قد يستهويهم توم وجيري، ولربما أعجبهم سبايدر مان، لكنهم على رغم ذلك يشاهدون كل ما يقدم إليهم على الشاشة، يتقمصون كل الشخصيات الطيبة والشريرة، المدافعة عن الحق أو تلك المثيرة للفتن والمصائب، يفاجئونك بأحلامهم التي قد لا تتعدى واقع تلك الشخصيات، فهم يريدون تارة أن يهزموا الشر كباتمان الوطواط أو ان يطاردوا الأشرار والقتلة كالرجل العنكبوت سبايدرمان، أو لربما أرادوا امتلاك موهبة سرعة الجري كالولد الصغير في فيلم الخارقون The Incredibles.
ما الذي تقدم إليهم الشاشات، وما الذي تزرعه فيهم تلك الأفلام الكارتونية التي يبدو كثير منها مليئا بالحماقات بينما يبدو الآخر ضاجا بكل ما من شأنه تشويه فطرة جيل المستقبل السليمة والابتداء في مشروع تحويل ملائكتنا الصغار إلى ما يشبه الشياطين!
يستحق منا الأمر إذا وقفة مع هؤلاء الصغار نتعرف من خلالها على علاقتهم بأفلام الكارتون، أيها يفضلون ولماذا؟ وكذلك يستحق الأمر نشر حوار دار بين "الوسط" ومجموعة من الصغار تراوحت أعمارهم بين الرابعة والحادية عشرة عن الموضوع نفسه. كلهم أجمعوا على حب جميع أفلام الكارتون والإعجاب بمعظم شخصياتها، اختلافاتهم جاءت فقط في الشخصية التي يفضلون و... يتقمصون دورها في حياتهم ويحلمون بمستقبل مشابه لواقعها.
عاشق "سبايدر مان" يحلم بالطيران
فواز الغائب الذي تجاوز الخامسة بقليل والذي يوشك بدء أول أعوامه الدراسية بعد شهور قليلة، يحب كثيرا من أفلام الكارتون مثل "توم وجيري" و"أصحاب المقنع" لكنه يفضل من بين كل هؤلاء "سبايدر مان". أما أسباب ذلك فتعود الى أنه معجب الى درجة كبيرة بملابس سبايدر مان وقناعه الذي يرتديه. طبعا يتمنى أن يصبح في مستقبله "سبايدر مان" قادر على الطيران والتحليق في أعالي السماء متعقبا اللصوص والأشرار. وعلى رغم قناعته باستحالة تحقيق حلمه ذاك لأن الإنسان "لا يمكن أن يطير" فإنه سيظل يحلم.
تعجبه أيضا قوة سبايدر مان وقدرته الفائقة على القضاء على الوحوش، ويرى "أن سبايدر مان ليس كبيرا مثل بابا لكنه أكبر مني"، وفواز يؤكد انه سيقوم بالقضاء على كل الأشرار والوحوش في العالم حين يكبر قليلا.
فواز طبعا يملك الكثير من الألعاب وأدوات القرطاسية التي تحمل صورة سبايدرمان، وهو يريد مشاهدة فيلم "الوطواط يبدأ" The Batman Begins الذي تعرضه سينما السيف على رغم أنه ليس من أفلام الصغار.
سبايدر مان الذي يحبه فواز كان شخصية ابتدعها كاتب الروايات الكوميدية ستان لي وظهرت في احدى رواياته الخيالية في العام 1962 لكنها سرعان ما انتقلت الى الصحافة بعد ان حققت نجاحا كبيرا. تحول سبايدر مان إلى شخصية كارتونية في العام 1967 وذلك حين بثت قناة "ABC" الأميركية دورة من حلقات هذا المسلسل في نهاية الستينات، ثم أتبعتها بدورة ثانية في نهاية السبعينات.
سبايدر مان لمن لا يعرفه هو بطل يحمل قوى نووية خارقة، واستلهم كاتبه ستان لي فكرته تلك من اكتشاف القنبلة النووية في ذلك الوقت. اسمه الحقيقي بيتر باركر وتحول إلى رجل عنكبوت بعد ان عضه عنكبوت يحمل طاقة اشعاعية أثناء حضوره تجربة عملية عن التقنية الاشعاعية. هكذا أصبح بيتر يحمل طاقة جبارة واحساسا فطريا بالخطر وقدرة على اطلاق شباك العنكبوت والتعلق بها في كل مكان.
الفيلم مسل إلى أبعد الحدود بما يحمله من مغامرات شيقة تبهر المشاهدين الصغار وتشد أبصارهم لكنه يتضمن مشاهد عنف مبالغا فيها، قد يكون حركيا أو لفظيا!
ولتوم وجيري نصيب الأسد!
زينب حسين وهي في السابعة من عمرها، وشقيقتها زهرة التي لم تتجاوز الثالثة تعشقان مشاهدة مقالب توم وجيري، ويتفق معهما كل من محمد وحسن وهما في الخامسة من عمرهما إذ يعتقدان أن توم وجيري مضحكان جدا، وكذلك توافقهما الرأي ولاء "6سنوات" وبتول "5 سنوات" اللتان لا تتوقفان عن الضحك عند مشاهدة مقالب توم وجيري.
علي طرادة يتفق مع الجميع أيضا في حبه لتوم وجيري واستمتاعه بمشاهدة مغامراتهم.
حكايات توم وجيري هذه تحمل الكثير من ملامح شقاوة الصغار، ولربما، ربما تمنى بعض هؤلاء أن يجدوا ممن ينكدون عليه معيشته كما ينكد توم على جيري. بداية هذا الفيلم الكارتوني جاءت في العام 1940 على يد ويليام هانا وجوزيف باربرا وكثير من الأسماء الأخرى التي لا يسعنا المجال لذكرها.
وعرض الفيلم على مدى دورات كثيرة امتدت الأولى منذ العام 1940 حتى 1958 عرض خلالها ما يزيد على 100 حلقة من مغامرات توم وجيري وتراوح طول الحلقات فيها بين 6 و7 دقائق وتناولت جميعها المقالب التي يدبرها جيري الفأر للفرار من قبضة القط توم. الدورة الثانية امتدت في الفترة "1961 -1962" وقدم خلالها 13 حلقة فقط، أما الدورة الثالثة فقد بدأت في العام 1963 وانتهت في العام .1967
أهم شخصيات العمل هي شخصية القط توم التي طرأ عليها الكثير من التغيير على مدى الدورات الثلاث، فتوم في الجزء الأول كان يدعى غاسبر، وكان جسمه مغطى بشعر كثيف، كما كان يحمل ثلاثة شوارب، هذا عدا عن انه كان في الحلقات الأولى يسير على أربع "كباقي القطط" لكنه أصبح يسير على اثنتين في حلقات لاحقة. أما جيري فلم تطرأ عليه كثير من التغييرات ربما بدت أذناه أطول وأنفه أقصر كما كان لون بشرته أفتح. وقد جاءت هذه التغييرات لأسباب تتعلق بخفض كلفة الفيلم، فالتفاصيل الأقل تعني كلفة أقل.
أما خادمة المنزل التي لا يظهر منها سوى حذائها فقد جاء التغيير فيها لأسباب مختلفة، إذ إن هذه الخادمة التي بدا من صوتها وذراعها المسمرين أنها من أصول إفريقية، أصبحت مثيرة لنعرات عنصرية وأصبح واجبا على الشركة المنتجة ان تعود الى بعض أفلامها لتصحح هذه الصورة ولتستبدل الخادمة الإفريقية بأخرى ايرلندية.
أظرف التغييرات هي تلك التي طرأت على صديقات توم اللواتي بدا التغيير عليهن بسيطا خلال الدورة الأولى وجاء متناسبا الى حد كبير مع موضة الجمال والأناقة في تلك الفترات. صديقته في العام 1944 كانت صغيرة الحجم مولعة بالرقص العنيف، وكان هو يتحدث اليها بصوت تشارلز بوير، محبوب الفتيات في تلك الفترة. بعدها ظهرت باني التي كانت تشبه في شكلها الممثلة لانا تيرنر، وبعد ذلك بعامين نلتقي بتودلز التي تم استيحاء شكلها من باني، ونودلز هي قطة رشيقة القوام، ملساء، ذات صوت ناعم، وتحمل بشرة ناصعة البياض. لكن أسوأ صديقة عرفها توم هي تلك التي ظهرت في الخمسينات والتي كانت تحمل بشرة برونزية ويمتلئ جسدها بالعضلات.
بقي أن نقول إن الفيلم يحمل كثيرا من التضمينات الثقافية التي قد لا يعجب عدد لا بأس به من الآباء والأمهات ان تغرس في عقول صغارهم وان يتم تثبيتها في نفوسهم.
سكوبيدو بيدو، ونيمو
ليال صادق البالغة من العمر ستة أعوام تحب سكوبيدو بيدو، لأنه مرعب ومخيف، وهي تحب كل الأفلام المرعبة، وطبعا تحب امتلاك كل ما يحمل صورة سكوبيدو. سكوبيدو Scooby Doo الذي بدأ عرضه في العام 1969 هو فيلم من انتاج هانا باربرا أيضا "الشركة المنتجة لتوم وجيري" وقد حقق فيلم الأطفال المفضل هذا رقما قياسيا في عدد حلقاته التي بلغ 355 حلقة ما أدخله موسوعة غينيس.
وسكوبيدو هو كلب يحارب الجريمة ويكشف عن مرتكبيها، الدافع الأول لاكتشاف شخصيته جاء كردة فعل من رئيس قسم برامج الأطفال في قناة "CBS" الذي وجد في أفلام مثل سوبرمان كثيرا من العنف الضار بالأطفال. تعاونه مع شركة هانا باربرا أنتج الفيلم الذي رفض بداية بسبب ما يحويه من مشاهد مرعبة للغاية، لتقوم الشركة بعدها بتخفيف هذه المشاهد ليكون الناتج فيلما يحوي من الكوميديا أكثر مما يحويه من الرعب لنجد أنفسنا أمام مغامرات رائعة ومضحكة ومسلية وربما تعليمية يقوم بها سكوبيدو وأربعة من رفاقه!
بي - بليد القوي الشجاع
أمير في الخامسة من عمره وهو يحب بي بليد لأنه يهوى الألعاب التي يقوم بها كما أنه قوي جدا، وأمير يتمنى أن يصبح قويا مثله ويتغلب على الجميع. يتفق علي وهو في الخامسة من عمره مع أمير في حبه لبي بليد لأن ملابسه جميلة.
والبي بليد هو فيلم مغامرات يقوم بها مجموعة من الفتية يطمحون إلى أن يكونوا أفضل وأقوى البي بليدر في العالم، ويستعينون بأحدث تكنولوجيا لمساعدتهم على ذلك، وإن كنت لم أتوصل لمعنى البي بليدر لحد الآن!
فتيات قويات، بوكيمون، ومغامرات أخرى
فاطمة صادق البالغة من العمر 11 عاما تحب فتيات قويات Powerpuff Girls لأنه يحوي الكثير من المغامرات، كما انهن قويات وهي تتمنى أن تصبح مثلهن، أما صديقتها فاطمة هادي وهي في الحادية عشرة من عمرها أيضا فتشاركها في الإعجاب بقوة هؤلاء الفتيات وخصوصا "بابل" لأنها غريبة الأطوار وتتحدث بطريقة مختلفة!
ويتحدث هذا الفيلم عن ثلاث فتيات خارقات يحققن بقوتهن وذكائهن وتعاونهن معا ما لم يستطع كثيرون تحقيقه. يتغلبن على الشر الذي تمثله أطراف كثيرة مثل الاخوة الاميبا، وهيم أو هو، وموجو جوجو وغيرهم.
فاطمة هادي تحب أيضا البوكيمون ومغامرات بادي The Great Adventures of ، وهي تحب البوكيمون لأن أشكال البوكيمونات جميلة كما أنها تستمتع كثيرا بالمغامرات الموجودة في الفيلم، أما ادي وزملاؤه فهم مجانين ولذلك تحبهم كثيرا كما أنهم مضحكون للغاية. مغامرات ماندي وبادي بالنسبة إلى فاطمة ممتعة بسبب تعليقات ماندي المضحكة.
وتتفق ايمان مع فاطمة هادي في حبها لمغامرات اد، واد، وادي الأصدقاء الثلاثة الذين يرتكبون الكثير من الشقاوات والمغامرات، وتستمتع بمشاهدة مقالبهم الغبية ، كما أن إد هو أغبى أشخص في العالم وبتعبيرها "لأنه دبدوب وأدبب واحد في العالم".
وترى كوثر وهي في التاسعة أن مسلسل Kim Possible هو الأفضل لأن شخصيته الرئيسية عنيفة وقوية، وهي تريد أن تكون كذلك! وكيم بوسيبل هي فتاة صغيرة تحمل قوة هائلة تجعلها قادرة على أن تهزم كل الأشرار لتنقذ العالم من سطوتهم.
فتيات شجاعات، كيم بوسيبل، وصغيراتنا معجبات بكل ما يدور؟ أليس هو عصر انتصار النساء؟
وبعد...!
يشاهدون الكثير وتتشرب نفوسهم بالكثير من التضمينات والاسقاطات التي قد تكون مقصودة أو غير مقصودة، ونظل - نحن - عاجزين عن أن نفعل شيئا أو نحرك ساكنا، فعالم الكارتون هو عالمهم الأول والأخير، الذي يتناغم مع أحلامهم ويتوافق مع ما يدور في عقولهم الصغيرة من طموحات وآمال صغيرة وينسجم مع كل تصوراتهم ورؤاهم للدنيا التي تحيط بهم.
قد نعترض نحن أو نوافق، لكننا في كل الأحوال نجد أنفسنا أمام سؤال يفرض نفسه عن البديل لهذه الأفلام، فأين هي الأفلام التي تمثل ثقافتنا وتنقل واقعنا وتغرس في أطفالنا كل قيمنا ومبادئنا، وأين هم صناع السينما من المهتمين بمستقبل النشء الجديد
العدد 1045 - السبت 16 يوليو 2005م الموافق 09 جمادى الآخرة 1426هـ