بعيداً عن معادلات السياسة، وبعيداً عن كل المصالح والاتهامات المتبادلة في ملف الشهداء وضحايا التعذيب الذي فتح على بساط البحث، فإن لهذه القضية وجهاً إنسانياً لا يقبل التشكيك... إنه حديث عن ضحايا كانوا ولا يزالون يعانون، وكثير منهم لم يرتكبوا جرماً سوى المطالبة بحياة كريمة في ظل احترام الإنسان بصفته بشراً له كرامة وحقوق لا يفرط فيها.
لنبتعد عن السياسة قليلاً، وسنرى أن هناك واقعاً مأسوياً بكل ما للكلمة من معنى تعيشه عائلات بحرينية كريمة، بعضها فقدت حبيباً، وأخرى عانى أبناؤها من وطأة تعذيب في السجون والمعتقلات لفترات طويلة، وثالثة شرد أفرادها في أقطار الأرض.
«الوسط» تعرض ضمن مسلسلها المتواصل شهادات حية من عائلة بحرينية كان لها مع عهد أمن الدولة ذكريات مريرة لم تمح من ذاكرتها حتى الآن، وهي لا تزال تعاني بسبب القبضة الأمنية المحكمة التي كتبت لها رواية حزينة اختطت بحلم مواطنين كان جرمهم أن حلموا بوطن يحيا فيه الأمل.
اليوم نحن أمام شاب يبلغ من العمر 28 عاماً يحمل الثانوية العامة لم تتركه أجهزة أمن الدولة حتى تركت على جسمه آثارها، وتوجت تلك الإصابات بالقضاء على حاسة البصر في عينه اليمنى... انه الشاب منصور عبدالنبي أحمد الجردابي الذي فقد إحدى عينيه في إحدى المسيرات في تسعينات القرن الماضي، إلا أنه يقولها وبكل وضوح «العين فداء لوطني البحرين الغالية».
منصور عبدالنبي أحمد الجردابي شاب يبلغ من العمر 28 عاماً متزوج منذ فترة قصيرة، عند رؤيتك له فإنك وبمجرد أن تنظر إلى وجهه فإنك ستلاحظ شيأ غريبا في عينه اليمنى، فهي شديدة الاحمرار لدرجة تشك أنها عين إنسان، إلا أنك وبمجرد أن تسأل منصور عن هذا الاحمرار فإن الإجابة ستكون «أمن الدولة هو السبب»، وبعد سمع قصة تلك العين فستعرف أن هناك عشرات هم مثل منصور موجودون في البحرين.
العين فداء للوطن
ويروي منصور تفاصيل قصته قائلا: «في العام 1996 تم اعتقالي بتهمة الكتابة على جدران المنازل وأثناء الاعتقال تم استخدام أنواع متعددة من التعذيب معي ومنها ما ينافي الأخلاق، ما أدى إلى إصابتي بنزيف استمر معي لمدة عامين كاملين حتى قمت بإجراء عملية لوقف النزيف بعد الإفراج عني»، مشيراً إلى إن «مدة الاعتقال كانت أربعة عشر شهراً وحتى بعد الإفراج عني بقي جواز سفري لدى أجهزة الأمن».
وأضاف الجردابي «بعد إطلاق سراحي بثلاثة شهور وتحديداً في الثامن من يونيو/ حزيران من العام 1997 في اليوم الثالث لاستشهاد الشهيد عبدالزهراء إبراهيم عبدالله، وعند انتهائنا من التعزية في مأتم بن خميس في منطقة السنابس فاجأتنا قوات مكافحة الشغب بإطلاق الرصاص الانشطاري على المعزين... وصحيح أن المعزين تفرقوا إلا أنهم عزموا على التظاهر احتجاجاً على هجوم قوات الأمن عليهم، فانطلقت المسيرة (...) إلا أن قوات الأمن عادت من جديد وقامت بتفريق المسيرة باستخدام الرصاص الانشطاري، عندها أصابتني رصاصة انشطارية في يدي اليمنى فتخدرت بشكل كامل».
انشطرت الرصاصة لاحقا لتصيبني إحدى شظاياها في العين اليمنى وفقدت البصر في الوقت ذاته، كما أصبت في مختلف أنحاء جسمي بالشظايا (...) وبعد إسعافي من قبل بعض الشباب تم نقلي عن طريق وعر إلى مستشفى البحرين الدولي، وفوجئنا عند وصولنا إلى المستشفى أنه الآخر قد طوقته قوات الأمن من جميع الجهات ليتم نقلي إلى منزلنا».
عذاب فقد العين وتكاليف العلاج
انتقلنا بعدها مع منصور إلى قصة علاجه الطويلة، إذ ذكر لنا أن «الأطباء أوضحوا له أن الآلام ستستمر معه حتى نهاية حياته، كما أن الاحمرار سيستمر أيضا»، ولكن ما لم يكن في حسبان منصور انه يكون مضطراً وبشكل دوري إلى زيارة الطبيب بالإضافة إلى إجرائه عملية إزالة الماء الأبيض من عينه المصابة بشكل دوري ما يكلفه كلفاً باهظة، وأمام كل هذا نتحدث مع منصور عن معاناة العلاج منذ اللحظة الأولى التي نقل فيها من منزلهم إلى مجمع السلمانية الطبي. وأضاف: «بعد نقلي إلى منزلنا كانت والدتي في استقبالي وملابسي مملوءة بالدماء ومازلت اذكر كيف تلقتني بالدموع والآلام، ونقلني بعدها أحد إخوتي من منزلنا إلى مجمع السلمانية الطبي، وقام الفريق الطبي بإجراء عملية لوقف النزيف الخارجي الذي أصبت به إلا أن الفريق لم يستطع فعل شيء للنزيف الداخلي فنصحني الطبيب بمراجعة أحد المستشفيات السعودية... ولكن علاجي في السعودية اصطدم بوجود جواز سفري لدى الأجهزة الأمنية، وقامت عائلتي بإرسال الكثير من الرسائل إلى المسئولين في وزارة الداخلية إلا أن جميع تلك الرسائل لم تلق آذاناً صاغية، وبعد ثلاثة شهور من الانتظار تم استدعائي وتسليمي جواز سفري، وانطلقت مباشرة إلى السعودية لإجراء العملية اللازمة، وبعد إجراء الفحوصات اللازمة أجريت لي عمليتان جراحيتان في العين واحدة لإيقاف النزيف الداخلي والأخرى لاستئصال قطعة الرصاص الانشطاري من العين».
واردف «لقد أخبرني الأطباء ان حالتي هذه ستستمر معي حتى نهاية حياتي فالآلام ستبقى وكذلك الاحمرار في العين وأنه لا يمكن علاجهما (...) كنت أتردد على الطبيب بشكل شبه يومي، كما أنني احتاج كل مدة زمنية إلى إجراء عملية جراحية لإزالة الماء الأبيض من العين المصابة وأقوم ببعض هذه العمليات في السعودية ما يكلفني كثيراً من المال».
الضحية والوظيفة
عندما تكون إنسانا بكامل صحتك فإنك قد تنظر في طابور طويل من العاطلين، فكيف بك وأنت مصاب بعاهة قد تجعل أرباب العمل لا يقبلون بتوظيفك، هذه إحدى جوانب المأساة كما يصفها الجردابي الذي قال: «واجهتني مشكلات عدة في أثناء البحث عن وظيفة نتيجة لإصابتي بفقدان البصر، ولكن ما كان يعيق استمراري في أية وظيفة هو انه لا يمكنني العمل في أية وظيفة فيها روائح المواد الكيميائية بالإضافة إلى عدم مقدرتي العمل في درجات الحرارة المرتفعة أو حتى الإضاءة الزائدة، وهذا كان عاملا أساسيا في عدم استقراري في أية وظيفة من الوظائف التي تمكنت من الحصول عليها».
ومن جهتها تقول والدة منصور: لقد فوضت أمري للباري عزوجل، و صحيح أنني بكيت في البداية ولكن الأمر كله مرده إلى الله». هذا ويطالب منصور الجهات المختصة بمحاسبة الفاعلين وتعويض المصابين وجميع الضحايا في بادرة حسن نية
العدد 1298 - الأحد 26 مارس 2006م الموافق 25 صفر 1427هـ