يواجه الاقتصاد الليبي الكثير من التحديات لإعادة هيكلته ليواكب المرحلة الراهنة التي تعيشها "الجماهيرية الليبية" والتي تتسم بانفتاح غير مسبوق على الغرب منذ قيام ثورة الفاتح من سبتمبر/ أيلول من العام 1969 بقيادة العقيد معمر القذافي.
فالانفتاح على الغرب يطرح على الاقتصاد الليبي إشكال مدى قدرته على التجاوب مع متطلبات السوق الحرة بعد أن ظل هذا الاقتصاد يدور في فلك المفهوم الاشتراكي الذي تبناه "الكتاب الأخضر" والذي صاغه العقيد القذافي نظرية ثالثة ليست بالرأسمالية أو الشيوعية وهو أسس لإعلان سلطة الشعب في مارس/ آذار من العام 1977 في اطار "نظام جماهيري" يقوم على أساس لجان شعبية تقرر ولجان شعبية تنفذ هذه القرارات من دون حاجة إلى حياة حزبية أو انتخابات بالمفهوم الديمقراطي الغربي.
ولعل أهم ما جاء به "الكتاب الأخضر" في شقه الاقتصادي هو مقولته الشهيرة "شركاء لا أجراء" ما يعني ان العاملين في المشروعات والمؤسسات في كل المجالات الاقتصادية هم شركاء في ملكيتها وانتاجها وليسوا أجراء فيها وهو ما عكسته تسمية "تشاركية" التي أطلقها الليبيون على أية شركة من الشركات... غير ان هذا الشق الاقتصادي ظل في واقع الامر مجرد تسميات ولم يكن يختلف كثيرا عن وضع شركات القطاع العام في أية دولة.
ويكون ذلك بالاضافة لحاجة الاقتصاد الليبي لجذب استثمارات أجنبية ضخمة - سواء كانت أميركية أو أوروبية - من العوامل التي دفعت القذافي في خطابه الأخير بمناسبة الذكرى الـ 28 لاعلان قيام سلطة الشعب الى المطالبة برفع كل القيود التي تقف في طريق تحرير النشاط الاقتصادي الليبي بحيث يكون الليبيون احرارا في اختيار الشكل الذي يناسبهم من الأنشطة الاقتصادية في اطار من الحرية الكاملة بما في ذلك تأسيس الشركات على أساس الشراكة "الشركاء" أو الأجرة "العمل نظير مقابل مالي" وهو الأمر الذي ظل محظورا طوال السنوات الماضية إذ كان ينظر الى أجر العامل على انه جزء من نصيبه في انتاج "التشاركية".
ولأن ليبيا في حاجة إلى جذب استثمارات أجنبية بعشرات المليارات من الدولارات لإعادة هيكلة البنية الأساسية وقطاعات النفط التي تضررت من سنوات الحصار الاقتصادي حرص العقيد القذافي على طمأنة الغرب بأنه لا عودة إلى التأميم مرة أخرى في ليبيا على أساس ان الثورة لجأت اليه في أعقاب قيامها للسيطرة على اقتصاد البلاد الذي كان في قبضة الأجانب داعيا "المؤتمرات الشعبية الأساسية" بوصفها صاحبة السلطة في ليبيا إلى إصدار تشريع يمنع التأميم مستقبلا لأنه كما قال "لا عودة إلى سياسة التأميم".
وانطلاقا من رؤية برغماتية تغلب المصالح على المشاعر ومتطلبات تطوير الواقع على القالب النظري، جاءت كلمات العقيد القذافي واضحة في خطابه مساء الأربعاء الماضي معلنا انه "من المحتمل ان يكون الأميركان لا يحبوننا في قلوبهم، ومن المحتمل أيضا ألا نحب الأميركان في داخلنا، غير أن هذا شيء من الماضي، ونحن لا نناقش هذا الموضوع، ولا نطلب من الأميركان أن يحبونا فالموضوع موضوع سياسة ومصالح، وليس موضوع مشاعر" فبعد طي قضية لوكيربي وطائرة الركاب الفرنسية عبر تعويضات مالية ضخمة تجاوزت الثلاثة مليارات دولار تحملتها ليبيا ثم إعلانها طواعية تخليها عن برنامجها النووي السري دخلت "الجماهيرية الليبية" في مصالحة تاريخية مع الغرب بزعامة واشنطن التي حرصت من جانبها على رفع الحصار والعقوبات الدولية والأميركية المفروضة على طرابلس الغرب لسنوات طويلة ما مهد الطريق أمام عودة قوية للشركات الأميركية التي فازت بنصيب الأسد بـ 11 ترخيصا نفطيا من أصل 15 ترخيصا تنافست عليها 56 شركة من 28 دولة في المناقصة التي أجريت في يناير/ كانون الثاني الماضي على مناطق امتياز التنقيب فيما لم تفز أية شركة أوروبية بأي امتياز.
ويؤكد أمين اللجنة الشعبية العامة للطاقة الليبي فتحي شتوان في هذا الصدد سعي بلاده للتوسع في إنتاجها النفطي لزيادته من 1,7 مليون برميل نفط يوميا في الوقت الراهن إلى مليوني برمي يوميا في العام المقبل ثم إلى ثلاثة ملايين برميل يوميا بحلول العام .2010
ولإزالة مخاوف الشركات الغربية من أية تغييرات دراماتيكية مستقبلية في السياسة الليبية... دعا القذافي الى ضرورة ثبات المؤسسات السياسية والاقتصادية لاعطاء صدقية لليبيا في العالم خصوصا في ظل اقبال شركات النفط العالمية الآن على النفط الليبي... قائلا ان هذه الشركات لن تأتي لليبيا أو تستثمر المليارات فيها إذا لم تستقر سياستها الاقتصادية وإذا لم تتأكد من أن ممتلكاتها لن تؤمم في ليبيا. كما شدد القذافي على أهمية عدم قيام ليبيا بأي سلوك يخالف القانون الدولي لان الاقدام على مثل هذا السلوك من شأنه ان يضر بشدة بمصالح ليبيا الاقتصادية وسمعتها في الخارج.
وفي اطار رؤية واقعية لتنشيط الاقتصاد الليبي... تحرص ليبيا في المرحلة الحالية على اعتماد حزمة من الاجراءات لاعادة هيكلة الاقتصاد.
فبالاضافة الى الدعوة الى فتح الباب على مصراعيه لليبيين لاختيار نوعية العمل وشكله سواء عبر صيغة الكتاب الاخضر "شركاء" أو العمل عبر صيغة "أجراء"... تم اعتماد سياسة "خصخصة" من خلال فتح الباب أمام توسيع الملكية في الشركات والمشروعات العامة والسماح بمنح قروض للمواطنين الليبيين للقيام بأنشطة اقتصادية انتاجية أو حرفية أو بناء المساكن من خلال استغلال المبالغ المجنية من عائدات النفط التي تقدر بعشرين مليار دينار ليبي.
وكان قد تم في فبراير/ شباط الماضي تسليم عقود 11 شركة ووحدة اقتصادية ليبية تبلغ قيمة أصولها 14,4 مليون دينار الى المساهمين والعاملين بها في اطار تطبيق برنامج الخصخصة الذي يشمل 360 شركة ووحدة اقتصادية تغطي مختلف قطاعات الاقتصاد الليبي.
وفي محاولة للحد من مشكلة البطالة وخصوصا بين الشباب الليبي... أعلنت اللجنة الشعبية الليبية العامة "تعادل مجلس الوزراء" في يناير الماضي عن بدء اجراءات منح القروض للشباب من الخريجين أو الباحثين عن عمل أو الراغبين في اقامة مشروعات انتاجية أو خدمية أو حرفية من الذين تتراوح أعمارهم بين 18 الى 40 عاما في العاصمة طرابلس وبنغازي. وحتى مسألة الدعم... حرص أمين اللجنة الشعبية الليبية العامة شكري غانم "يعادل رئيس الوزراء" في يناير الماضي الى لفت انتباه الليبيين الى ضرورة اعادة النظر فيه وترشيده من خلال تحويله من دعم عيني عبر "كتيب العائلة" التي يصرف بمقتضاها المواطن الليبي حصصا مقننة من السلع الأساسية الى "دعم مالي" لدخله ما يجعله أكثر مرونة في اختيار أولوياته من السلع التي يرغب في استهلاكها.
وهكذا تتبع ليبيا حاليا حزمة من الاجراءات لاعادة هيكلة اقتصادها بشكل واقعي يتماشى مع توجهاتها للانفتاح على الغرب وذلك من خلال التحرر من القوالب النظرية واطلاق حرية الفرد في العمل وتوسيع ملكية المشروعات والشركات العامة ومنح القروض مع الاتجاه لترشيد الدعم... ولكن يبقى المحك الرئيسي لنجاحها في كيفية تطبيق مثل هذه الاجراءات بالشكل الذي يحقق هدفها المنشود
العدد 959 - الخميس 21 أبريل 2005م الموافق 12 ربيع الاول 1426هـ