قد يكون صحيحا انه ليس من السهل أو المكن أحيانا ان نذكر اسم الطيب صالح من دون ان يستحضر ذلك إلى أذهاننا رائعته "موسم الهجرة إلى الشمال".
لكن حضور هذا الأمر إلى الذهن عند قراءة أحدث نتاج صدر له ليس من قبيل التحكم الذي تفرضه فكرة ما على الذاكرة والمخيلة بفعل أثرها الكبير في النفس بل هو من فعل امتلاء هذا النتاج الجديد بمشاعر من الألم والسخرية المرة لاتساع نطاق الهجرة والاغتراب إلى "الخارج" وتلك الغربة الداخلية الأشد "مضاضة" على النفس والتي تتحول إلى عامل مهم في الاغتراب الفعلي.
لم تعد الهجرة تحتاج إلى مواسم لأن الظلم والتخلف والتصحر الفكري والاجتماعي والحضاري عموما وما ينتج عن ذلك احدثت "حالا مستمرة" لا تسمح بعلاقة تشبيه تؤدي إلى تعبير مجازي نستعير فيه مواسم الطيور المهاجرة وما في ذلك من رومانسية حزينة. لقد تحول الأمر في نظره إلى حال مفجعة من الأسى الرمادي الشاحب في بلدان تفيض باليأس.
نتاج الطيب صالح الجديد جاء في نحو 465 صفحة من القطع المتوسط توزعت على كتابين هما الجزءان السابع والثامن من "مختارات" للكاتب السوداني الشهير. وصدر الكتابان عن دار رياض الريس للكتب والنشر في بيروت. وكانت دار الريس قد أصدرت الأجزاء الستة السالفة في وقت سابق من العام الجاري.
الكتاب السابع حمل عنوانا هو "وطني السودان" وجاء في 220 صفحة. اما الثامن فعنوانه "ذكريات المواسم". كل ما ورد في الكتابين وفيه من الفكر والسياسة والاجتماع وسائر أمور الحياة ورد في شكل ذكريات صاغتها قدرة الطيب المميزة فحولتها الى نتاج قصصي وشعري مميز وإلى انتقاد نفاذ يعرض فنيا ما اعترى بلده وبلدانا عربية وشكل تراجعا مرعبا حتى عن المستويات السالفة التي لم تكن لترضي الناس.
الكاتب الكبير الذي امتلأت حياته بالأسفار وأنواع شتى من الاغتراب بمقتضى ما كانت تطلبه مهماته ومسئولياته في مؤسسات دولية وعربية يبدأ الكتاب بتصوير لاغتراب جديد بعد سنوات طويلة من هجرته الأولى. وتبدأ "الغربة" المستهجنة قبل السفر الفعلي. يبدأ الطيب بعنوان هو "الاربعاء 21 سبتمبر/ أيلول 1988 مطار الخرطوم. صالة المغادرين. الساعة 4450 مساء".
من قاعة المطار يكتب راسما الحاضر يقارنه بالماضي. الماضي ينتصر أو فلنقل "يتفوق" على الأيام الحاضرة من دون ان يكون في هذا أي حنين رومانسي. الواقع يتكلم بتعابير قاسية مؤلمة وبقسمات تبدو مطلة من عالم حرب.
يقول: "انني أدري الآن لماذا انا حزين في هذا المكان. لقد وقفت على قبر إنسان عزيز. أعز الناس عندي وانقطع أهم خيط كان يربطني إلى هذه الديار. الحزن يعلو ويخبو ويمتد عبر زمن طويل... لقد صبرت حين كان يتحتم علي ان ابكي وبكيت حين كان يجمل بي الصبر. لذلك يدهمني الحزن الآن في هذه الصالة الرثة في هذا المطار القميء في هذه المدينة المهملة في هذا الوطن الحبيب اللعين. تحول الحزن الخاص إلى حزن عام بسبب هذه اللوحة أمامي في صالة المغادرة. منذ كم ألف عام وضعت هذه اللوحة في هذا المكان... ومن الذي وضعها... وماذا كان يدور في رأسه... لوحة بهتت الوانها واختلطت. كتب عليها باللغة الفرنسية "بون فواياغ" وباللغة العربية "رحلة سعيدة"".
في الكتاب الثاني يتناول موضوعا من نتاج أسفاره الكثيرة. يصف بنسيونا نظيفا في مقديشو في الصومال لامرأة ايطالية مسنة ولدت هناك واستمرت على رغم الصعاب وقد احتاج إلى وساطة ليحل فيه لتزاحم الأجانب وكثير من الصوماليين للحلول فيه.
قال: "لو كان لي من الأمر شيء لفتحت أبواب العالم العربي على مصاريعها "للتليان" والاقريق اليونانيين... فهؤلاء أوروبيون ليس بهم عنطزة المستعمرين تجدهم في الحارات والأسواق يكدحون لكسب عيشهم كسائر الناس... يصلحون السيارات ويبنون العمارات ويبيعون الجبنة والزيتون".
حيثما وجدت الاقريق والتليان في بلاد العرب وجدت خيرا وبركة وقد يكون ما حدث للسودان من متاعب بعد الاستقلال هو بسبب جلاء هذين العنصرين الطيبين منه. ولعل هذه تكون "ايديولوجيا" لنظام جديد فيقوم ضابط في الجيش يحب هذين ويعمل "ثورة" يكون شعارها / إعادة الاقريق والتليان إلى بلاد السودان