العدد 3255 - الجمعة 05 أغسطس 2011م الموافق 05 رمضان 1432هـ

صلالة... عروسٌ يخطب ودَّها السُوَّاح

كتبتُ هذا المقال وأنا أقضي ليلتي الأخيرة في صلالة، عاصمة الجنوب العُماني. كتبتهُ ومن خلفي البحر، يغسل موجه تراب المدينة، كلما لامسَ أطرافها، وكَأنه في غزلٍ عفيف معها. كتبتهُ ورذاذ الخريف النَّدِي يتساقط على رأسي، كأنه نُدَفٌ من الثلج، تنزل من السماء بتموُّج وخُيلاء، حتى تظن أنها تؤدي دوراً مسرحياً مُعَداً له بإتقان. أجواء فوفسورية نادرة، تفرض نفسها في الجنوب العُماني خلال هذه الفترة من كل عام (من يونيو/ حزيران ولغاية شهر سبتمبر/ أيلول)، وسَطَ قيظٍ أحمرٍ لاهِبٍ لا يرحم، يعصف بالخليج من أقصاه إلى أقصاه.

ليس هذا ما يُمايز المدينة فقط، وإنما صنوها الآخر والأهم أيضاً، وهو أهلها الطيبون، الذين أصبحوا كالوشاح الذي تتلفَّع به المدينة فتزداد جمالاً وتألقاً. فهم يتلقَّفون الزائرين والسوّاح، بكثير من دماثة الخلق، وطِيب المجالسة، وحسن المعاشرة والكرم، حتى تحسّ أنك بين أهلِك. أناسٌ ليس بينهم رجل مُعْوزٌ للأخلاق الرفيعة، التي تعكس معدن العُمانيين جميعهم، والذين أصبحنا نحن البحرينيين ندرك فيهم تلك السَّجايا أكثر من أيّ شعب آخر، بسبب التجاور في الديار، والذي كان بيننا وبينهم منذ بداية القرن الماضي، وإلى يومنا هذا.

صلالة مرة أخرى. ما هي هذه المدينة؟ وكيف تكون بهذا الحال المناخي المتميّز خلال هذه الفترة من العام وسط قيظ الخليج القاتل؟ باختصار، فإن صلالة هي العاصمة الإدارية لمحافظة ظفار الواقعة بالجنوب العُماني الملتصق من الشرق بالمنطقة الوسطى، ومن الجنوب الغربي باليمن، ومن الجنوب ببحر العرب، ومن الشمال والشمال الغربي بصحراء الربع الخالي. وهي تأتي (محافظة ظفار) في الترتيب الخامس من حيث عدد السكان بالنسبة للسلطنة.

ما بين شهري يونيو وسبتمبر (كما أسلفت) تهبّ عليها رياح موسميّة توفّر لها درجات حرارة منخفضة تأتيها من الجنوب الآسيوي، وبالتحديد من شبه القارة الهندية. والسبب في ذلك أمر مناخي فريد، ينشأ من التباين الحاد ما بين درجة الحرارة لكل من البحر واليابسة في الأساس. ومع فارق الضغط الجوي فإن الرياح الموسمية الرطبة، تندفع مُطوّقة شبه القارة الهندية، وجنوب غرب الجزيرة العربية، الأمر الذي يُفضي إلى تكوين خريف طارئ. وتهِب الرياح الموسمية عادة في أوقات مُحدّدة على أقاليم مركونة داخل المناطق المدارية، ويُرافق تلك الرياح الموسمية أمطار غزيرة، لذا فهي تكون بهذه الحِلَّة عند كلّ عام وموسم.

عندما تصعد الجبال التي تُسوّر المدينة (جبل سمحان، جبال القرا، وجبل القمر وأتي) تنخفض درجات الحرارة إلى أقلّ من العشرين، ويزداد الضباب والرذاذ. والأكثر، فإن الحشائش الخضراء تنمو بكثرة على سفوح الجبال خلال فصل الخريف، فتراها خضراء داكنة على مدّ البصر، فتحسب أنك في جنة الله بالأرض لجمال وحُسْن منظرها البَدِيع. ترى عجباً آخر في المكان، حين تقِف على شوارع الجبل وطرقاته وقد شُقَّت بعناية فائقة، كأنها شُذّبَت فنُحِّيَ هذا الجبل عن ذاك بمهارة ودقَّة. سألت: هل هذا من عمَل النهضة أيضاً؟ فقيل لي: بالتأكيد نعم. والنهضة تعني في سلطنة عُمان، هي يوم تولي جلالة السلطان قابوس بن سعيد البوسعيدي الحكم في الثالث والعشرين من يوليو/ تموز من العام 1970.

في المساء زرتُ مهرجان صلالة. وهو فعالية تقام سنوياً خلال موسم الخريف ويتضمّن العديد من الأنشطة الإعلامية والفنية والتراثية والرياضية والمعارض التجارية. لقِيت هناك من حفاوة الاستقبال الكثير منهم، رئيس مكتب الإعلام بمحافظة ظفار محمد أحمد الروّاس، وعدد من الإعلاميين المخضرمين، كسالم النجار، ونجيب رجب، وغيرهم من الأخوة الأعزاء. حضرتُ بمعيتهم عدد من الفعاليات هناك، بينها ركناً خاصاً بالوثائق التاريخية التي تتحدث عن تاريخ عُمان، وسياساتها مع الإقليم، وهي التي سأفرِد لها تقريراً خاصاً نظراً لأهميتها وجِدَّتها على الأقل بالنسبة لي كمتابع.

هنا يجب أن أنوِّه إلى شهادة حق أخرى وجدت في ذكرها ضرورة. فخلال اللقاءات المتعددة، وقفتُ على إحدى حقائق النهضة العُمانية التي قادها جلالة السلطان قابوس بن سعيد بجدارة، وهي المرتبطة بالأداء الشخصي للفرد هناك. فالعُمانيون، ورغم أنهم بدأوا مشوار النهضة في مطلع السبعينيات، إلاَّ أنهم استطاعوا أن يُنتجوا لهم جيلاً من المسئولين النابهين والقادرين على مواكبة لحظة التحوُّل للدولة العُمانية، وبقدرات محليّة.

في الدبلوماسية والتي يقودها الوزير المسئول عن الشئون الخارجية يوسف علوي عبدالله، ترى كيف استطاعت هذه الدبلوماسية وفريقها أن تُكثِّر من أصدقاء السلطنة وتقلِّل من أعدائها لدرجة الصفر. سفير سلطنة عُمان لدى مملكة البحرين عبد الله محمد العامري هو مَلمَحٌ ونموذج لتلك الدبلوماسية، وهي بالمناسبة فرصة لأن أشير للرجل بذلك، فهو خير ممثلٍ لعُمان في قدرات مسئوليها، وفي أخلاق شعبها الكريم. نموذج آخر هو ذو صلة بما أقول. ففي ماكنة الإعلام والتي يقودها وزير الإعلام حمد محمد الراشدي، ترى كيف تعمل الآلة الإعلامية على إبراز عُمان، وخريف صلالة ومواكبته وإحاطته وتقديمه للداخل والخارج بحركة حثيثة.

صعدتُ الجبل، وكنتُ على موعدٍ مع التلفزيون العُماني الذي ارتأى القائمون عليه، أن يُثبّتوا لهم مركزاً للبث هناك، وسط المياه والمناظر الخلابة الآسِرَة. استقبلني الزميل العزيز والمذيع المخضرم عامر العمري وفريقه في الإخراج والتنفيذ بحفاوة بالغة. كان موعد اللقاء هو الثانية والنصف ظهراً يُبَث على الهواء مباشرة مع المذيعة المتألقة أميرة البلوشية، على أن يليني (في ضيافة العمري) والي سدح الشيخ عبدالسلام محمد الروّاس، وهو ما حصل فعلاً. ثم أعيد بثّ اللقاء عند الساعة الواحدة وخمس دقائق فجراً. شكرتهم على هذه الحفاوة التي كرّموني بها، ثم انطلقت مع مَنْ تجشَّم عناء المشوار الأخ تركي باحريش نحو أحد المطاعم الشعبية التي توفّر أكلاً من المطبخ العُماني القريب جداً من الأكل الشعبي البحريني.

عندما تزور محافظة ظفار في الجنوب يستولي عليك (إلى جانب الأجواء الخريفية الباردة، وطيب أهلها) عُمق التاريخ الذي ترقد عليه هذه المدينة الذهبية، بل وعُمان كلها. ففي أغلب ولايات المحافظة التسع يتراءى لك وَهَج التاريخ السحيق الضارب في أقدم العصور وأبعدها. في ولاية ثمريت ترى الآثار في نيابة مضي وعين مشديد. وترى في نيابة الشصر، وقد اكتشِفت فيها مدينة وبار التي كانت مركزاً لتجمّع اللبان. وفي ولاية طاقة تنضح أرضها بقلعة غصبار، وعيون دربات وطبرق وأثوم، والأهم من كلّ ذلك مدينة سمهرم التي يعود تاريخها للألف الثالث قبل الميلاد، وعلاقتها بمصر الفرعونية.

وفي ولاية رخيوت ترى الحفريات القديمة في ثيتينتي وكهوف شروت وأخارت وحرتوم. وفي ولاية مقشن ترى نقوش العصر الحجري، وفي المزيونة تتلمس موقع (هانون) وواحة (الشصر) ووادي (انظور) ومحمية وادي (دوكة). وعند زيارتي لمتحف اللبان وقفت على المواقع التي تمّ تسجيلها ضمن محميات التراث العالمي، وهي حسب الخارطة اثنان منها في الشمال، وواحد في الوسط وأربعة معالِم في الجنوب، من أهمها البليد، وخور روري (سمهرم) وشصر ووادي دوكة. (للحديث صلة)

العدد 3255 - الجمعة 05 أغسطس 2011م الموافق 05 رمضان 1432هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان
    • زائر 2 | 7:51 م

      بوحازم الشنفري: مقال جميل

      رائع ما كتبت وتحية عطرة لكم أهلنا في البحرين. أحب أن أنوه فقط حول موسم الخريف، وهو المونسون والذي تتأثر به المناطق الاستوائية شمال خط الاستواء وأسفل مدار السرطان. وتأتي من الغرب باتجاه الشرق على عكس تصور الكثيرين بأنها تأتي من الهند، وتتكون السحب المنخفضة على مسافة كيلومترات قليلة قبالة سواحل ظفار والأقاليم المجاورة في اليمن.

    • زائر 1 | 3:27 ص

      شي طيب

      تستاهل عماتتا فديتهاااااااااا

اقرأ ايضاً