الجلسة الثانية من ندوة "الإسلام من منظورنا ومنظور الآخر" والتي تنظم في إطار جامعة المعتمد بن عباد الصيفية على هامش موسم أصيلة الثقافي السابع والعشرين عرفت مواكبة إعلامية ضخمة خاصة من قبل الفضائيات العربية.
وقد تميزت الندوة التي أدارها أمين عام منظمة اليونيسكو عبدالعزيز التويجري بالدعوة التي صدرت في ختامها والتي تلاها وزير الثقافة اللبناني غسان سلامة والتي دعت إلى ضرورة توظيف كل السبل الحضارية الممكنة والقيام ببحوث معمقة من أجل ردم الهوة التي ما فتئت تتسع بين المسلمين والآخر خلال السنوات الأخيرة.
وقد أجمع جل المشاركين في الندوة التي اقيمت عبر ثلاث جلسات على مدى يومين كاملين، والتي تم تناول النقاش فيها من خلال محورين اثنين هما "هل هناك تصور غربي موحد للإسلام ؟" و"كيف يمكن تضييق الهوة سواء بين منظور المسلمين أنفسهم للإسلام أو بين منظور الآخرين للإسلام" على أهمية القبول بالاختلاف مصداقا للنص القرآني الكريم "وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا" "الحجرات: 13" سواء بالنسبة إلى المسلمين فيما بينهم، أو المسلمين مع الآخرين من مختلف الديانات والملل والنحل.
وقد أكد الكثير من المتدخلين أن الغرب تغيرت نظرته إلى الإسلام والمسلمين خصوصا بعد حوادث 11 سبتمبر/ أيلول التي استهدفته من قبل مسلمين متطرفين ما عصف ببعض القيم والمفاهيم فأخذت بعدا مغايرا منها خصوصا مفهوم "المقاومة" التي أضحت في نظر الغرب "إرهابا" وأضحى مغزى ما يقع في العراق وفلسطين يكتنفه الغموض واللبس بسبب العجز عن المواجهة والتصحيح عبر الحوار.
ويرى وزير الثقافة اللبناني السابق غسان سلامة في هذا السياق أن "لدينا سيولة من المعلومات إلا أن لدينا محاولات يائسة لفهمها" وهو ما أسماه بـ "الصراع بين السيولة والجمود"، مؤكدا في الوقت نفسه أن بالإمكان معرفة المعلومات الضرورية عما يقع في العالم والأسباب التي تكمن وراءه من خلال وسائل حديثة متعددة كالانترنت والتلفزيونات الفضائية وتقييمه.
أما الكاتب والصحافي ضياء الموسوي من مملكة البحرين فقد اعتبر أن المسلمين "يتأرجحون بين العقدة النرجسية فهم دائما على حق، وبين عقدة البانارويا"، معتبرا أنه آن الأوان لتحديد "ماذا نريد وكيف يمكن استشراف المستقبل"، مؤكدا ضرورة رفض التعميم وفتح آفاق معرفية للشباب وإدراك أن التاريخ "صنع بحسب المصلحة".
وقد خلص المتدخلون في هذا المحور إلى أن الإعلام العربي يعاني من الشعبوية ويكرس لنفسه الإجابة عن الإحباطات لفشل التنمية ولا يساعد على فهم الغرب والولايات المتحدة ويحتقر كلمة "مصلحة" بينما تشكل الأساس لرسم السياسات إضافة إلى أن النقاش الدائر يتحدث عن "نحن والآخر" بينما "نحن لسنا كتلة متجانسة وكذلك الآخر".
في الجلسة الثالثة التي كانت ختامية اقترحت المرأة الوحيدة التي شاركت في الندوة مديرة مشروع معهد الفن الإسلامي بالدوحة في دولة قطر صبيحة الخمير فيما يخص الطرق الكفيلة بردم الهوة بين المسلمين والآخر الاهتمام بالمتاحف والفنون التي تختزن "ماضينا وتاريخنا" وتقديمه إلى الآخر، مشيرة إلى أن الغرب يعرف الكثير عن الحضارة الإسلامية وتاريخها ولا يضيع الوقت. كما أقرت بأن العالم الإسلامي في حاجة إلى ثقافة الآخرين كما يحتاج الآخرون إلى ثقافتهم لأنها تبقى ثروة إنسانية مشتركة وتتطلب بلورة تصور جديد واستغلال هذه الثروة والكنوز المعرفية التي راكمتها الحضارة الإسلامية على امتداد القرون الماضية وبحث طرق تقديمها بشكل راق للعالم، معتبرة أن الثقافة الإسلامية لاتزال "محجبة ولم نعثر بعد على الطرق الكفيلة لتقاسمها مع الآخر" وهو ما يفسر في اعتبارها الهوة القائمة بين الجانبين الإسلامي والغربي.
في مداخلته الصادمة ذكر الباحث الليبي محمد عبدالمطلب الهوني المقيم في العاصمة الإيطالية روما أن تضييق الهوة بين المسلمين من جهة وبينهم وبين الآخر من جهة أخرى "هو من أجل العيش المشترك والتعايش البشري في عالم يكون أكثر أمنا أو أقل خطرا"، معتبرا أن هذا الهدف النبيل قد يكون اليوم موغلا في المثالية في العالم الإسلامي، ويعود ذلك إلى أن الأفكار الرائجة اليوم في هذا العالم لا تلتفت إلى هذا المطلب الإنساني لأنه يتعارض مع واقع اختطاف الإسلام واستعماله في تجييش الجماهير من أجل النضال الديني السياسي"، معتبرا أن المصالحة "لن تكون إلا بإخراج الديانات من المعترك السياسي والكف عن استعمال طريق النجاة الأخروي وربطه بفكرة الانعتاق السياسي الدنيوي".
أكثر من ذلك انتقد الباحث الليبي الوضع الديني في العالم الإسلامي معتبرا أن الأمر لا يتعلق بدين إسلامي واحد، بل بديانات إسلامية متعددة يجب الاعتراف بها إذ إن الامر لم يعد يتعلق بمذاهب وفرق.
من جانبه، اعتبر أستاذ العلوم السياسية بجامعة عبدالملك السعدي بمدينة طنجة "شمال المغرب" عبدالعلي حامي الدين أن الذي يدعو إلى القلق هو "ذلك الاقتناع الراسخ لدى بعض مفكري الغرب بأن الإسلام هو مصدر الاستبداد في العالم العربي والإسلامي لأنه لا يشتمل على قيم الحرية والديمقراطية ويكرس مفاهيم الاستفراد بالسلطة تحت مسوغات دينية وهو ما يستدعي التدخل لاستنبات هذه المفاهيم في العقل السياسي العربي والإسلامي".
وفي مداخلته تساءل الباحث والسفير المغربي في القاهرة علي أومليل، عن إمكان ردم الهوة "بينا وبين الآخر"، معتبرا أنه قبل إقامة حوار يتعين إعداد كل الأوراق الضرورية وبحث الفرص الممكنة لذلك، مؤكدا أن الغرب "يهتم بنا لأن في اعتقاده أن ثقافتنا تختزن ما قد يصده ويواجهه"، موضحا أن تحليلا براغماتيا للوضع الراهن يحيل على أنه انطلاقا من "المصلحة الأمنية المحضة" يقترح العالم الغربي "مساعدتنا بهدف منع إنتاج الإرهاب".
ختام المداخلات كان من نصيب الأستاذ والباحث المصري إبراهيم لعويس من جامعة جورج تاون الأميركية الذي اعتبر أن المصالح المشتركة "بيننا وبين الغرب تتطلب منا المحاولة الجادة لردم الهوة، وهي مصالح تشمل الفن كما الاقتصاد والثقافة والحياة العامة"، مؤكدا أن الاعتماد على القرآن الكريم وما جاء به الإسلام ضروري لأنه "يفيدنا في وعينا وفي الإصلاح والعمران والتطور واستتباب أصول العدالة والعلم".
وقبل رفع أشغال الندوة أكد أمين عام مؤسسة منتدى أصيلة ووزير خارجية المغرب محمد بن عيسى أن ما راج في هذه الندوة "ليس جلدا للذات أو للآخر" ردا على تعبير غسان سلامة بل هو تشخيص وبحث ونقاش بين متخصصين وباحثين لوضع قائم، معتبرا أن "ردم الهوة بيننا وبين الآخر لا يمكن أن يتم إلا من خلال حوار حضاري والوصول إلى الآخر عبر تأسيس مراكز ثقافية للدفاع عن وجهات نظر عربية وإسلامية وخلق شروط موضوعية للتأثير على هذا الآخر والتركيز على ترجمة التراث الثقافي والفني الإسلامي بلغة هذا الآخر".
كما يرى محمد بن عيسى أن على المسلمين قراءة تراث الآخر واستيعابه، مشيرا إلى أن الجامعات الأميركية في جميع أنحاء الولايات المتحدة الأميركية تتوافر على أقسام خاصة بالدراسات الشرقية، والشرق أوسطية والحضارة العربية والإسلامية بينما العكس في الدول العربية التي لا تخصص جزءا من برامجها التعليمية إلى دراسة الحضارات الأخرى وفي مقدمتها الحضارة الغربية.
بن عيسى دعا أيضا المشاركين إلى التفكير في عقد ندوة لرؤساء تحرير وسائل الإعلام العربية الكبرى ونظرائهم الغربيين خصوصا في أوروبا والولايات المتحدة الأميركية
العدد 1085 - الخميس 25 أغسطس 2005م الموافق 20 رجب 1426هـ