ربما يجد البعض غرابة في الحديث عن ذكورة محاصرة أو مهمشة ففي الغالب يكون الحديث عن الأنوثة أو المرأة، ولكن هناك أيضاً من يحاصر الذكورة؛ فجينياً، سبق أن ذكرنا وجود جينات الأم كالمايتوكندريا داخل الرجل، أما ثقافياً فلا توجد هناك أيضاً أي غرابة فنحن نقصد في الغالب نوعاً معيناً من الذكورة وهي الذكورة المؤنثة.
سبق أن تناولنا في الفصل السابق أنواعاً مختلفة من الأجناس يصنف بعضها على أنها نوع من الذكورة لكنها أقرب إلى جنس الأنثى من جنس الذكر وهذا النوع من الذكورة المؤنثة يمثل خطراً حقيقياً لمن يعتبرون أنفسهم ذكوراً حقيقيين أو طبيعيين فهي تهدد الإرث الذكوري سواء من ناحية الدور أو الطباع. وهنا نأتي إلى معيار آخر تصنف على أساسه الذكورة والأنوثة وهي الأدوار التي يلعبها كل من الذكور والإناث والتي على أساسها يصنف الأفراد في مجتمع ما بحسب هذا الدور.
المحافظة على الإرث الذكوري
قبل اكتشاف وسائل الحضارة الحديثة التي تسهّل أعمال الإنسان وتقلل من الجهد المبذول كانت هناك أعمال تحتاج إلى جهد عضلي كبير وأعمال تحتاج إلى جهد أقل وقد حدث توزيع للأدوار ما بين الذكر والأنثى فأسندت مهام معينة للأنثى ومهام أخرى للذكر ومع مرور الزمن حدث ارتباط ما بين المهنة والجنس فهناك أعمال تصنف على أنها ذات طابع إنوثي وأخرى ذات طابع ذكوري. وفي بعض الثقافات درج أفرادها على تصنيف الذكر والأنثى بحسب المهام أو الأعمال التي يقوم بها؛ إلا أنه ضمن هذه الثقافات ولأسباب سنتطرق إليها لاحقاً، ظهرت ذكور تقوم بعمل الإناث، عندها شعر بقية الذكور الذين يعتبرون أنفسهم طبيعيين بتهديد رجولتهم ومن هنا تولّدت لديهم النزعة الدفاعية عن الذكورة والتي أدت إلى تصنيف أي ذكر يقوم بأعمال الأنثى ضمن مجموعة خاصة وأطلق عليهم تسميات خاصة فهم ليسوا رجالاً لكنهم ليسوا نساء أيضاً، وبذلك ظهر عندنا «جنس ثالث» تولدت عنده نزعة الدفاع عن هويته بسبب تهميشه في المجتمع.
مع مرور الزمن بدأت تظهر مجموعة «الجنس الثالث» بصورة واضحة في ثقافات مختلفة وقد أخذت أشكالاً ومسميات مختلفة بحسب الثقافة التي نشأت فيها، فهناك «الهجرا» في الهند و»الكاثوي» في تايلند و»الترافيستي» في البرازيل و»الفاكافيفين» في تونغا و»الفافافين» في الساموا، حتى ضمن الثقافة العربية فقد كانت هناك طبقة الغلمان والمخنثين. وبعض هذه المجموعات تتشابه في ميزاتها ونظرة المجتمع إليها فالإناث تخالط أفراد الجنس الثالث وتأكل معهم ولا تخاف منهم فهن لا يعتبرونهم ذكوراً فالذكر يتميز بدوره كذكر وبقدرته على الاقتران بالأنثى، وفي بعض الثقافات يمكن للذكر المنتمي للجنس الثالث من الزواج وإنجاب الأطفال وحينها يمكن اعتباره ذكراً فتتوقف النساء عن مخالطته.
لن نتناول تاريخ كل تلك الجماعات وأدوارها وخصائصها ويمكن الرجوع في ذلك للكتب المتخصصة مثل كتاب Herdt 1996 عن تاريح «الجنس الثالث» و كذلك كتاب Murra ، 2000 عن المثلية. ما نريد أن نوضحه هنا أن تلك المسميات من صنع الأفراد المنتمية إلى الثقافة نفسها التي توجد فيها هذه المجموعة بمعنى أنها من صنع الثقافة نفسها وليست دخيلة عليها. قانونياً في تلك البلاد هناك ذكر وأنثى ولكن ثقافياً هناك تقسيمات أخرى للأفراد بحسب الأدوار، تلك الثقافات أوجدت لها عرفاً: الذكورة هي الذكورة أينما كانت تلعب أدواراً محددة، وكل فرد ذكر يمارس دوراً آخر فيجب ألا يقترن هذا الفرد بمسمى الذكر بل يصنف في مجموعة أخرى أطلق عليها في العصر الحديث مسمّى جامع وهو «الجنس الثالث» وهو مسمى غير دقيق ويفضل دائماً المصطلح العلمي وهو «الأجناس البينية».
الثقافة القاتلة للذكورة
في الوقت الحاضر غالباً ما يكون الفرد هو صاحب القرار في أن يكون ذكراً أو أنثى أو جنساً ثالثاً، ولكن قديماً ضمن بعض الثقافات كان هناك أفراد هم من يقرر أن يجعل من ذكر ما «جنساً ثالثاً» أو يبقيه ذكراً، على سبيل المثال وجد أفراد المجتمع في جزر الساموا أن عمل المرأة شاق ولا يمكن أن تنجزه لوحدها وفي حال عدم وجود إناث أخرى للمساعدة في القيام بالمهام اليومية أصبحت هناك حاجة ملحة لوجود قوة عضلية إضافية وبذلك تم إسناد جزء من مهام الأنثى أو كلها إلى أحد الذكور من العائلة، وبما أن الذكور الطبيعيين لا يقومون بمهام الإناث ترتب على ذلك تربية ذكر من العائلة وكأنه أنثى لكي يقوم بتلك المهام الأنثوية ومع مرور الزمن حدث نوع من التقنين في اختيار الذكور التي تقوم بمهام الأنثى فوقع الخيار على الذكور الذين لهم ميول أنثوية حتى وإن كانت بسيطة فإنه يتم تعزيزها ويربى الذكر على أنه أنثى ولا يطلق عليه مسمى ذكر أو أنثى بل يسمى «فافافين» أي شبيه المرأة. نلاحظ من هذا النموذج نقطتين مهمتين، الأولى: أن الذكورة والأنوثة تصنف بحسب الأدوار. والثانية: أن الثقافة هي التي ساهمت في ظهور فئة من «الجنس الثالث» فعندما احتارت الجماعة بين خيارين وهو مساعدة الأنثى في مهامها أو المحافظة على الإرث الذكوري قررت أن تضحي بذكورة بعض الأفراد.
لقد كانت طبقة «الفافافين» تُقدَر لأجل التضحيات والخدمات التي تقدمها للأسرة ولكن في ضوء التغير الثقافي والحضاري أصبحت هذه الفئة مجرد «جنس ثالث» يطلق عليهم البعض مسمى «المثليين» وغيرها من هذه المسميات الحديثة. وللمزيد من التفاصيل عن هذه الفئة، نشأتها وتحولها في ظل التغير الثقافي يمكن الرجوع لأطروحة Reevan Dolgoy التي قدمها لنيل درجة الدكتوراه في العام 2000م والمعنونة:
«The Search for Recognition and Social Movement Emergence: Towards an Understanding of the Transformation of the Fa»afafine of Samoa»
الصراع على دور الذكورة
معركة تحديد الأدوار ليست حصرية بين الذكر والأنثى ولكنها أيضاً موجودة في الكائنات الحية التي تحمل الجنسين معاً أي الخنثى، فعادة الكائن الحي الخنثى لا يقترن بنفسه لكي يتكاثر ولكن يقترن بفرد آخر من النوع نفسه وذلك للحصول على صفات وراثية جديدة وهنا قد تنشب معركة بين الفردين حول من يلعب دور الذكر وفي أنواع من الديدان المفلطحة تكون تلك المعارك ضارية قد تؤدي إلى تمزيق جسد الفرد الخاسر منهما، وهذا يعني أن الحل الأمثل أن يتم تحديد الأنثى وتحديد الذكر مسبقاً وألا يجعل الأمر اختيارياً.
الذكورة المحاصرة جينياً
لا يمكن أن نتغافل أمر «الميتوكندريا» أو كما يسميها البعض «جين حواء»، فهي كثيراً ما تتمرد على السلطة المركزية وأحياناً تتسم بالأنانية، فبما أنها من أصل أنثوي فهي تكن العداء للذكورة وذلك لسبب بسيط أن الخلايا التكاثرية للذكر (كالحيوانات المنوية في الإنسان) تتخلى عن المايتوكندريا ولا تنتقل للأجيال القادمة وفقط مايتوكندريا الأنثى هي التي تنتقل. من المعلوم أن غالبية النباتات تحمل أعضاء التكاثر الأنثوية والذكرية في النبات الواحد نفسه بل في زهرة واحدة، فالنبات خنثى، إلا أنه في أكثر من 7 في المئة من النباتات الخنثى تتمرد المايتوكندريا فلا تكون نسيجاً تكاثرياً ذكرياً وتكون المحصلة أن يصبح النبات عقيماً ذكورياً لكنه خصب أنثوياً وهذه الحالة تعرف بعقم الذكورة السيتوبلازمي.
قاتل الذكورة
تم اكتشاف نوع من الباكتيريا تسمى ولباشيا Wolbachia تعيش عيشة تكافلية داخل خلايا العديد من الحشرات وهي تنتقل بصورة عمودية في أجيال تلك الحشرات فهي تدخل الأجنة المتكونة وهذه البكتيريا تحمل عداء شديداً للذكورة فهذه البكتيريا تنتقل عبر الأجيال كما تنتقل المايتوكندريا أي عبر الأم فقط، وبذلك يتوجب على هذه البكتيريا التخلص من العدو اللدود وهو الذكر، ففي حال كان الجنين المتكون ذكراً فبحسب نوع الكائن الحي إما أن تقوم البكتيريا بتحويله إلى أنثى أو القيام بقتله وهو لايزال جنيناً فيتحول إلى غذاء تتغذى عليه أخواته الإناث، وليس هذا فحسب بل وجود هذه البكتيريا داخل الإناث يشجعها على التكاثر العذري؛ أي اللاجنسي؛ إذ تنمو البويضات دون تلقيح فتنتج أفراداً إناثاً. ولقد اكتشف الباحثون أن هذه البكتيريا ذات علاقة وطيدة بجينات معينة داخل الميتوكندريا بمعنى أنه في النوع الواحد من الحشرات تعيش البكتيريا ضمن مجموعة معينة من إناث هذا النوع التي تحتوي على علامات جينية محددة في المايتوكندريا، هذه الحقيقة جعلت من بعض الباحثين يرجّحون تعاون المايتوكندريا مع هذه البكتيريا ضد الذكورة، فأطلق عليها البعض «قاتل الذكورة المأجور من قبل الميتوكندريا»
العدد 3237 - الإثنين 18 يوليو 2011م الموافق 16 شعبان 1432هـ