إن كان الإنجليز يتباهون بوثيقة "مانحنا كارتا" كأقدم وثيقة لحقوق الإنسان، وإن كان الفرنسيون يتباهون بثورتهم ونضالهم و"إعلان حقوق الإنسان" الشهير، فمن حق العالم بأسره أن يتباهى بأعرق عبقرية سطرت مواد حقوق الإنسان عمليا في ذكرى استشهاده، ونادت بالعدالة والحرية والحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية والثقافية والدينية منذ آلاف السنين! إنها عبقرية، وإنسانية الإمام علي ابن أبي طالب "ع" التي أذهلت مفكري هذا العصر، وأسالت أحبارهم. فقد انبهر المفكر المسيحي جورج جرداق به، و قال عنه "فليس من أساس بوثيقة حقوق الإنسان التي نشرتها هيئة الأمم المتحدة إلا وتجد له مثيلا في دستور علي ابن أبي طالب، ثم تجد في دستوره ما يعلو ويزيد". المتتبع لمواقف الإمام علي "ع" ووصاياه لمالك الأشتر، يلحظ تشديده على الحقوق السياسية والتعددية، ولا يملك إلا أن يقف مشدوها تجاه مواقفه التي لا نجدها حتى في اكبر الدول الديمقراطية، وليس أدل على ذلك عندما قال له أحد رجال الكوفة وهو يخطب على المنبر "لله أبوه كافرا ما أفقهه" فبرزت له جماعة تريد قتله فمنعهم الإمام: "اتركوه فهو إما سب بسب أو عفو عن ذنب"، تركه علي "ع" ليدلل على ضرورة السماح لانتقاد رأس السلطة! أما عن الحقوق الاقتصادية فقد أوصى بالفقراء قائلا "الله الله في الطبقة السفلى من الذين لا حيلة لهم من المساكين، والمحتاجين، وأهل البؤس والزمنى، فإن في هذه الطبقة قانعا ومعترا واحفظ لله ما استحفظك من حقه فيهم، واجعل لهم قسما من بيت مالك، وقسما من غلات صوافي الإسلام في كل بلد...". لم ينته عند ذلك فحسب، بل جسد أروع معاني الإنسانية واحترام إنسانية الإنسان بغض النظر عن دينه وانتمائه وأصله وعرقه، ببيانه إن الناس "صنفان: إما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق". حتى قبل أن يستشهد أوصى بحسن معاملة قاتله، فأين الأنظمة من عدالة علي "ع"، وأينها بكفل وضمان الحقوق الاقتصادية والإنسانية من دون تمييز بسبب الدين أو الانتماء، وأيننا وأينها من كل هذا بعد مضي قرون من استشهاده
العدد 1149 - الجمعة 28 أكتوبر 2005م الموافق 25 رمضان 1426هـ