العدد 1190 - الخميس 08 ديسمبر 2005م الموافق 07 ذي القعدة 1426هـ

الخطاب الديني... تعامل فقهي ضمن ضوابط الدين (1 ­ 2)

إن الدين الإسلامي بل وكل الأديان السماوية غير المحرفة تنتهج نهجاً واحداً نحو الحياة الحرة الكريمة، وان الدين تقوده المرجعية الدينية التي لا ترتبط بالمكان بقدر ما ترتبط بالأفراد. وهي مرجعية مهمة ووظيفة شرعية علمية ومسئولية حضارية وفقهية ينبغي أن تتسم بالجمالية في شكلها وتركيبها وأعمالها وأفعالها وخطابها... وهذا بطبيعة الحال لا يتأتى إلا إذا كانت المرجعية ذات مسئولية دقيقة يراعي فيها الخطاب الديني مسألة الزمان والمكان والإنسان، لأن كلام المرجعية له امتداد تفاعلي عبر الزمان لا ينبغي أن يبقى مبتور العلاقة بالموضوع أو بعالم الزمن وناسه والحداثة التي لا يمكن أن تصبح بمستوى الحقيقة من دون الفاعلية الدينية التي تسبغ عليها جمالاً وحيوية. لهذا، فإننا في بحث موضوع الخطاب الديني نتعرض لموضوعين رئيسيين في هذا المجال، كي يكون مسار البحث واضحاً في أذهاننا: أولاً ­ ماذا نقصد بالخطاب الديني؟ ثانياً ­ الخطاب الديني بين الخطابات الأخرى.

المقصود بالخطاب الديني

الخطاب الديني: هو التعامل الفقهي مع الواقع المعاش، واحتياجاته بأسلوب حكيم ضمن ثوابت الدين الثابت. العالم الذي يحس بالمسئولية هو من عاش عصره وعرف موقعه وماذا يتطلب هذا العصر منه ومن غيره، لا الذي تمدد مع الخيال ونسج حوله خيوطاً عنكبوتية في الظل من دون أن تلامسها الشمس والهواء. نحن حينما نتحدث عن الخطاب الديني نتحدث عن خطاب تحركه وتصدره عقلية ذات إحساس مرهف جداً وشعور حساس بمسئوليته وشخصيته وحركيتها في المجتمع وإلا فيمكنه أن يختار عملاً آخر كأن يدفع عربة لنقل الأثقال والأحمال فتبقى شخصيته يستنزف جزء كبير منها في هذه الحركة.

ليس من مصلحة شخصية

الخطاب الديني لا ينطلق من مصلحة شخصية تهم الخطيب وصاحب الخطاب... بل هي مصلحة إنسانية جمعاء حتى أعداء الدين والمحاربين له... كيف كان الخطاب الديني مع جيش بني أمية في كربلاء وكيف فلت الحر بن يزيد الرياحي وأمثاله من جيش الظلامة والردة إلى جيش الإسلام والعدل على رغم كل العواقب وما يحدث على قلة الجيش... لأن خطاب الإمام المعصوم الحسين بن علي (ع) كان خطاباً دينياً حقاً يحتوي كل شروط الخطاب الديني فكان له الأثر الكبير. الخطاب الديني هو الذي لا يتأثر بحكام ولا يحكمه رئيس ولا سياسة جوفاء ولا عصبية خرقاء ولا خرافة تافهة لا تتم إلا عن قصور في الذهن والتفكير وضيق في المحيط وعدم دقة في التعامل كما يحدث ذلك في كثير من الأوقات ولاسيما عند إثارة أو تحقيق مأرب وافد من وراء الحدود، لتحقيق أهداف لا يعلمها إلا ذوو العقول والفكر. لذلك، نرى أن الخطاب الديني الذي يصدر عن خطيب بارع... الذي يكتب لعصره وأناسه ومستقبله وواقعه يجد استقبالاً رائعاً وكبيراً لخطابه، لأنه يتناول الحقيقة المشخصة ولا يتيه في متاهات لا يعرف أين تنتهي ومن أين تبدأ. لأن الدين أمانة بيد العلماء العظام والقادة أولاً يفيدون الناس منه ويفيدون هم أنفسهم ومن ثم هو أمانة بيد الناس جميعاً... وقد ورد أن على الإنسان أن يعرف من أين يأخذ دينه، ولعل الكاتب والفنان الذي يستطيع أن يكتب للناس تستقبل الناس أعماله بلهفة، ومنهم من يكتب للرعاع. والقائد والمرجع والمجتهد والمفكر والداعية وأمثالهم لابد أن يفكروا ويتفهموا من يخاطبون؟ وما هي الغاية والهدف؟ وكم هو الثقل الذي تحمله كلمتهم؟ وكم هو أثرها؟ وماذا يبغون منها؟ وما الغاية والهدف؟ وهل هي وقتية أم دائمة وإلا ستكون وبالاً عليهم في هذه الدنيا ومن ثم في الآخرة لا ينجون من عقابها.

أنواع الخطاب الديني

ويمكن القول إنه يشمل: ­ الفتوى: لمن هو أهل لها ويستطيعها وله من يشهد له باستنباطها ممن حصل على شهادة أصحاب الفتوى وإلا ادعاء الأفراد أنفسهم ­ بنظري ­ غير تام الحجة. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى ان مبدأ للمصيب أجران وللمخطئ أجر واحد مقولة تحتاج إلى التأمل لأنها تحدث فوضى. نعم، الله تعالى يثيب على نوايا الناس وليس على أعمالهم «ليبلوكم أيكم أحسن عملا» (الملك: 2)، ولكن المخطئ لا يسلم جائزة. كما أرى لها مردوداً عكسياً وتشجيعاً على الخطأ، وبالتالي فالمفتي ينبغي أن يدرس الفتوى حرفاً حرفاً وليس كلمة كلمة، حتى تأخذ الفتوى موقعها، في الظروف المطلوبة. ­ المقال: وهو أيضاً نوع من أنواع الخطاب الديني الذي يفرغه كاتبه عن المجتمع ويحصل على أعوان ومؤيدين. ينبغي أن يكون المقال موزوناً بالميزان حتى يعرف ثقله ومساحته المؤثر فيها. ­ الخطابة: نعم، الخطابة باعتبارها خطاباً مباشر لابد أن تكون دقيقة التعبير تعيش بالواقع وتمتاز بالمرونة أنها ينبغي أن تشبه المبردة أو المكيف يحتاج اليه الجو الحار أو العكس المدفأة التي يحتاج اليها الجو البارد. ­ الكتاب: وهو خطاب كبير يعتبر مرجعاً ومصدراً ومآلاً يؤول إليه ويعود عليه، فحينما يصدر عن مرجع أو مصدر ديني وحتى أدنى منه فإنه حساس. ولابد أن يظهر للمجتمع بشكل شفاف ورقراق ومحكم ونابع من فهم صاحب الخطاب للمجتمع كما هو وليس بالنقل. كان علي بن أبي طالب (ع) يجول في الأسواق والطرقات ويفهم المجتمع... لأن الاعتماد على النقل لوحده يؤدي في بعض الأحيان إلى كارثة. ­ الإعلان: وهو الآخر طريق من طرق الخطاب الديني ينبغي أن يتعامل معه العالم والمفكر والمعلن بالشكل الذي يحمل إيجابيات الإعلان وردوده، وهو ما سنذكره في موضوع صفات الخطاب الديني المطلوب. ­ الندوة: وهي صورة واقعية يستغلها المسئول والعالم للتعبير وإبراز رأيه وخطابه الديني، وكيف يجب أن تكون القضية والموقف المطلوب. وهي وسيلة تعطي الحرية الكبيرة للمفكر وعالم الدين أن يفصح بشكل واضح وشفاف عن خطابه الديني اجتماعياً كان أو سياسياً. ولذلك، تعتبر الندوة إطلالة المفكر على الأمة وشرفة واسعة يشرف منها المسئول أو المفكر أو الفقيه بشكل مباشر على الأمة بآرائه المدروسة والملائمة للحال التي يعيشها المجتمع. ­ المقابلة الصحافية: إذاعية كانت أو تلفزيونية أو مع صحيفة ومجلة بأي موضوع كان علميا أو فقهيا أو عقائديا أو سياسيا وحتى أدبيا أو شعريا أو فنيا. فالأديب أو الفنان الذي يكتب لعصره وزمانه يجد انجذاباً له من الناس ولكتاباته وقصصه ورواياته حينما تتناول الحقيقة والعلاج لقضية، فرواية نجيب الكيلاني المصري «عذراء جاكرتا» التي يتحدث فيها عن محنة المسلمين في نيجريا وزعزعة المسلمين فيها وإبراز الدور الخبيث لتدخل الإنجليز لتقسيم البلد إلى مناطق عرقية ومذهبية... قد طبعت ثماني مرات.

* عالم دين ومفكر إيراني، والمنشور جزء من ورقة قدمت في ندوة «الشيخ ميثم البحراني وحياته العلمية» التي عقدتها وزارة الشئون الإسلامية في الفترة من 28 إلى 29 نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي

العدد 1190 - الخميس 08 ديسمبر 2005م الموافق 07 ذي القعدة 1426هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً