غياب الاستراتيجية والنية لتنمية القطاع السياحي فتح الطريق امام الاجتهادات التي توزعت بين القطاعين العام والخاص والمؤسسة التشريعية الامر الذي حال دون تطور القطاع السياحي في مملكة البحرين.
والسياحة عندنا مازالت تحبو في الوقت الذي اصبحت في الكثير من البلدان من اهم الصناعات التي يعتمد عليها اعتمادا كبيرا في الناتج القومي الاجمالي.
"الوسط" التقت رجال اعمال ومستثمرين وباحثين لبحث آفاق القطاع السياحي في البحرين في هذا التحقيق.
الحاجة إلى هيئة مستقلة تعنى بالشأن السياحي اصبحت مطلبا لدى الكثير من الاطراف الذين اعتبروا تغيبها سببا اساسيا ادى إلى حال التخبط التي يعاني منها القطاع السياحي، هذا الاستنتاج هو الرأي نفسه الذي يقوله النائب الثاني لرئيس غرفة تجارة وصناعة البحرين عصام فخرو، اذ يرى أن هناك حاجة كبيرة إلى وجود جهة مختصة ومستقله تعنى بشئون السياحة، معتبرا أن تغييب هذه الجهة سبب اساسي لحال التخبط في صنع القرار الذي يعيشه هذا القطاع الحيوي المهم.
يقول فخرو: "إن غياب الاستراتيجية الواضحة في تنمية هذا القطاع وتطويره وفقا لخطة مدروسة ادى إلى تسييره وفقا لاجتهادات قد تأتي من القطاع الخاص تارة أو المؤسسة التشريعية تارة اخرى من دون اخذ مصلحة القطاع في الاعتبار".
ويضيف: "اقامة مهرجان غنائي على غرار المهرجانات الفنية التي تقام في دول مجاورة أو حفل غنائي جماهيري بات يشكل مخاطرة نتيجة حال التخوف لدى العاملين في المجال السياحي لمنع تكرار ما حدث قبل عام من الآن وهذا ايضا يدلل بشكل قاطع على عدم وجود موقف محدد من السياحة".
ويقول فخرو: "هناك تعددية في الآراء على هذا القطاع. فالقطاع الخاص لديه رؤية وبعض الأصوات من جانب السلطة التشريعية لديها رؤية مختلفة. وبالتالي لا توجد جهة تتولى التنسيق والتقريب بين وجهات النظر المختلفة نحو الوصول إلى قرارات تأخذ مصلحة البلاد في الاعتبار".
ويضيف: "البحرين مقبلة على ازدهار كبير وخصوصا في القطاع العقاري وهناك الكثير من المشروعات العقارية القادرة على خدمة البلد بشكل كبير وجلب الاستثمارات إليها، ولكن غياب سياسة واضحة بالنسبة إلى السياحة يضعف من فرص إسهام هذا القطاع في الدخل القومي للبحرين. فلا يعقل أن يبقى زوار المملكة يأتون فقط لزيارة مجمع السيف".
السياحة ستسهم في حل أزمة البطالة
من جهته قال الاقتصادي البحريني جاسم حسين: "البحرين في حاجة ماسه للاستثمارات الأجنبية لان الاستثمارات تمثل ضرورة كبيرة كحل مناسب لمشكلة البطالة التي يصل معدلها إلى 16 في المئة في أوساط المواطنين ومرشحة إلى أن تصل إلى 35 في المئة في العام 2013 لذلك البلاد بحاجة للاستثمارات الأجنبية ومنها الاستثمارات في قطاع السياحة والبحرين لديها قدرة تنافسية للمنافسة في هذا المجال كون البحرين تتمتع بمزايا تاريخية ووجود آثار يعود بتاريخها إلى آلاف السنين هذا إلى جانب المقوم الأساسي وهو البحريني ذاته الذي يتميز بدماثة الأخلاق والكرم والترحيب بالزائر. هذه العناصر مجتمعة تمثل أرضية مناسبة تحتاج لوضعها في الإطار الصحيح".
وأضاف: "تبدو المشكلة الأساسية التي تقف في وجه جذب الاستثمارات السياحية الحكومة التي لا تبدي تعاونا كبيرا في هذا الشأن وخصوصا التعقيدات البيروقراطية التي تحدثت عنها ندوة الإصلاح الاقتصادي وأيضا لدينا مشكلة عدم توفر مخطط كامل للأراضي إذ اتضح أن 11 في المئة فقط من الأراضي البحرينية مقسمة بالشكل الصحيح. لكن يبدو أن هذا الموضوع في طريقه إلى الحل بعد أن تم الآن إرساء طلب على شركة أجنبية لكي تقوم بعمل مخطط شامل للبحرين ولا بد أن يسجل هذا الإنجاز لجهود سمو ولي العهد الشيخ سلمان بن حمد آل خليفة الذي تبنى هذا الموضوع. أيضا من المبادرات إصلاح الاقتصاد طرح الأراضي الموجودة على الساحل في المزاد وهذا يشكل حل منطقي لمشكلة حقيقة. فلا ننسى أن البحرين رغم إنها مطلة على البحر لكن عمليا لم نستثمر حتى الآن السياحة البحرية إذ بامكان البحرين تحقيق النجاح في هذا المجال فيما لو توفر الترتيب المناسب لهذا النوع من السياحة".
"الاستثمار في السياحة"
لعل تجربة ميرزا عبدالنبي صاحب متنزه "اكوابارك" خير دليل على ما يعانيه القطاع السياحي من ضعف في آلية التعامل مع المشروعات السياحية ودفعها إلى الاتجاه الصحيح. عبداللطيف الذي زار احدى الدول المجاورة وشاهد مدينة مائية تستقطب الكثير من الزوار هناك، اراد أن ينقل هذه الفكرة إلى ارض البحرين، لكن التطبيق كان اصعب مما تصور.
يقول ميرزا: "في العام 1999 تبنيت انشاء مشروع سياحي يضم حديقة مائية ضخمة تحتوي على انهار وامواج صناعية تتماشى مع الحداثة والرقي مع الاخذ في الاعتبار أهمية وجود مرفق سياحي يستطيع ذوو الدخل المحدود أن يقصدوه في العطلة الصيفية".
ويضيف: "في العام 1995 كنت زرت الكويت وشاهدت هناك حدائق "اكوابارك" وتفحصت المشروع والفكرة وبحكم عملي الاصلي باعتباري مقاولا ومتخصصا في صناعة برك السباحة وجدت أن لدي الامكان لنقل الفكرة إلى البحرين ولان تنفيذ مشروع بهذا الحجم يحتاج إلى رأس مال كبير، إذ بلغت كلفة المشروع في دولة الكويت 3 ملايين دينار كويتي، وجدت من المناسب ان انفذ المشروع اعتمادا على خبرتي والمصادر المتوافرة لدي وبكلفة تصل إلى 300 ألف دينار بحريني".
"البحث عن أرض"
يقول ميرزا: "بعد أن خضت رحلة البحث عن الأرض وجدت أرضا مناسبة تابعة للأوقاف الجعفرية فتقدمت بطلب لاستئجارها، لكنهم اشترطوا الحصول على رخصة بناء من وزارة الاسكان لأن الأرض واقعة في الحزام الأخضر والبناء عليها ممنوع. ذهبت إلى الوزارة واستقبلني الوكيل المساعد وقدمت له "الكاتلوجات" الخاصة بالمشروع وتمت الموافقة على الطلب وصدرت شهادة المسح، ولكن عندما قدمت الرخصة لادارة الاوقاف الجعفرية ارتفع ايجار الأرض التي كان سعرها 600 دينار بحريني إلى 7 آلاف دينار بحريني وبعد التفاوض معهم تم الاتفاق على اجر يصل إلى 3600 دينار كأجر سنوي. وبعد مراجعة وزارة الاعلام حصلت على موافقتها لانشاء المشروع".
الكهرباء والماء
لم تتوقف متاعب ميرزا عند هذا الحد. فمشروع حديقة مائية يحتاج بطبيعته إلى عنصرين اساسيين: هما الكهرباء والماء. كيف تعاملت الجهة المسئولة مع طلب ميرزا لمد شريان الحياة لمشروعه.
يقول ميرزا: "تقدمت إلى وزارة الكهرباء والماء للحصول على ماء ولكنهم رفضوا طلبي لعدم وجود ماء في الموقع على رغم وجود احد اسطبلات للخيل قريبة للموقع ولديها خدمة الماء. تقدمت بطلب للحصول على الكهرباء ورفضوا ايضا، ما اضطرني لشراء الماء من احدى الشركات وهذا ترتب عليه زيادة كبيرة في كلفة المشروع. كما قمت بشراء مولدات للكهرباء لاكمال المشروع بعدما اقفلت الابواب امامي من قبل الجهات المعنية بهذه الخدمات. ومنذ العام 1999 - وهو العام الذي بدأت به المشروع - حتى العام 2004 كنت انفقت ما يصل إلى 50 ألف دينار بحريني فقط لتوفير المياه والكهرباء".
ويضيف: "بعد أن تم إنشاء الكثير من البيوت بالقرب من الموقع ذهبت لمتابعة الحصول على الكهرباء من قبل الوزارة فطلب مني إنشاء محطة للكهرباء داخل الموقع، ما أدى إلى خلاف مع إدارة الأوقاف التي لم تجز لي انشاء أية محطة داخل أرض تابعة لها. بقيت داخل هذه الدوامة إلى ان تمت الموافقة على إنشاء المحطة داخل الموقع من قبل إدارة الأوقاف لكن الوزارة رفضت تزويدي بالكابل اللازم لنقل التيار قبل أن اقوم بدفع مبلغ 15 ألف دينار نقدا".
يتنهد ويكمل: "لقد تقدمت بطلب الحصول على الكهرباء في شهر سبتمبر/أيلول 1999 ولم احصل عليها الا في مايو/ايار .2004 وبعد طول عناء حصلت على المياه وبالسعر التجاري من دون أن احصل على أي دعم كوني مستثمرا بحرينيا أردت ان أساهم ولو بشكل متواضع في تنشيط السياحة العائلية والارتقاء بها".
وعلى رغم ما مر به مشروع ميرزا من مخاض عسير فإنه حاول أن يستغل قطعة ارض تابعة للمتنزه في مشروع سياحي جانبي تابع للمتنزه مساحتها تصل إلى 40 في 50 مترا، لكن الامر لم يكن سهلا ومرة اخرى وضعت العوائق أمامه.
يقول ميرزا: "قمت بتقديم رسالة إلى مجلس التنمية الاقتصادية لاخذ المشورة فيما يتعلق بنسب المشروعات التي يمكن أن تقام على هذه الأرض، لكن من دون فائدة. لم اتلق أي جواب. توجهت إلى وزارة الاعلام على امل الحصول على المشورة ولم احصل ايضا على جواب".
ويضيف: "لقد وضعت هدفي أن يكون زوار المتنزه من أصحاب الدخل المحدود لأنني اعلم جيدا كيف يعاني الناس هنا من عدم وجود مكان يذهبون اليه في العطلة الصيفية. ليس كل الناس بمقدورهم السفر إلى خارج البحرين للترفيه عن أطفالهم. كان بمقدوري ان استثمر هذه المبالغ في المجالات العقارية كما يفعل الكثيرون بدلا من الدخول في كل هذه الدوامة لكن إلى متى نبقى هكذا؟ لابد من وجود وزارة تعنى بالسياحة الداخلية قبل الخارجية فكيف يمكن أن نتحدث عن سياح من الخارج ونحن نحرم أبناءنا من حقهم في الاستمتاع داخل بلدهم؟".
ويزيد: "لا اعتقد أن أي مستثمر سواء كان محليا أو اجنبيا يريد أن يمر بكل هذه الإجراءات المعقدة التي مررت بها في تجربتي لان البيروقراطية التي يتم التعامل بها مع المشروعات السياحية لا يمكن أن تتفق مع احتياجات المستثمر".
لقد قام ميرزا بافتتاح مشروع متنزه "اكوابارك" في نهاية العام الماضي وقد شهد المتنزه حضورا وصل إلى 6000 زائر خلال أقل من شهر. معظم زواره كانوا من العائلات البحرينية من ذوي الاحلام والدخل المحدود. وعندها توقفنا عن الكلام
العدد 959 - الخميس 21 أبريل 2005م الموافق 12 ربيع الاول 1426هـ