كل قراءة محفوفة بهاجس الدخول الى مساحات بكر في تناولها وإضاءتها،وما لم يكن مثل ذلك الهاجس حاضرا، ماثلا، مسلحا بأدواته المعرفية، وبما يسعفه في مثل ذلك الولوج، تصبح القراءة ضربا من حوار "الطرشان"، أو ربما ضربا من الحرث في الماء!. وتظل القراءة ، وخصوصا لنماذج من الأدب الشعبي محفوفة - بالإضافة الى هاجس الدخول الى المساحات البكر- بهاجس التأسيس والدخول بجرأة مضاعفة، وبأدوات أكثر حساسية وعمقا، أولا لشبه انعدام التراكم في تلك القراءات المؤسسة، وغياب المنهج النقدي الذي يمكن الإتكاء عليه في قراءة وتحليل وتفكيك تلك النماذج، اذ لا تعدو مجمل القراءات في هذا المجال كونها انطباعية، ذاتية، من جهة، وغير ملامسة، نافذة، موغلة في تناولها واضاءاتها لتلك النماذج، من جهة أخرى ، بحكم موقف يبدو أنه سيظل مؤبدا، ينظر الى الأدب الشعبي باعتباره نقيصة، أو أقل من أن يلتفت إليه، في ظل نجومية واستحواذ شبه كلي ناله ويناله الأدب الرسمي/الفصيح، على رغم أن تناولات ذلك الأدب لا تخلو من مفارقاتها وثغراتها وتجييرها لمناهج لا تلتقي مع مكونات وخصوصيات ذلك الأدب، وما ينتج عنه من نماذج.
تبرز تلك المقدمة توطئة لمحاولة اضاءة تجربة الشاعر البحريني المتميز علي عبدالله خليفة،في ملف يحاول تقديم نماذج من تجربته، مع محاولة الإقتراب من بنائية نصه، والمصادر التي يمتح منها، اضافة الى الأثر الكبير الذي تعكسه تجربته في الشعر الفصيح على بنائية وحمولات قصيدته العامية، من دون أن نهمل جانبا كبيرا من الأهمية في تجربته يتركز في تميزه وقدرته الشفافة والأخاذة في أداء نصوصه وإلقائها، وهو واحد من الشعراء البحرينيين والخليجيين القليلين الذين يتمتعون بعذوبة الصوت وروعة الأداء، يضاف الى تجربته الرائدة في المجموعات الشعرية المسموعة، وتحديدا مجموعته "عصافير المسا".
يعد الشاعر علي عبدالله خليفة واحدا من رواد القصيدة العامية بتميز، جنبا الى جنب عدد من الأسماء الشعرية في مملكة البحرين، على اختلاف توجهاتهم ومدارسهم الشعرية، ومن بينهم شاعر البحرين الكبير الراحل الشيخ أحمد بن محمد آل خليفة، ومبارك بن عمرو العماري، وابراهيم بوهندي، وخليفة اللحدان وغيرهم.
ما يميز تجربة خليفة هو اتجاهها صوب المضامين الجديدة، بكل ما تعنيه تلك المضامين من تماش واضح مع اللغة التي يكتب بها، ونزوعه الى تجاوز تلك المضامين في صورها غير المباشرة في الكثير من نصوصه، من دون أن تغيب المباشرة تلك في عدد آخر من النصوص.
بنائية القصيدة
تشكل بنائية القصيدة لدى الشاعر علي عبدالله خليفة منعطفا مهما ورائدا مقارنة بالتجارب التي جايلت تجربته أو تلك التي سبقتها، اذ تتميز بالمحافظة على شكلها التقليدي في جانب من جوانبها المهمة وخصوصا في الموال الذي حقق له حضورا كبيرا تجاوز به مملكة البحرين الى بقية دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، وخصوصا في الكويت ودولة قطر، اذ لم يبالغ كثيرون حين رشحوه لأن يكون سيد هذا الضرب من الشعر، والقابض على زمامه من دون منازع.
باستثناء ذلك اللون من الشعر كيف الشاعر خليفة الأشكال التي أفرغ فيها عددا من المضامين والموضوعات التي اشتغل عليها، بحيث أتاحت له تبعا لمرونتها التنوع في البنائية التي لم تنفصل ايما انفصال عن شروطها الرئيسة من تعدد التفعيلات من جهة، وتزامنها مع القوافي التي لم تك تشكل هاجسا له على رغم حضورها وتمركزها في نصوصه، الا انه حضور وتمركز متزامن ومتماش مع طبيعة الموضوعات تلك وبعفوية بالغة من دون أن تلمس أي افتعال لذلك الحضور والتمركز.
ظل واحد من الأشكال المكرسة في الثقافة الشعرية الشعبية الخليجية، غائبا في تجربة الشاعر علي عبدالله خليفة، وهو الشعر النبطي، ولم يقف المتتبع لتجربته الشعرية الطويلة على أي من تلك النماذج،ليس لأن الشاعر خليفة غير قادر أو متمرس في ذلك الشكل الشعري، بقدر ما أن طبيعة موضوعاته في بعدها الإنساني والوجداني تتطلب نفسا مختلفا ومدارك لها أوجهها الخاصة، وتوظيفاتها المغايرة إن على مستوى اللغة أو الصورة أو حتى التوظيفات الرمزية التي تحتاج الى مدى مفتوح تتيحه بعض الأشكال التي انحاز اليها خليفة طويلا، وهو الشكل المرن غير المقيد بصدر أو عجز، على الرغم من اكتنازه بشروط بنائه الخاصة التي لم يتخل عنها.
المصادر التي ينهل منها
ظلت البيئة مصدرا خصبا من مصادر التجربة الشعرية لعلي عبدالله خليفة، ولكنه لم يك مصدرا يعمد الى استقباله بكل ما يعج به من مباشرة ومن ثم توظيفه في كثير من نصوصه، بقدر ما أن استقباله لصور ومشاهد واشتغالات وقيم تلك البيئة مرتبط بوعي كبير في مسألة التوظيف تلك، وبما يخدم المضامين الكبرى التي تتخلل الكثير من نصوصه، وهي مضامين مرتبطة بالإنسان وقيمه وانفعالاته وأحلامه وانكساراته، وفرحه وبؤسه.
ويمكن القول إن الشاعر علي عبدالله خليفة، في كثير من نصوصه ظل صوتا لنماذج أولئك البشر الذين انحاز وتفاعل وانفعل بهم ومعهم، صوتا رخيما في صدق الأداء ، عبر اجتراحه وخلقه لصور غاية في العمق والإيحاء وتلمس المغاير من أبعاد وزوايا تلك الصور.
ظلت المقاربات الكثيرة لصور وقضايا وتفاصيل تلك البيئة دالة موحية وملتصقة بالرهيف والإنساني منها، مشتغلا على مساحات من العاطفة ضمن بعدها العميق، مع تنوع في توظيفاتها في النص.
أثر تجربة الشعر الفصيح
لا شك أن تجربة الشاعر علي عبدالله خليفة في كتابة الشعر الفصيح، منذ أواخر الستينات من القرن الماضي، أتاحت له فضاء رحبا في تجربة الشعر العامي، وأمدته - من خلال المزاوجة في القاموس اللفظي - بطاقة لا شك كبيرة في العمل على التجربة وتصاعدها التدريجي سواء من حيث الأشكال أو المضامين.
ولعل أكبر أثر لتجربته في الشعر الفصيح على الشعر العامي ، هو تلك الملامسة الواضحة والواعية في طبيعة قاموسه اللفظي العامي، والذي كثيرا ما يأتي قريبا من حيث تركيبه ومدلوله من القاموس الفصيح، اضافة الى انها أمدته برحابة في التنويعات التى اكتنفت مجمل أعماله الشعرية، يضاف الى ذلك التقاطه المدرك لموضوعاته والقفز بها من مرحلة التسطيح الذي انتاب الكثير من التجارب الشعرية العامية، الى مرحلة تعميقها وضخ أكبر قدر من المدلولات وبلغة لا تحتاج الى كبير جهد لتلمس عمقها ورصانتها واستوائها وإمساكها الملئ بالأخاذ من الصور.
لقد اكتسبت اللغة العامية التي يكتب بها الشاعر خليفة الكثير من رصانة وتماسك وايحاءات لغته الفصحى، بحيث صار من النادر أن تقف على العامي المحض منها، ليس فقط على مستوى تركيباتها، بل حتى على مستوى المدلولات نفسها، يضاف الى ذلك اتسام نماذج من تجربته بتلك الحوارية الداخلية التي تنساب في صور ومشاهد تذكر بقصة لها بداية، الا انه يضعك أمام نهايات مفتوحة، وكأنه بذلك يضع أمامك دعوة للمساهمة في رسم النهاية اللائقة بك أو كما تراها تبعا لاستقبالك وتفاعلك مع النص.ولعل نماذج من النصوص المنشورة في الملف الخاص بالشاعر في عدد اليوم، تنبئ عن شيء مما نحن بصدده.
موهبة الصوت... الأداء
في العام 1996 تناولت هذا الجانب من تجربة الشاعر علي عبدالله خليفة في مقال في الصفحة الأخيرة من مجلة حياة الناس، وكان التناول وقتها عبارة عن قراءة في الصوت والأداء، نحت منحى تظهيريا، وبلغة لم تستطع أن تنسلخ من شعريتها.
يعد شاعرنا واحدا من أفضل الذين يقرأون ويؤدون نصوصهم ببراعة لا يمكن نكرانها بأي وجه من الوجوه، ولعله في الأشرطة الصوتية التي حوت مجموعته الشعرية المسموعة لأولى "عصافير المسا"، فتح الباب على مصراعيه لتجارب حذت حذوه ونهجت نهجه، وإن بمستويات أقل في البراعة التي أشرنا اليها.
تأخذك نصوص علي عبدالله خليفة وهو يؤديها بصوته الى مساحات رحبة من التواصل مع النص بغض النظر عن مدى المباشرة أو عدم المباشرة فيها، تظل هكذا متسمرا، هائما، محلقا معه في آفاقه التي ارتضى وأقام
العدد 1093 - الجمعة 02 سبتمبر 2005م الموافق 28 رجب 1426هـ