذه السلال؟

الحاج: «ما يطلعون شي السلال... لكن أحسن من أن امد يدي للناس، لينهرني أحدهم أو يمن علي بالنعمة».

لم يكن سهلا على الحاج الحديث عن «فقره» وظروفه وظروف أبنائه المتردية، لأنه لم يكن من البكائين يوما، او اليائسين، وأيامه التي عاشها وسط القرية، تشهد له بالعطاء، إذ كان من الاعضاء المؤسسين لنادي كرباباد في العام 1972.

وقبل أن نغادر، لم يفت الحاج أن يدعونا لتناول وجبة «الغداء» لديه... ما أصدق ضيافة الفقراء.

قلب العاصمة

وفي قلب العاصمة المنامة، يختبئ بيت غريب، يشبه الهرم تماما، ما إن تفتح بابه المتهالك حتى يأتيك سلم إسمنتي طويل ومرتفع، تحاول قدماك أن تلمسانه بحذر، وبعد انتهائك من مشقة الركوب على السلم، ستصادف غرفة تغار القدم من قدامتها، غرفة تكدست فيها الخزائن، وتناثرت فيها الأغراض... غرفة خالية من الأثاث والسجاد، وعلى رغم ضيقها الشديد والخانق، فإنها تأوي عشرة أشخاص! عشرة أشخاص في غرفة واحدة، لأن البيت بأكمله لا يتعدى غرفة، وشبه حمام، يُطبخ بداخله، كما تُغسل الأواني به أيضا!.

يستلقي وسط هذه الغرفة شيخ مريض، عاجز عن الحركة، ويتكفل برعاية الأبناء الأخ الأكبر، الذي ترك المدرسة منذ الصف الثالث الاعدادي، ليعمل في بيع السمك، وليساعد أباه.

أخبرنا الأخ الأكبر أن حالتهم «مأسوية» ، وأن اخوته يلقون صعوبة في المُذاكرة والدراسة، معبرا عن ذلك بأن «الفقر يقتل المعنويات»، و«يغتال الابداع»، لاسيما ان أخاه متفوق وعلى وشك إنهاء المرحلة الثانوية، ويأمل في إكمال دراسته في الخارج!، واخته طالبة في الجامعة، ويضيف: «من حقي كمواطن أن يُوفر لي المسكن الملائم والتعليم»، وارجع سبب فقره الى «سوء توزيع الثروة»، مبينا ان دولة الإمام علي بن أبي طالب (ع) المؤلفة بما يقارب من 50 دولة، لم يكن بها فقير واحد، و«هذه هي الديمقراطية وحقوق الانسان».

مطالباً الحكومة بالاعتناء بكل مواطن، ولاسيما ان رئيس الوزراء صرح في وقت سابق بأن «أبوابنا مفتوحة، وهم المواطن شغلنا الشاغل».

بيت آيل للسقوط

وتشتد المعاناة في بيت آخر في العاصمة أيضا... بيت أغرب من البيت الأول، ولربما تسميته بالبيت تعد عملقة له، يشبه الكوخ تماما، احدى غرفه الثلاث نصفها من الاسمنت ونصفها الآخر من الخشب، يسقط سقف إحدى غرفه، كلما انهالت الأمطار في فصل الشتاء، تعرضت اسلاك البيت «لالتماس كهربائي» نتيجة عدم تمكن العائلة من إجراء كل ما تستدعيه الصيانة الكهربائية، ما أدى إلى إحتراق البيت، وغرقه في النار والماء!.

العائلة مكونة من إخوة، و ثلاث أخوات مطلقات، لديهن أبناء صغار، وتعمل اثنتان منهن بائعتين في إحدى المحال التجارية، وتقول إحدى الأخوات: «اخجل من إخوتي عندما يطلبون مني ديناراً أو حتى 100 فلس... لأنني لا أملك شيئا، وراتبي وراتب اختي ينتهي قبل نهاية الشهر بكثير، لنبقى بعد ذلك على ما يقدمه أهل الخير!».

أبونصير

وبعيدا عن قلب العاصمة، تسكن عائلة في جزيرة النبيه صالح، في بيت ليس ملكها، وتدفع عليه أجارا شهريا، ويقول رب العائلة الخمسيني العاطل عن العمل لـ «الوسط»: «على الدولة أن توفر أربعة احتياجات رئيسية للمواطن، وهي السكن، والتعليم، والعمل، والصحة، أما عائلتي فمحرومة من كل ذلك». ويقول بحزن «على رغم ان مستوى أبنائي مرتفع في الدراسة، فإنني عاجز عن الحاقهم بالجامعة، وهذا ما يحز في نفسي ويؤلمني كثيرا». وكلما يراجع أبونصير وزارة العمل يكون ردها «إنك كبير في السن، ولا يوجد لك عمل مناسب».

يطرق رأسه ثم يقول: «ابني هو الذي يصرف على البيت، وإصابته بمرض السكلر (فقر الدم المنجلي) تجعله يتغيب عن العمل كثيرا، فيقتطع ذلك من راتبه القليل أصلا!».

أبو نصير، رجل معروف في القرية إذ رأس اللجنة الاعلامية في نادي جزيرة النبيه صالح، كما ان الجميع يعرفه شاعرا شعبيا نبطيا، وقد شارك في الكثير من الأمسيات في جمعية الشعر الشعبي، ومع كل ذلك لا يعلم بحال عائلته إلا الله.

حقوق أصيلة

المواثيق الدولية والاعلان العالمي لحقوق الانسان كفلت حق التعليم والسكن والعمل والضمان الاجتماعي، كما كفل كل ذلك ميثاق العمل الوطني، ودستور البلاد إذ تنص المادة (13) الفقرة (ا) من الدستور على أن:«العمل واجب على كل مواطن، تقتضيه الكرامة ويستوجبه الخير العام، ولكل مواطن الحق في العمل، وفي اختيار نوعه وفقا للنظام العام والآداب».

أما الفقرة (ب) من المادة نفسها فتنص على: «تكفل الدولة توفير فرص العمل للمواطنين وعدالة شروطه».

وتنص المادة(5) الفقرة (ج) على «تكفل الدولة تحقيق الضمان الاجتماعي اللازم للمواطنين في حالة الشيخوخة أو المرض او العجز عن العمل او اليتم او الترمل او البطالة كما تؤمن لهم خدمات التأمين الاجتماعي والرعاية الصحية وتعمل على وقايتهم من براثن الجهل والخوف والفاقة».

أما المادة (9) الفقرة (و) فتنص على: «تعمل الدولة على توفير السكن لذوي الدخل المحدود من المواطنين».

من الغريب أن يعجز بلد غني بموارده، وحائز على مرحلة متقدمة في تقرير التنمية البشرية على توفير أبسط حقوق المواطنين المكفولة دوليا ودستوريا

العدد 806 - الجمعة 19 نوفمبر 2004م الموافق 06 شوال 1425هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً