وأطل عاشوراء بحلته... أطل بهالته، ليروي للبشرية من جديد مأساة كربلاء، مأساة أرض الكرب والبلاء.
فهناك، من بعيد، كأنني ألحظ على القنا رأسا مقطوعا، وكأني أرى شيبا خضيبا يقطر بدماء المنحر الشريف... هناك على رمضاء «الغاضرية» وجسدا مرملا ومعفرا غطاه نجيع طاهر، ولعمري كأني أرى خنصرا مبتورا، وصدرا مسكورا، وتأملت لأرى نحرا منحورا من الوريد إلى الوريد!
لله درك يا حسين، أبيت الخضوع إلى الذل والهوان، والإذعان إلى طاغية الزمان، أبيت الهوان، واخترت الموت، فدوت صرختك في سماء كربلاء وظلت تدوي وتدوي «إن كان دين محمد لم يستقم... إلا بقتلي يا سيوف خذيني».
وعلى ضفة النهر، كأني بأقوام أعماهم الشيطان عن إدراك الحق، وكأني بالسامري ألقى جسدا له خوار فنسوا أنك بن بنت نبيهم، وإمام زمانهم، فأصروا على الحنث العظيم، واستحبوا الدنيا والنار على الجنة ورضا الجبار. فتعسا لأمة أسرجت وتهيأت لقتالك لتعيش على فتات الدنيا الفانية.
ويبقى الدهر يسطر ملحمة الطف الأليمة لتبقى إلى الأزل، ما بقي الليل والنهار، لأنها أعظم ملحمة جسدت قسوة الظلم وأعظم ملحمة سطرت ثبات الحق.
هي وقفة الحق في وجه الباطل، وقفة ستخلد معنى التجرد من الدنيا والذوبان في حب الله، فطارت إلى السماوات روح ألهمت العالمين سر الحياة الأزلية والسعادة السرمدية. فأين الحسين (ع)؟ هو شامخ بعنفوان بريقه الوهاج... وأين قتلته؟ نساهم التاريخ ولا يعرف لهم إلا الخزي والعار! فمن القاتل ومن المقتول؟
فطوبى لأرض سقاها دم دفاق، وطوبى لأجساد افترشوا التراب وحلقوا بأرواحهم في الآفاق... ويظل الحسين (ع) علما لا تخفى آثاره، وشعاعا لا تطفى أنواره، ومجدا تليدا يتجدد يوما بعد يوم، وكيف لا وهو من حمل راية المصطفى (ص) وحمى رسالته بدمه الطاهر وبأرواح أهل بيته وصحبه، وهل هناك أسمى من أن يجود المرء بروحه؟
عبدالله الملا
العدد 1252 - الأربعاء 08 فبراير 2006م الموافق 09 محرم 1427هـ