العدد 922 - الثلثاء 15 مارس 2005م الموافق 04 صفر 1426هـ

جميل عودة*

العراق بانتظار الاستحقاق البرلماني

يترقب الشارع العراقي على أحر من الجمر نبأ انعقاد الجمعية الوطنية بكامل أعضائها، إذ مضت أسابيع على أول انتخابات برلمانية حرة في العراق في الثلاثين من يناير/كانون الثاني ،2005 ومازلنا ننتظر من القوائم الانتخابية الفائزة الإعلان الصريح عن حكومتها المرتقبة. فهل تتمكن القوى السياسية المنتصرة لتوها في البرلمان الجديد، أن تثبت استحقاقها للفوز بثقة الجماهير العراقية؟

ثلاث قوائم انتخابية لها حصة الأسد في مقاعد البرلمان، قائمة الائتلاف الموحد، وقائمة التحالف الكردستاني، والقائمة العراقية. وقائمة الائتلاف الموحد التي حصلت على 140 مقعدا من أصل 275 مقعدا، هي التي ستقود المعركة من أجل القيادة، وهي التي ستظفر بالنصيب الأكبر، ولكن لن تتمكن من نصيبها حتى تشرك الآخرين في المناصب الباقية، لأن المعارك السلطوية في العراق، لم تعد كما كانت، إذ كان نفر من الانقلابيين يسطون على القصر الرئاسي في ساعة متأخرة من الليل، ليعلنوا في الصباح ملكيتهم الخالصة لكل سلطات العراق وثرواته، إنما صارت لتقلد المناصب الحكومية في العراق الجديد أصول وقوانين وآداب، وما لم تتمكن الكيانات السياسية منفردة من مسك مفاتيح اللعبة الديمقراطية بإرادة جماهيرية حرة، لن تتمكن من أكل حتى نصيبها، وقد تفسد اللعبة، وهي ترى الفساد بأم عينها من دون أن تحرك ساكنا.

ولكي تتوج قائمة الائتلاف انتصارها بتشكيل حكومتها المرتقبة، فإنها بحاجة إلى قرابة 184 صوتا مؤيدا، حتى تستكمل النصاب القانوني، أي ثلثي أعضاء الجمعية الوطنية، اللازم لتأليف حكومة وطنية بنص قانون إدارة الدولة المؤقت. وبالتالي فهي أمام خيارين أحدهما أصعب من الثاني، فقائمة الائتلاف الموحد إما أن تأتلف مع قائمة التحالف الكردستاني الحاصلة على 75 مقعدا، لتتمكن من تأليف حكومتها، بلا حاجة إلى القائمة العراقية التي أحرزت المرتبة الثالثة، وإذا ما تحقق هذا الائتلاف الثنائي بين قائمتي الصدارة، فمن المتوقع أن تلعب القائمة العراقية دور المعارض للحكومة في الوسط البرلماني. أو تأتلف قائمة الائتلاف الموحد مع القائمة العراقية التي حصلت على 40 مقعدا لتشكيل الحكومة، ولكن لو حصل هذا الائتلاف سيظل بحاجة إلى مقاعد إضافية من الكيانات السياسية التي حصلت على مقعدين. وبالتالي فإذا كانت العملية السياسية محصورة في ثلاث قوى أساسية، فلماذا تأخر التحالف السياسي من أجل تأسيس الحكومة العراقية المنتخبة، بعد أن أجريت الانتخابات على أحسن وجه، في ظل ظروف أمنية أقل ما يقال فيها إن الناخبين العراقيين يراودهم شعور بأنهم يزحفون طواعية نحو الموت. هذا ما يطرحه الشارع العراقي في المجالس والمحافل والندوات الاجتماعية والسياسية، وهذا ما يجب أن تجيب عنه التكتلات السياسية الفائزة.

إن العمل السياسي في العراق الجديد مازال في طور التكوين، إذ لم تكتمل معالم الخريطة السياسية، لا على مستوى النظام السياسي العام، ولا على مستوى الحكومة والإدارة، من هنا يصعب تحديد الأولويات الوطنية الملحة، لأن هذا التحديد يعتمد في الأساس على مصالح الأحزاب والكيانات السياسية التي تعبر عن منافع شرائح اجتماعية مختلفة كلها تريد أن تضع مبادئ حقوقها ومصالحها ضمانا للتمتع بها فيما بعد. وهذا يعني أن فلسفة "أعطني وخذ" في مرحلة التأسيس هي الفلسفة السياسية الحاكمة على سلوك الكيانات السياسية في الجمعية الوطنية، وتظل هذه الفلسفة قائمة حتى تقتنع الأطراف بأن القسمة كانت عادلة.

ومن هنا فإن الائتلافات السياسية التي دخلت البرلمان هي ائتلافات إنشاء وتأسيس، مهمتها الأولى تدوين المعايير والقواعد والمراجع العامة في تمشية شئون الدولة والحكومة، في قالب دستوري مكتوب يكسب مكانته وحصانته القانونية من قبول الارادة الشعبية له، هذا أولا، وتشكيل حكومة عراقية مؤقتة مهمتها إدارة شئون السلطة حتى عشرة أشهر بالكثير، هذا ثانيا.

إن تلبية طموح الناخب العراقي، في أن يرى نوابه وهم يجلسون على مقاعد المجلس هي القضية التي تطرح اليوم بقوة، وتضع الكثير من الأسئلة الضرورية التي تحرج التكتلات السياسية بالبرلمان. والبحث عن المكاسب السياسية ينبغي ألا يفسد العملية السياسية فيحول أطرافها إلى قوى متصارعة تندفع وراء طموحاتها الحزبية في تولي مناصب وزارية، لأن المهمات التي تقع على عاتق التكتلات هي أنبل بكثير من أن يشغل الفرد الفلاني من هذا الحزب وزارة الخارجية أو أن يتولى ذلك الشخص منصب رئاسة الوزراء، فالعبرة أن يقدم البرلمانيون أقصى الجود بالنفس لا التنازلات المتقابلة فقط، وبالتالي فإن الأحزاب في البرلمان مطالبة قبل غيرها بالآتي:

- تحديد وقت انعقاد الجمعية الوطنية تحديدا مؤكدا، لأن الإعلان عن الجلسة الأولى يترك انطباعا إيجابيا لدى عموم الشعب العراقي، ويمحو سوء الظن وكثرة الشكوك في عدم قدرة البرلمانيين على إدارة شئون البلد.

- أن تبادر جميع الأحزاب للتضحية بمصالحها الشخصية مقابل المصلحة العامة والتنازل عن بعض حقوقها في المناصب الوزارية والسيادية، وتولي القضايا الكبرى الأهمية القصوى.

- أن تطرح المطالب والحقوق الاجتماعية والسياسية في قاعة البرلمان.

- إنجاز المسئوليات المناطة بالجمعية الوطنية في الزمان المحدد لها بحسب قانون إدارة الدولة المؤقت، لأن انتهاء عمل الجمعية في الوقت المقرر من شأنه أن يوحي للشعب العراقي أن القوى السياسية البرلمانية كانت أهلا لهذه المهمات والمسئوليات.

* كاتب عراقي

العدد 922 - الثلثاء 15 مارس 2005م الموافق 04 صفر 1426هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً