يصطدم الحديث عن توسيع دور القطاع الخاص وإعطائه دورا رياديا في التنمية بحقائق صلبة على الأرض خلقتها طبيعة المرحلة التي مرت بها البحرين خلال فترات الطفرات النفطية وأدت بالحكومة - من خلال تحكمها في الموارد المالية التي تمثل أساسها الموارد النفطية - لأن تلعب دورا لا يختلف من حيث النتائج والأشكال عن أي دور تلعبه الحكومات في الاقتصاد الموجه أو اقتصاد رأسمالية الدولة. فأينما نولي الأدبار في جنبات الاقتصاد المحلي نجد دورا ما للدولة فيه. ونحن هنا لا نتحدث عن دور في المرافق الأساسية كالتعليم والصحة والإسكان والكهرباء والماء، بل حتى في أنشطة خدمية واقتصادية بحتة كالمواصلات والاتصالات والمصارف والتأمين والتجارة والكثير من الشركات والمنشآت الصغيرة والمتوسطة، هذا بخلاف الدور المهيمن الذي تلعبه في المجالات التشريعية والتنظيمية للأنشطة الاقتصادية.
ويتوجب انطلاقا من هذا الوضع، ولكي تقتصر وظيفة الدولة دور المشرع والمنظم وليس المشغل، ولكي يأخذ القطاع الخاص دوره الحقيقي في التنمية، العمل على إعادة تنظيم دور الدولة من جهة، وتوسيع دور القطاع الخاص في مشروعات التنمية من جهة أخرى.
وفيما يخص عادة تنظيم دور الدولة، فأننا نلاحظ - للأسف - أن هناك خلطا بين هذا المفهوم ومفهوم تقليص دور الدولة. فعلى رغم تجاوز مرحلة الدعوات إلى تقليص دور الدولة في الحياة الاقتصادية والاجتماعية إلى مرحلة إعادة الحياة لهذا الدور بصورة اكثر تنظيمية وكفاءة في دول الغرب الصناعي نفسه، فاننا نلاحظ ان أدبيات وبرامج مؤسسات هذه الدول الموجهة إلى الدول النامية لاتزال تصر على دعوات تقليص دور الدولة بمفهومه المطلق، بل وتطالب بالتسريع في تنفيذها. ونحن لا نفهم حقا اذا كانت آليات السوق في ظل اقتصادات متطورة وتتجه نحو النضج والاستقرار لم تفلح بان تؤدي دورها المطلوب من دون تدخل ما من قبل الدولة، فكيف ستؤدي هذه الآليات دورها في مجتمعات نامية وتشوبها الكثير من التشوهات والاختلالات.
أن التغيرات التي تطالب المؤسسات الدولية البلدان النامية بتطبيقها من الصعب معارضتها من الناحية النظرية، الا اننا نعيد القول بان العمل على تنفيذها بظل التشوهات الكثيرة في اقتصادات هذه البلدان سيؤدي إلى آثار سلبية وليست ايجابية. ان الدرس الاول الذي تعلمناه من تجارب الدول الآسيوية ان تجاربها التنموية نجحت استنادا إلى سياسات مزجت بين تدخل الدولة واقتصادات السوق، بل ان الدولة لعبت دورا مركزيا في ادارة وتنظيم - ولا نقول تشغيل أو تنفيذ - برامج التنمية.
واذا ما اخذنا في الاعتبار عاملا تاريخيا مهما هو واقع وتطور القطاع الخاص في الكثير من البلدان النامية ومنها دول المنطقة، فإن الحديث المطلوب عن اطلاق قوى السوق في المجتمع يصبح أكثر صعوبة ومثالية.
نضيف على ذلك، أن تجارب الكثير من دول المعسكر الاشتراكي السابق بعد اطلاق قوى السوق جاءت محبطة لشعوبها، وهي تقدم دليلا آخر على أن تبني نهج الاقتصادات الحرة بصورة عشوائية وحرفية من دون الاخذ في الاعتبار وجود دور محوري للدولة ينظم هذا النهج ويبرمجه وفقا للحال الخاصة لكل بلد سيؤدي إلى نتائج وخيمة. بينما تقدم الصين نموذجا ناجحا للجهود المبذولة للتحول إلى اقتصادات السوق مع استمرار وجود دور محوري للدولة في إدارة الاقتصاد.
اما بخصوص القضية الثانية وهي مشاركة القطاع الخاص في انشاء وتمويل مشروعات البنية الاساسية والتنموية الاخرى، فأننا نعتقد ان الحديث هنا لابد ان ينصرف إلى ايجاد صيغة توفيقية ما بين ماضي اساسيات انشاء وتمويل وتسيير هذه المشروعات وحاضر ومستقبل هذه الاساسيات. فمن المتعارف عليه ان خدمات جميع المرافق الحيوية بدول المنطقة كان يتم تقديمها باسعار رمزية للمواطنين إذ تتحمل الاجهزة الحكومية نفسها اعباء النفقات الحقيقية لهذه المرافق.
لذلك نعتقد انه بدلا من الحديث بصورة مباشرة عن زيادات الرسوم، فان الحديث يجب ان يتركز على صيغة بديلة اخرى وهي ما يمكن تسميتها بالمشاركة الاجتماعية التى تركز بدورها على عطاء العنصر البشري بدول المجلس. ومفهوم المشاركة الاجتماعية ينطوي على الكثير من الجوانب الثقافية والقيم الحضارية إلى جانب ما ينطوي عليه من جوانب مادية ومالية. ان مفهوم المشاركة الاجتماعية لا يجب ان ينصرف إلى مفهوم تحميل المواطنين جزءا من النفقات الحقيقية لتشغيل مرافق البنية التحتية فقط، بل يجب ان ينصرف ايضا إلى مشاركة المواطنين في تحمل المسئولية المباشرة في صيانة وتسيير المرافق الخدمية في الحي الذي يقيمون فيه، والطريق الذي يستخدمونه والمستشفى والمدرسة والنادي الذي يقدمون خدماتهم اليهم. كما يجب ان ينصرف إلى اقامة توازن واضح بين العبء والمردود المقابل، إذ يتم الحفاظ على الهدف العام وهو ابقاء وتطوير مستويات المعيشة للمواطنين بالوقت نفسه ايجاد مصادر دائمة لتطوير وصيانة تلك المرافق والخدمات.
أن خلق الاستعداد الضروري لدى القطاع الخاص للمشاركة في انشاء وادارة وتسيير مرافق ومشروعات البنية الاساسية لمجتمع يجب أن يكون بالشراكة مع الفئات الأوسع من المواطنين القائم على مفهوم الشراكة الاجتماعية، وهو ما نعتقده شرطا ضروريا لنجاح دور القطاع الخاص في انشاء وتمويل هذه المشروعات، بل ان تلك الشراكة هي الوجه الآخر والمتمم لهذا الدور
العدد 980 - الخميس 12 مايو 2005م الموافق 03 ربيع الثاني 1426هـ