تستعد الطوائف المسيحية الفلسطينية للاحتفال بعيد الميلاد المجيد، في ظل غياب مظاهر الفرحة التي توحي ببهجة العيد، فكل شوارع وأحياء المدن الفلسطينية، افتقدت ذلك.
ويختلف ميعاد العيد في فلسطين وفقا لتقويمين احدهما شرقي المعروف بالطائفة الارثوذكسية (مطلع الشهر المقبل)، وهو بداية العام الجديد والآخر غربي المعروف بطائفة اللاتين (الأسبوع الجاري).
وهذا العام للعيد شكل آخر كما يقول الفلسطينيون وخصوصاً التلحميين منهم، إذ يخيم عليهم الحزن والأسى، لرحيل قائدهم ياسر عرفات، الذي كان يحرص كل عام، منذ قيام السلطة الوطنية، على إشاعة أجواء البهجة والفرح في العيد على رغم الظروف الصعبة التي يعيشها الفلسطينيون.
ومدينة بيت لحم مهد السيد المسيح (ع)، التي تتوق لها قلوب المؤمنين في العالم عشية عيد الميلاد المجيد، لا يختلف حالها عن حال باقي المدن الفلسطينية، إذ تستعد لاستقبال عيد المسيح، أمير السلام وهي تحن إلى السلام وتحلم بالحرية والعدل والاستقرار وتصبو إلى مستقبل أفضل قائم على العدل والسلام والمساواة بين جميع شعوب العالم.
وتخلو ساحة المهد من السياح الأجانب والتي كان لا يوجد فيها موطئ قدم، وهي الآن صورة واضحة وجلية لغياب ظاهر البهجة والفرحة التي كانت تعكسها في السنين الماضية.
البائع عقل إبراهيم (30 عاما) خرج في الصباح الباكر من منزله، متمنيا ايجاد من يشتري من بضاعته التي تشمل الكوفيات والاصداف التي كان يتهافت عليها السياح. يقول بألم ظاهر: «لقد فشلت منذ الصباح في ايجاد ولو سائح واحد ليشتري بعض ما لدي من البضاعة، ولم أبع أي شيء من بضاعتي طيلة ساعات اليوم».
وحال الحزن التي تخيم عليه لا ترافقه وحده، بل هي حال كل بائع فلسطيني كان يعتاش على الموسم السياحي في المدينة وفق ما يقول البائع احمد خضر (32 عاماً)، والذي كان يقف في باحة كنيسة. ويضيف خضر: «أنا حزين جدا فأنا لم ار ساحة المهد بهذا الشكل منذ 15 عاماً، هي فترة عملي في البيع للسياح وانا مصر على مواصلة امتهان بيع التذكارات التي تعجب السياح على رغم عدم وجودهم الآن، فأنا مؤمن بأن الغيوم ستنقشع وتعود الحياة الى طبيعتها في المدينة».
المعاناة في مدينة المسيح لم تقتصر عند حد منع السياح الاجانب من دخولها، بل تعدت ذلك الى الاعتداء على المباني العمرانية والأثرية والإضرار بالمرافق السياحية، باحتلالها او العبث بها، او إغلاقها، بل وقصف بعضها.
وتعاني عاصمة الميلاد في هذا العيد من اعمال الانتهاك اليومية بحق المدينة وسكانها، والمد الاستيطاني الذي طال شمالها، وإقامة الجدار الفاصل وعزلها عن توأمها الحقيقي (مدينة القدس).
وأمام هذه الأجواء العدوانية، يقف المواطن التلحمي مندهشاً أمام انعدام الأوضاع الإنسانية والحياتية الصعبة، والانتهاكات التي طالت الإنسان وممتلكاته وحتى دور العبادة.
وذكر التلحمي جورج زيد أنهم يستقبلون العيد ومدينتهم مدينة المسيح ترزخ تحت وطأة عبء سياسي واقتصادي وانساني جسيم بعد عدة اجتياحات خلفت وراءها دماراً كبيراً، وأن الإغلاق الإسرائيلي القاسي للمدينة منع حركة الناس والبضائع وشل التجارة والأعمال، وهي تعاني من ظروف الاعتقال الجماعي والإهانة اليومية.
ويناشد مسيحيو بيت لحم، إخوانهم المسيحيين في العالم، ترجمة حبهم للمدينة في هذا العيد، إلى جهود ملموسة لإنقاذها وأهلها، آملين دعمهم ومساعدتهم حتى تبقى بيت لحم كما كانت دائماً موقع وقار ومقصد حج، ومدينة مفتوحة للسلام.
وتشهد أسواق بيت لحم ركوداً اقتصادياً، إذ أعرب الكثير من أصحاب المحلات التجارية، عن تذمرهم من قلة البيع في مثل هذه الأيام، التي كانت تعج بالزبائن والمشترين، وخلت شوارعها من السياح والحجاج المسيحيين، الذين اعتادت أن تستقبلهم سنوياً.
وأشار المحافظ زهير مناصرة، إلى أن المدينة تستعد لاستقبال العيد في ظروف غير عادية، أهم معالمها أن الرئيس عرفات، وللمرة الأولى منذ عشر سنوات، يغيب عن هذه الاحتفالات، وهو الذي أولاها اهتماماً كبيراً بالمشاركة في الإعداد والتحضير، وحضور مراسيم المناسبة كلما أمكنه ذلك.
وقال إن «كل قادم لمدينة السلام مسلماً كان أم مسيحياً، سيتذكر فوراً القائد الرمز، وسيفتقد الكوفية، وسيقترن استذكار أمير السلام، السيد المسيح (ع)، باستذكار رئيس مشروع السلام في فلسطين، الأب والرمز ياسر عرفات». وأوضح مناصرة، أن الشعب الفلسطيني، إذا ما أراد أن يبعث رسالة في هذا العيد، فعليه أن يوحد صفوفه، وأن يتكافل ويتضامن في مواجهة المعاناة.
رئيس بلدية بيت لحم حنا ناصر، ناشد منتصف الشهر الجاري، العالم أجمع ألا ينسى مدينة المهد (بيت لحم)، وأن يعمل على إنقاذها ويمنحها العناية والدعم. وقال: «إن بيت لحم تتعرض للهدم ومصادرة الأراضي والحصار، منذ أكثر من أربع سنوات، على أيدي قوات الاحتلال، بينما يقف العالم متفرجاً».
وأكد أن ما يحدث ضد هذه المدينة المقدسة شيء مخجل لـ «إسرائيل»، وأن بيت لحم تصغر شيئاً فشيئاً بسبب المخططات الإسرائيلية. وأوضح أنه بسبب عدم انتهاء فترة الحداد على عرفات، فإن البلدية قلصت وضع زينة عيد الميلاد، وقصرتها على ساحة المهد والأماكن المجاورة، وعلى شجرة الميلاد التي تضاء كل عام. وقرأ ناصر رسالة الميلاد من بيت لحم إلى العالم، فقال فيها: «إنني في كل عام أحاول جاهداً ألا أكون متشائماً في رسالتي لعيد الميلاد، إلا أن المعاناة والعيش تحت الاحتلال هو أكثر التجارب ألماً، وأكبر إهانة لحقوق الإنسان. وإننا نضطر كل يوم لتجرع مرارة الممارسات الإسرائيلية، من قتل لأبناء شعبنا وهدم البيوت والاعتقالات والاذلالات على الحواجز العسكرية»
العدد 840 - الخميس 23 ديسمبر 2004م الموافق 11 ذي القعدة 1425هـ