سجلت الصحف الأميركية المشاركة الكثيفة والهدوء الأمني النسبي، إضافة إلى نسبة التصويت الكبيرة بين العرب السنة في الاستفتاء على مسودة الدستور العراقي التي فاقت التوقعات إلا أنها رأت أن ذلك لا يعكس بالضرورة ما ستؤول إليه المرحلة السياسية الانتقالية. فإدارة الرئيس الأميركي جورج بوش بحسب تقرير أميركي تعتبر أن الطريق في العراق مازال طويلاً... ولا ترى في التصديق على الدستور انتصاراً... وهو ما حدا بأحد المراقبين للقول إنه في كل مرة تجد واشنطن نفسها على حافة الهاوية، فإنها تبذل جهوداً حثيثة لإنقاذ نفسها، ولكنها لا تنجح سوى في الانتقال إلى حافة هاوية أخرى... وقد شكلت المشاركة الشيعية المتدنية نسبيا مفاجأة غير متوقعة مقارنة مع الإقبال الواسع الذي شهدته معاقل العرب السنة فيما قللت إحدى كبريات الصحف من أهمية التصويت الإيجابي لبعض السنة فهذا لا يعني أنهم يوافقون على مضمونه، فالتصديق على الدستور هو نتيجة للتسوية والوعد بإدخال تعديلات عليه ترضي السنة بعد الانتخابات المقرر إجراؤها في ديسمبر/ كانون الأول المقبل.
وعبرت «نيويورك تايمز» في افتتاحيتها عن تأثرها من المشاركة الكثيفة للعراقيين في الاستفتاء وخصوصاً السنة المشككين في الدستور، معتبرة أن ذلك يشكل تحداً واضحاً للتهديدات الإرهابية. ولاحظت أن العراقيين مارسوا حقاً ديمقراطياً لم يكن ممنوحاً خلال الحكم السابق. ورأت أن المشاركة الكثيفة أثبتت انه على رغم وجود أميركا في العراق كقوة عسكرية مسيطرة، فإن العراقيين وحدهم يملكون السلطة والشرعية لإقامة دولة حقيقية من بين أنقاض النظام الدكتاتوري السابق. واستغلت المناسبة لتذكر تكراراً رفضها إجراء الاستفتاء قبل تسوية الخلافات بين العراقيين بشأن المسودة، متهمة الإدارة الأميركية بأنها أرغمت مراراً العراقيين على الالتزام بمواعيد ومهل اعتباطية لا تخدم سوى حاجاتها. فذكرت أن واشنطن كانت قد جهدت في يناير/ كانون الثاني الماضي لتشكيل لجنة لصوغ الدستور ضمن مهلة ضيقة ما أدى إلى ولادة مسودة دستور تتجاهل حقوق السنة. وفي إشارة منها إلى التزام أميركا بمحاربة التمرد السني لمصلحة التحالف الشيعي الكردي الحاكم، جردت الأحزاب الحاكمة من الحافز اللازم لصوغ الدستور. وقللت من أهمية التصويت الإيجابي لبعض السنة فهذا لا يعني انهم يوافقون على مضمونه.
وأشار غلن كيسلر في «واشنطن بوست» إلى أن إدارة بوش لا ترى في التصديق المرجح على مسودة الدستور انتصاراً لها بل فرصة للتوصل إلى حل للخلافات من شأنها إقفال الباب أمام احتمالات اندلاع حرب أهلية. ولاحظ انه في حين أن المسئولين الأميركيين رحبوا علناً بنتائج الاستفتاء إلا أن بعضهم يرى أن الطريق في العراق ما زال طويلاً وصعباً جداً خصوصاً بعد أن تبين من النتائج المعلنة حتى الآن أن أعداداً كبيرة من السنة رفضوا الدستور. وهذا يدل على المعارضة العميقة لهذه الشريحة التي يعتبر موقفها أساسياً لإنهاء التمرد ومواجهة الرياح السياسية التي تعصف بالعراق. وأورد كيسلر، كلاماً ساخراً لمسئول أميركي لاحظ فيه انه في كل مرة تجد الولايات المتحدة نفسها على حافة الهاوية، فإنها تبذل جهوداً حثيثة لإنقاذ نفسها ولكنها لا تنجح سوى في الانتقال إلى حافة هاوية أخرى.
واعتبر وليد فارس في «واشنطن تايمز» أن مشاركة ملايين العراقيين في الاستفتاء هي انتصار على «قوى الجهاد والبعثية» التي أخفقت في تخريب العملية الديمقراطية. غير أنه سلط الضوء على ما اعتبره الدور الكبير لقوات الاحتلال وقوات الأمن العراقية فالانتصار كان أمنياً أيضاً. ورأى أن فدرلة العراق هي البديل الأنسب عن التقسيم. أما توزيع الثروات النفطية فحاول التقليل من سلبياته فأقر أنه قد لا يكون عادلاً إلا أنه لفت إلى أن المردود المالي لمبيعات النفط تذهب بحسب الدستور لمساعدة المناطق المهمشة مثل المناطق السنية. وأشاد بتضحيات جيش الاحتلال الأميركي الذي لولاه لما كان الاستفتاء وكتب على نحو «شاعري» انه مقابل كل جندي أميركي سقط في العراق، منح لـ مواطن عراقي حق التصويت ضد «الإرهاب». وصحيح أن أياماً سوداء تنتظر الأميركيين في صراعهم ضد «الجهاديين» إلا أنه في مكان ما من الشرق الأوسط حصل أحد الشعوب على حق التعبير ضد أعداء الديمقراطية
العدد 1141 - الخميس 20 أكتوبر 2005م الموافق 17 رمضان 1426هـ