لغط لا ينتهي، وأفواه مفغورة مندهشة، وهمهمات مصدق ومكذب، هدف أم ليس هدف؟ تدافع بالأيدي، وأنظار العالم برمته تتجه إلى جهة واحدة، إلى جهينة، فعند جهينة الحُكم اليقين.
هذا ليس مشهداً درامياً لمسلسل مكسيكي، بل واقع مؤلم كان يتكرر كل يوم مع عشاق الساحرة المستديرة على مدى 30 يوماً من العرس المونديالي، أبطاله حكام مونديال 2010، وعندما أقول الحكام فأنا أقصد بها جوقة التحكيم في كل مباراة بحكمها ومساعديه ورابعهم، باعتبارهم دائرة صنع قرار واحدة، وإن كان النصيب الأكبر لحكم الساحة.
إن المستوى المتواضع جداً للتحكيم الذي ظهر به هذا المونديال جعل رئيس الاتحاد الدولي للعبة السيد جوزيف بلاتر في موقف حرج للغاية، مضطراً في النهاية - بعد أن دافع كثيراَ - أن يعترف بتلك الأخطاء الكارثية،
والتي ساهمت بشكل كبير في قلب معطيات الكثير من المباريات،
وهذا الاعتذار يأتي كسابقة نادرة وخطيرة لـ (ترقيع) أخطاء
بالجملة، لكن لا يصلح العطار بلاتر ما أفسده الدهر، فاعتذاراته لن تخفف من لوعة 59 مليون انجليزي، وحسرات 106 ملايين مكسيكي، وغضب 6 ملايين باراغوياني.
مسلسل الأخطاء هذا لا يمكن التغاضي عنه بسهولة، فتلك الأخطاء الكارثية كانت جديرة بتغيير مقادير الطبخة المونديالية والإتيان بمقادير تختلف، لتكون بين أيدينا في النهاية كعكة مونديالية أضيف لها الملح بدل السكر خطأً، ومسحوق غسيل بدل الكريمة سهواً.
نعم، لقد كانت تلك الأخطاء كفيلة بتغيير معطيات وأوراق البطولة، وساهمت بشكل كبير في بث اليأس الممزوج بالغضب بين أفراد المنتخبات المظلومة، حتى أن مدرب الأوروغواي السيد أوسكار تاباريز هانت عليه مصيبته أمام هولندا عندما ظُلم، فلم يُحَمِّل التحكيم كامل المسئولية، فقد هونت عليه مصيبته مصائب انجلترا والمكسيك، فأخذ يواسي نفسه بها، وكأنه يقول بلسان حاله:
وما شكوت لأني إن ظُلمت فكم... قبلي من الناس في شرع الهوى ظلموا.
إن الأداء الكارثي للتحكيم جاء ليعيد إلى الساحة الجدل القائم بشأن إقحام التكنولوجيا في مجال كرة القدم، وهذا ما عبر عنه السيد بلاتر بتلميحه أن الموضوع سيطرح في الخريف المقبل، فما أقرب تساقط أوراق الخريف.
لا شك في أن الاستعانة بالتكنولوجيا ليست بدعة مضلة يستحق صاحبها أن يُخرَج من الملة الكروية، فعندما نطلب إقحام التكنولوجيا نحن لا نرغب في أن تكون بديلاً للحكم الذي لا غنى عنه، بل هي مساند ممتاز من أجل تخفيف الضغط عن التحكيم، ولتكون خير مرجع في حال السهو أو قلة التركيز.
إذا كانت أعلى الأصوات في البطولة هي أصوات أبواق الفوفوزيلا فإن هناك أصوات واستغاثات أعلى يطلقها من قد تلمس الخطر المحدق بكرة القدم. لقد حان الوقت لإشهار البطاقة الحمراء في وجه التحكيم التقليدي، وأزفت اللحظة المناسبة لنصفق جميعاً للبديل التكنولوجي الناجح الذي يقوم بعمليات الإحماء على خط تماس الاتحاد الدولي للعبة، والاستغاثات وصلت عنان السماء، وظلم ذوي الخبرة أشد مضاضة.
فاضل زين الدين
العدد 2872 - السبت 17 يوليو 2010م الموافق 04 شعبان 1431هـ