العدد 3217 - الثلثاء 28 يونيو 2011م الموافق 26 رجب 1432هـ

مقاطع من كتاب «في حضرة الغياب» لمحمود درويش (3 - 3)

السجن كثافة. ما من أحد قضى ليلة فيه إلا درب حنجرته على ما يشبه الغناء، فتلك هي الطريقة المتاحة لترويض العزلة وصيانة كرامة الألم. ان تسمع صوتك المبحوح يعني أن آخرك قد سامرك وأسر لك باخبارك الشخصية، في غرفة كلما ضاقت اتسع ما وراءها واحتضنت العالم بشغف المصالحة.

وأنت إذ تغني لا تغني لتتقاسم الليل مع أحد. ولا تغني لتقيس ايقاع وقت بلا ايقاع ولا علامة، بل تغني لأن الزنزانة تغريك بمناجاة الخارج، نقصانك في كمال العزلة: تأتي الحقول إليك بحفيف السنابل الذهبية. والشمس تملأ قلبك بضوء البرتقال. وتأتي إليك زهور السفوح المبعثرة كشعر فتاة فوضوية. ورائحة القهوة المشحونة بهياج الهال تأتي إليك. كأنك لم تنتبه من قبل إلى ما في خارجك من سعة ودعة... وإلى ما كان ينقصك من احتفاء بالطبيعة.

وكما في القصائد والغسق، يحتفل الغموض بالوضوح، لأن بؤرة سرية تطلق إشعاعها في الجهات وفي الكلمات، وتحرم الظلام من أبدية الصفات. تزورك الذكريات الصغيرة قطيعاً من ماعز وأيائل تتقافز كأكواز صنوبر على طريق جبلي. في كل أغنية فتاة تنتظر على محطة باص أو على شرفة. وعلى كل شرفة منديل يلوح وحمامة آمنة


وأنت، أنت وأكثر

مأهول، كمجمع سكاني، بالصاعدين على الدرج وبالنازلين إلى الشارع. مأهول بأدوات المطبخ والغسالات ونزاع الأزواج على أفضل طريقة لتقشير البطاطا وقلي السمك. وجع خفيف في المعدة يتبعه وجع ميتافيزيقي: هل تصاب الملائكة بالزكام؟


وأنت، أنت وأقل.

لا تستطيع ولوج يوم جديد بلا حمام، وحلاقة، وصحيفة، وفنجان قهوة. حجم الأرض هنا متران مربعان لهما باب حديدي دائم الإغلاق. أصوات أحذية غليظة تحمل إليك حساء العدس المطبوخ بالسوس، فتدرك أن نهاراً جديداً قد حل ضيفاً على العالم. لكنك لا تحصي الأيام، فلا خرز في زنزانتك ولا حصى للتقويم الجديد. ولا تعلم إن كانت حرب جديدة قد اندلعت، أو كانت الحرب القديمة قد وضعت أوزارها. ولا تعرف إن كانت ثيابك قد توقفت عن بث رائحتها،أم أن حاسة الشم فيك هي التي تعطلت.

لا جديد إذاً. لا جديد في هذه القطيعة الصلبة مع الزمن. لا جديد سوى قديمك الزاحف منك وإليك، متحولاً فكرة وصورة تتناوبان، بلا مهاراة، ذرائع هدوئك الذي لا غنى لك عنه للتنفس الطبيعي في هواء فاسد. لا شيء رهن إشارة القلب الذي كان يأمرك فتنصاع، ويأمرك بأن تعصى فتعصى، ويأخذك إلى أقصى ما في مطاردة الحجل من برية، وإلى أقسى ما في الكلام من خشونة الهجاء.

كم أنت هادئ لتقول: الهجاء فحولة اللغة القادرة على مناطحة الجنادل، كلما توقفت البلابل عن الغناء، وامتثلت فرس غير أصيلة، إلى إغواء حمار. الهجاء فروسية مقهورة تعوض نقصان التشبه بالقادر برفع إنشاء الخاسر إلى مرتبة العرش، لكنه، الهجاء، يطرب الجمهور الغاضب، ويعذب الغالب بطنين الأولاد الذين يلاحقونه بأصوات التنك والشتائم، ويحرمه من تتويج النصر بالطرب.


وأنت، تقريباً أنت.

لا سجين ولا طليق. فالسجن كثافة. ما من أحد قضى ليلة فيه إلا وأمضى الليل كله في تدليك عضلات الحرية المتشنجة، من فرط السهر على الأرصفة، حافية وعارية وجائعة. وها أنت ذا تحتضنها من كل ناحية، حراً متحرراً من عبء البرهان. ما أصغرها وما أبسطها وما أسرعها في الاستجابة إلى نشاط السراب. وهي فيك وفي متناول يدك التي تدق بها جدران الزنزانة: في اقتباسك أمثولة الطير، وفي هطول المطر، وفي هبوب الرياح، وفي ضحكة الضوء على حجر منسي، وفي كبرياء شحاذ يوبخ مانحيه إذا بخلوا، وفي حوار غير متكافئ مع سجانك حين تقول له:

أنت، لا أنا، هو الخاسر، فمن يحيا على حرمان غيره من الضوء يغرق نفسه في عتمة ظله. ولن تتحرر إلا إذا بالغت حريتي في الكرم، كأن تعلمك السلام وترشدك إلى بيتك. أنت الخائف، لا أنا، مما تفعله الزنزانة بي، يا حارس نومي وحلمي وهذياناتي الملغومة بالإشارات. لي الرؤيا ولك البرج وسلسلة المفاتيح الثقيلة والبندقية المصوبة إلى شبح. لي النعاس حريري الطبع والملمس، ولك السهر علي لئلا يسحب النعاس سلاحك من يدك قبل أن يرتد إليك طرفك. الحلم مهنتي، ومهنتك استراق السمع، سدى، إلى حديث غير ودي بيني وبين حريتي.

لا يصغي السجان إليك، ولا يراك وأنت تغافله وتدخل في نفسك دخول الغريب إلى مقهى على الرصيف. لم تحب المقاهي وملاهي الليل، كما أشاعوا عنك. المقهى هو امتلاء الروائي بفضول النص المتعطش إلى مراقبة المصائر. المقهى هو إفراغ الوقت من ضجر مصاحب للكائن في كؤوس نميمة. والضجر مذل كالشهوة المتأججة في غير موضعها. المقهى هو الشرك الملائم لاصطياد أفكار نسيها أصحابها مع البقشيش على الموائد، واقتباسات غير دقيقة لعناوين ثقافية تشبه الوجبات السريعة.

لكنك تحس الآن برغبة ملتهبة في الذهاب من الزنزانة إلى المقهى. ستجلس وحدك مع فنجان قهوة وجريدة قد تقرأها وتنسى ما قرأت. وقد لا تقرأها وتتذكر ما لم تقرأ. لكنها ستارة ورقية لاختلاس النظر إلى الآخرين: إلى سيدة تخاطب كلبها بحنان عائلي، وإلى جنرال يأكل بنهم، فالجنرال هو أيضاً كائن يجوع، وإلى فتاة تنزل خصلة شعر على جبينها بنزق المنتظرة... وإلى صحافي يدون ملاحظات عن رجل أمامه يحاول حل الكلمات المتقاطعة. وحين تختلس النظر إلى نفسك، تكتشف أنك لا تفكر بشيء ولا تنتظر أحداً، ولا تشعر بفراغ أو امتلاء أو ضجر.

الضوء ساطع، فتخرج إلى الشارع النازل من قمم الصنوبر إلى البحر. السجن هو حرمان الكائن من مشهد الشجرة والبحر. والحرية هي المخيلة القادرة على استدعائهما إلى السجن، وجعل ما ليس مرئياً مرئياً. لا... هذا ما يفعله الشعر. الشعر إذاً فعل حرية، ويجعل ما هو مرئي غير مرئي عند مواجهة الخطر. والمشي رياضة وحرية. تتخيل أنك تمشي على شارعك الشخصي بطيئاً في البداية. تتملى شبابيك مفتوحة على الداخل، على أسرار صغيرة وحمامات. تقيس المسافة بين لقاء طويل ووداع صغير، فينتابك شعور حامض بالندم على خطأ لم ترتكبه: لست أنا المسؤول عما حدث. لكن الحرب أعادت كلاً منا إلى خيمته. أنت إلى نشيدك الوطني، وأنا إلى السجن، فلم تعد أغنية الجسدين مشتركة!

المشي رياضة وحرية. تتخيل أنك تمشي على شارعك الشخصي سريعاً سريعاً لتحرق السعيرات الزائدة لساندويتش الشورما وألواح الشوكولاته. الدهن والسكر هما شهوة السجين إلى استرداد عافية المألوف. والمشي رياضة الكلمات وتدريب الذاكرة على ما تحتاج اليه من نسيان الزؤان والإهانة. المشي السريع يخفف عن الكلمات شحم النعوت والمترادفات وما يجعل السهم طائشاً. المشي السريع يضع الرمزي في موقعه الصحيح من الواقعي مهما تحرش الضباب بالصورة والفكرة والرؤيا. المشي السريع يلف الكلام بسروة القوام الرشيقة تحت سماء صافية. فلتسرع قبل أن يوقفك السجان عن رياضة المجاز في منتصف هذا الشارع الواسع. ولتسرع قبل أن يوقظك، ويرمي إليك بوعاء البول الصباحي.


وأنت أنت ولا أنت في آن واحد.

منقسم إلى داخل يخرج وإلى خارج يدخل. لكنك حر في الاختلاء بحرية غير حمالة أوجه... حر في وضع الخيال على ركبتيك. ولا تجري، كما هي العادة، مقارنة بين سجن كبير وسجن صغير، لأن لا شيء في الزنزانة يلهيك عن التحديق إلى بؤرة سوداء تشع نوراً، فتغني له وتطير، كما يفعل المتصوف، أبعد من هدهد في أقاصي السؤال!

العدد 3217 - الثلثاء 28 يونيو 2011م الموافق 26 رجب 1432هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً