انشغلت الصحف العربية بالأزمة اللبنانية مع صدور تقرير لجنة تقصي الحقائق الدولية في جريمة اغتيال رئيس الوزراء السابق رفيق الحريري، الذي قدمه رئيسها الإيرلندي بيتر فيتزجيرالد إلى الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان، وحذر كثيرون من أن يكون التقرير مقدمة لتدويل الأزمة اللبنانية من خلال إرسال قوات دولية لوضعه تحت الوصاية الأجنبية الكاملة، وأكدوا أن التقرير يثير علامات استفهام بدلا من أن يستند إلى حقائق ومعطيات حقيقية، كما أنه محرض ومسيء لسيادة لبنان ويرشح لإثارة المزيد من صخب الجدل.
وأبرزت الصحف تخوفا من التطورات اللبنانية. واعتبر أكثر من معلق ان البحث عن الحقيقة يستهدف الرئاسة السورية بشكل مباشر فالتقرير الدولي الذي مد اليد إلى الداخل السوري قد لا يمانع الاستثمار السياسي له في تعليق الأزمة اللبنانية... وبالتالي لن نلامس "الحقيقة" التي يريدها لبنانيون غير اننا سنقترب، بالضرورة، من "حقيقة" السياسة الأميركية حيال المنطقة. لكن هناك من أبدى ارتياحا فتقرير فيتزجيرالد كان كافيا لوضع السلطتين اللبنانية والسورية في دائرة الشبهات. وتوقف جوزيف سماحة في "السفير"، عند تقرير اللجنة فرأى فيه نوعا من التقارير الذي يسمح للمعارضة باستئناف هجوم كانت شرعت فيه، كما يسمح للموالاة بأن تحتمي ببعض ما ورد فيه. لكن سماحة لاحظ ان الأزمة اللبنانية مفتوحة أكثر وقد أمكن إيجاد عنصر الربط بينها وبين الوضع السوري. انه استثمار قد لا يمانع في تعليق الأزمة اللبنانية لأن العلاج هو في افتتاح أزمة سورية بالاستناد إلى التحقيق من أجل مد اليد إلى الداخل السوري معتبرا ان ذلك قد لا يجعلنا نقترب من ملامسة "الحقيقة" التي يريدها لبنانيون غير اننا سنقترب، بالضرورة، من "حقيقة" السياسة الأميركية حيال المنطقة، وهي سياسة لا يتوجب الكف عن القول إنها تجمع عدوانية الغزوة الاستعمارية إلى التوسعية الإسرائيلية، لافتا إلى ان حجم الإقبال الايجابي على هذه "الحقيقة السياسية" لا يضعف نتيجة إقدام التقرير على إرجاء معرفة "الحقيقة" الأخرى إلى تحقيق لاحق.
واعتبر ساطع نور الدين في "السفير" ان الخلاصة الأهم في التقرير: البحث عن الحقيقة يستهدف الرئاسة السورية بشكل مباشر، ويضعها في قفص الاتهام، في محكمة دولية لن يظل همها الأول والأوحد هو إصدار أحكام بالبراءة أو بالإدانة في الجريمة. لكنه بعد أن اعتبر ان الانتقال بالتحقيق إلى دمشق خيالا، شدد على ان فيتزجيرالد وجه إشارة مهنية إلى ان المجتمع الدولي ينوي فعلا محاكمة دمشق. وأكد طلال سلمان في "السفير" ان الاستقلال المنشود ليس عن سورية للالتحاق بالإدارة الأميركية. و"السيادة" لا تتحقق بتنفيذ ما يقرره لنا هذا الدبلوماسي الأميركي ديفيد ساترفيلد الذي لم يأت ليناقش بل لينفذ خطة من الأرجح ان عنوانها كان القرار ،1559 وقد منحها "التمديد" الوجاهة الكافية لتغدو مدخلا إلى التحرر المزعوم.
واعتبر أنطوان مراد في "الديار" ان التقرير فيه إدانة لمرحلة سياسية أكثر منه قرار اتهامي. وأكد المدير العام لصحيفة "النهار" انه يشكل إدانة مباشرة للسلطتين اللبنانية والسورية على الأقل على مستوى التوتر السياسي المسئولة عنه سورية وأعوانها كذلك على مستوى التقصير الأمني المتجسد في عدم إرساء الأمن.
ورأت "الخليج" الإماراتية ان اللبنانيين وحدهم من يتحمل مسئولية إنقاذ لبنان مما هو فيه من دون أية تدخلات خارجية. واعتبرت "الرياض" ان تنامي الشعور بالخطر من حرب أهلية يبقى الهاجس. ورأت "الوطن" ان الحكومة اللبنانية ضرورة عاجلة فقد كان بالإمكان اتهام "مخابرات دولة أجنبية" بأنها تقف وراء حادثي التفجير الأخيرين في بيروت، لأن المشاحنة والعراك بالأيدي والسكاكين بين أنصار الموالاة والمعارضة من طلاب الجامعة اللبنانية تطور أخطر من أن تتجاهله الأطراف السياسية المتصارعة في لبنان لما فيه من دلالات عن وجود توتر. وإذ استدركت معتبرة ان هذا لا يلغي أهمية الدور الذي تلعبه أجهزة استخبارات عدة دول أجنبية على الأراضي اللبنانية، شددت على ان الأوضاع في لبنان لم تعد تحتمل المماطلة في تشكيل حكومة انتقالية تشرف على الانتخابات النيابية.
من جانبها "عكاظ" اعتبرت ان حال الاحتقان التي تعيشها المنطقة تثير الكثير من المخاوف. فالتقرير ينذر بأشياء خطيرة، وإذ عرضت لما تشهده الدول العربية من تطورات من العراق إلى مصر إلى البحرين فالسودان رأت انه ليس مقبولا منطق المصادفة بين ما يجري هنا ويحدث هناك. وبناء عليه اعتبرت ان قمة ما بعد القمة... ضرورة ملحة... يجتمع فيها بعض من ينشدون الخير لنا... بدل أن تترك الامور نهبا لرياح التغيير العاصفة والهوجاء. ولفتت "الجمهورية" تحت عنوان "لجان التحقيق إلى أين؟" إلى ان الشرعية تتجاهل المشهد العراقي الذي ينزف كل ساعة وتلتفت إلى حيث يوجه الأمر الأميركي وفي هذا الإطار يمكن تقييم ما سيقت إليه الأمم المتحدة من إرسال ما سمي بلجان التحقيق الدولية إلى دارفور بالأمس ثم لبنان اليوم وقبلها إلى العراق. فلقد حولت الإدارة الأميركية الشرعية الدولية المزعومة إلى نصل سكين تغمده في قلب الشعوب.
وإذ ذكر حسين حجازي في "الأيام" الفلسطينية ان الرئيس الأميركي جورج بوش ورئيس الوزراء البريطاني طوني بلير اللذين كذبا بشأن أسلحة الدمار الشامل، لاحظ ان بوش وجد ذريعته في اغتيال الحريري. وهكذا بعد لجنة تقصي الحقائق، سيأتي دور لجنة التحقيق الدولية. وبعد لجنة التحقيق الدولية، سيأتي دور قرارات مجلس الأمن، باستخدام القوة المباشرة، لقلب النظام في لبنان ودمشق. ولأجل تمهيد الطريق حضر ساترفيلد الى بيروت، لمتابعة تحقيق هذا السيناريو الشيطاني. وإذ طبق الأميركيون النموذج العراقي على لبنان وسورية، فإن السيناريو المرعب، في تنفيذ القرار 1559 هو، بحسب الكاتب الفلسطيني، تحويل لبنان ليكون صورة عن العراق، في عودة متكررة إلى الحرب الأهلية.
وتعميم هذه "البلقنة" الجديدة التي كان يحذر منها ياسر عرفات، بنقل السيارات المفخخة إلى سورية والسعودية وقطر والكويت، وجعل الشرق الأوسط صورة موسعة، لهذه اللبننة، أو العراق.
لكن على جري العادة كان لأحمد الجار الله في "السياسة" الكويتية، رأي آخر، إذ رأى ان التقرير كان كافيا لوضع السلطتين اللبنانية والسورية في دائرة الشبهات
العدد 935 - الإثنين 28 مارس 2005م الموافق 17 صفر 1426هـ