لم تخف "إسرائيل" ارتياحها للتطورات الجارية على الساحة اللبنانية وخصوصا ما يتعلق منها بالدعوات الصادرة ضد سورية، إذ أعرب وزير الخارجية الإسرائيلي سيلفان شالوم عن أمله أن يوقع لبنان "المحرر من الاحتلال السوري اتفاق سلام مع "إسرائيل""، معتبرا أن وجود سورية في لبنان أعاق إبرام معاهدة سلام بين بيروت وتل أبيب.
وأبدت الصحف العبرية بوضوح ارتياحها لمسار الأزمة اللبنانية على رغم أن البعض بدأ يسدي النصائح للمعارضة اللبنانية بشأن الخطوات التالية بعد استقالة حكومة عمر كرامي وضرورة أن توحد صفوفها ضمن خطة واضحة، "فعلى المعارضة اللبنانية أن تتعامل مع مسائل طارئة مثل درجة وكيفية تدخلها في تشكيل الحكومة الجديدة"، يقول أحد التقارير يلاحظ أيضا انقسام لدى هذه القوى بشأن الأولويات. أما الأبرز فهو الإشادة ببعد نظر رئيس الوزراء الإسرائيلي ارييل شارون إذ كان محقا في عدم الاستجابة لدعوات السلام التي أطلقها الرئيس بشار الأسد، فها هي الأوضاع تنقلب رأسا على عقب!
فقد نشرت "هآرتس" تحت عنوان: "مشاهد منعشة في بيروت"، اعتبرت في مستهلها أن سقوط الحكومة اللبنانية تحت ضغط المظاهرات الشعبية الاحتجاجية ضد ما وصفته بـ "الاحتلال" السوري كان مفاجأة منعشة على حد تعبيرها. ورأت أن "إسرائيل" لا يمكن أن تكون بمنأى عن التطورات في المنطقة التي قد تكون لها تأثيرات كبيرة على الأمن القومي الإسرائيلي. وأضافت أن التطورات على الحدود الشمالية لـ "إسرائيل" تجبرها على إعادة النظر في سياستها التي توافق بموجبها بشكل ضمني على السيطرة السورية على لبنان وفي علاقتها مع سورية. وهنا ذكرت أن رئيس الوزراء الإسرائيلي الراحل إسحق رابين اعتبر أن هذا الأمر يصب في مصلحة "إسرائيل"، إذ إنه أدى إلى عدم توازن داخل القوات السورية مع انتشار الجيش السوري بين لبنان ومرتفعات الجولان. وأضافت الصحيفة أن المؤسسة الدفاعية الإسرائيلية لطالما اعتبرت الوجود العسكري السوري في لبنان عامل استقرار. حتى ان السلام مع سورية كان سيتضمن مقايضة بينها وبين "إسرائيل" تتمثل بمحافظة دمشق على سيطرتها على لبنان مقابل درجة معينة من الليونة فيما يتعلق بالحدود والترتيبات الأمنية بشأن الجولان.
غير أن "هآرتس" لاحظت أن المعادلة تغيرت بسبب رفض سورية الاعتراف بالتغيرات التي طرأت على المنطقة منذ حوادث 11 سبتمبر/ أيلول والغزو الأميركي للعراق. فالسوريون واصلوا - برأي الصحيفة - تشجيع "الإرهاب" ضد "إسرائيل" وضد الأميركيين في العراق، والسماح لحزب الله بحشد القوة والنفوذ ونشر صواريخ على الحدود مع "إسرائيل". وأضافت أن سورية أصرت في الوقت نفسه على مواصلة سيطرتها على لبنان، ما أدى بها ليس إلى معاداة الولايات المتحدة فحسب بل فرنسا أيضا.
غير أن "هآرتس" استدركت في سياق افتتاحيتها بأن على "إسرائيل" ألا تتدخل في الشئون الداخلية السورية واللبنانية على حد سواء وتترقب قيام نظامين منفتحين في البلدين. ورأت أن شارون كان محقا في عدم الاستجابة لدعوات السلام التي أطلقها الأسد الذي يعاني نظامه من الضعف الداخلي والعزلة الدولية من جانب أميركا وأوروبا. غير أنها شددت على ضرورة أن تسهم "إسرائيل" في الوضع الجديد الذي قد يطرأ على الشرق الأوسط في المستقبل وذلك من خلال العمل على التوصل إلى سلام مع سورية وتطبيع العلاقات معها.
وكشفت "هآرتس" في خبر افتتاحي استنادا إلى مصدر عربي أنه بعد يومين على استقالة حكومة كرامي الموالية إلى سورية، يتجه لبنان نحو إعلان حال الطوارئ وإفساح المجال أمام فرض نظام عسكري حتى الانتخابات النيابية في مايو/أيار المقبل. وأشارت - نقلا عن المصدر ذاته - إلى انه لم يظهر حتى الآن مرشح سني مناسب لمنصب رئاسة الوزراء في الحكومة المقبلة وذلك بسبب التوقيت المفاجئ لاستقالة الرئيس كرامي. لذلك فإن الاتجاه المرجح سيكون الطلب من الجيش اللبناني إدارة البلاد. ولاحظت الصحيفة من جهتها أن استقالة كرامي فاجأت سورية أيضا التي لم تحضر مسبقا لأي مرشح للمنصب.
ونشرت "جيروزاليم بوست" تحقيقا بشأن لبنان على ضوء تداعيات استقالة الحكومة اللبنانية. فأشارت إلى أن الاستقالة تشكل واقعا جديدا ليس لسورية فحسب بل للمعارضة اللبنانية أيضا. وأوضحت أن على هذه المعارضة أن تتعامل مع مسائل طارئة مثل درجة وكيفية تدخلها في تشكيل الحكومة الجديدة التي أشارت الصحيفة إلى أن مصدرا حكوميا لبنانيا رفيع المستوى رجح أن تكون برئاسة رئيس الوزراء السابق سليم الحص. هذا، ولاحظت "جيروزاليم بوست"، وجود انقسام في أولويات المعارضة اللبنانية. ففي حين أن الأوساط السنية المقربة من عائلة الرئيس الراحل رفيق الحريري تعتبر أن الأولوية الآن هي التحقيق في اغتيال رئيس وزراء لبنان السابق ومحاولة اغتيال الوزير السابق مروان حمادة، تركز جهات أخرى في المعارضة على تشكيل الحكومة الانتقالية.
وكتب تسفي برئيل في "هآرتس" مقالا تحت عنوان: "سورية تفقد السيطرة"، إذ لاحظ أن سورية لم تعد قادرة على تفادي انهيار سياسي في لبنان. وأورد المعلق أن مصادر سورية في لبنان سربت معلومات عن أن الرئيس السوري بشار الأسد ينوي إقالة رئيس جهاز الاستخبارات السورية في لبنان رستم غزالي ليعين مكانه الجنرال منير جلود. وأضاف أن المصادر عينها سربت أيضا أن الأسد يخطط لإزاحة عدد من الشخصيات والمستشارين الذين مازالوا يشكلون مراكز قوى منذ حكم والده حافظ الأسد وحتى الآن، مثل نائبه عبدالحليم خدام. ورجح المعلق استنادا إلى المصادر نفسها أن تكون هذه خطوة يقوم بها الأسد لإبعاد الشبهات عنه وتوجيهها إلى عناصر في النظام السوري الذين تصرفوا بمفردهم، ما أضر بالمصلحة الوطنية السورية. ورجح المعلق العبري أن تؤدي الحوادث المتسارعة في لبنان منذ التمديد للرئيس إميل لحود في أكتوبر/ تشرين الأول الماضي إلى تسريع الانسحاب السوري. ولفت برئيل إلى أن الرئيس السوري بات اليوم في وضع جديد حرج، إذ إنه لم يعد يسيطر على السياسة اللبنانية وخصوصا أن رئيس الحكومة اللبناني الذي عينه الأسد نفسه استقال. وتساءل عما يمكن لبشار الأسد أن يقوم به لتصحيح الضرر الذي خلفته الأزمة الحالية؟ فأشار إلى انه نظرا إلى عدم رغبة سورية في التصادم مباشرة مع المعارضة اللبنانية وإصرارها على أن دخولها إلى لبنان جاء في الأساس من أجل وقف الحرب الأهلية اللبنانية، فإن الرئيس السوري قد يعلن جدولا زمنيا لانسحاب قواته من لبنان أو حتى المباشرة فورا بهذا الانسحاب. وفي ختام مقاله طرح المعلق سؤالا عما إذا كانت المؤسسات السورية ستسعى إلى عقاب الأسد على عدم تمكنه من الحفاظ على سيطرته في لبنان
العدد 911 - الجمعة 04 مارس 2005م الموافق 23 محرم 1426هـ