أخبرنا الرئيس جورج بوش مرة بعد أخرى أننا لا نتفاوض مع الإرهابيين، ولكننا نادراً ما نأخذ في الاعتبار عكس ذلك: أن الإرهابيين هم الذين يرفضون التفاوض معنا. الاعتراف باحتمال كهذا يعطي الإرهابيين قوة وبالتالي نوعاً من الشرعية كلاعبين سياسيين. وفي ساحة حيث كلمة «إرهابي» نفسها تحمل في طياتها مضامين سياسية، حتى تحول القوة البلاغية أمراً له أهميته.
بدلاً من الانطلاق في جدل مجرد بشأن تعريف الإرهاب، لنركز على التداعيات الواقعية لتطبيقه، فندرس السياسة التي تحيط بهذه «الكلمات الكبيرة» التي، كما كتب الشاعر جويس تجعل منا غير سعداء إلى هذه الدرجة».
عملية تعريف المشكلة سياسية بمضمونها لأنها تتنازل عن السيطرة. تعريفها يعني اتخاذ موقف، وتحديدها يعني الحكم عليها. من يملك السلطة في تعريف الإرهاب يقوم كذلك بتعريف البدائل وأساليب تحقيق هذه البدائل.
تعريف وزارة الخارجية للإرهاب، «العنف المتعمد القائم على أسباب سياسية، الموجه ضد أهداف غير محاربة من قبل مجموعات دون الوطنية أو عملاء سريين، هدفه عادة التأثير على جمهور ما»، ليس خالياً من العيوب. كما يشير مارك بيرغس «قراءة تتمحور حول الدولة كهذه غربية في توجهها، وسيقوم بتشريحها على الأرجح هؤلاء اللاعبون من خارج الدولة الذين يعتبرون أنفسهم محرومي الحقوق السياسية». بغض النظر عن ذلك، عندما تصم الولايات المتحدة مجموعة ما بالإرهاب فإنها عملياً تستبعد التفاوض معها كخيار سياسي.
ومما لا يثير الدهشة أن أياً من المنظمات الإرهابية الأجنبية وعددها التي حددتها وزارة الخارجية لا تعرف نفسها كذلك. معظمها تبنى أهداف الوحدة الوطنية أو المقاومة أو الدين، ولكن الحوافز المعترف بها لمجموعة ما وأسبابها لا تغير موقفها كمنظمة إرهابية. بالتأكيد، في منتصف ثمانينات القرن الماضي صنفت الولايات المتحدة نيلسون مانديلا والمجلس الوطني الافريقي كإرهابيين لتنظيمه حركة مضادة لنظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا.
وكما كتب مايكل اغناتيف في «الأقل شراً»، فإن المجموعات التي ترى أن قضيتها شرعية تستطيع أن تجد مبرراً أخلاقياً للإرهاب، أي الهجمات العنفية على السكان المدنيين، عن طريق اللجوء إلى النسبية الأخلاقية: «يجب أن يكون للضعيف الحق في أن يحارب حرباً قذرة، وإلا فإن القوي سيربح دائماً»، يشرح اغناتيف «إذا فرضت على الضعيف أن يحارب بأسلوب نظيف فإن الظالم سيربح دائماً». من وجهة النظر هذه فإن الإرهاب لا يبتعد سوى خطوات قليلة عن العصيان المدني.
التمييز بين الإرهابيين ومجموعات المقاومة الشرعية يبقى صعباً سيئ السمعة في الساحة الدولية. لاحظ جهود الأمم المتحدة المستمرة في تعريف التعبير دون تجاهل «الحقوق الشرعية للشعوب تحت الاحتلال في النضال من أجل استقلالها ودفاعاً عن حقها في تقرير المصير».
المزيد من التعقيدات تنشأ أمام الولايات المتحدة عندما تصبح المجموعات التي حددتها على أنها إرهابية مثل المجلس الوطني الإفريقي في جنوب إفريقيا في ثمانينات القرن الماضي، وحزب الله في لبنان وحماس في المناطق الفلسطينية المحتلة، مقبولة كممثلة شرعية من قبل كل من قاعدتها الانتخابية المحلية واللاعبين الدوليين.
نتيجة لمجال نصرها الواسع وظروفها الإقليمية المحددة يعتبر فوز حماس بغالبية المقاعد البرلمانية محفوفاً بالمشكلات وخصوصاً بالنسبة إلى صانعي السياسة الأميركيين. الولايات المتحدة عاملت حماس، التي شكلت كجناح فلسطيني مسلح لجماعة الاخوان المسلمين العام ، كمنظمة إرهابية لمدة تزيد على عقد من الزمان. إلا أن حماس تعتبر نفسها حركة مقاومة إسلامية يشار إلى أعضائها عادة في التقارير الإخبارية العربية على أنهم مناضلون من أجل الحرية وأحياناً شهداء.
هذه التعاريف المتضاربة تشكل أكثر من مشكلة لغوية، فهي تعكس عقوداً من النضال وسفك الدماء والإذلال. التاريخ نفسه يصبغ هذه الكلمات بطبقات من المعاني المتضاربة أحياناً، وليس هناك من سبب للاعتقاد بأن حلاً مقبولاً لدى الجميع على وشك الوصول إليه في أي وقت قريب.
إلا أن امتصاص حماس إلى البرلمان سيفرض تغييرات جذرية في توجهها الاستراتيجي وبالتالي في طرحها. يتوجب على حماس، التي تتبوأ للمرة الأولى مهمة رسمية، أن تصل إلى حلول وسط وإلا فإنها تغامر بعزل سياسي واقتصادي. إدارة الرئيس بوش لها الحق في أن تتساءل كيف ستتمكن حماس من الحكم عندما ترفض الاعتراف بـ «إسرائيل» وتصرح في بيانها الأساسي بأنه «لا يوجد حل للقضية الفلسطينية سوى الجهاد». ولكن في الوقت نفسه فإن سجل حماس من الانتصارات الانتخابية الشرعية يشكل تحدياً جاداً لرؤية الغرب لها كمجموعة إرهابية.
على المستوى الأكثر أساسية، تعتبر الولايات المتحدة والمناطق الفلسطينية ديمقراطيات غير كاملة، تتمتع كل منهما بسلطة تم الحصول عليها شرعياً، ولكن تناضل كل منهما الآن لجسر الهوة بين مبادئها وتصرفاتها، بين كلماتها وأفعالها. فالقوة لا يتم تحقيقها، بحسب كلمات هانا ارنيدت المختارة بكمال ودقة، إلا «عندما لا تكون الكلمة والعمل قد افترقا، حيث لا تكون الكلمات جوفاء فارغة، والأعمال لا تستخدم للمخالفة والتدمير وإنما لإنشاء العلاقات وإيجاد وقائع جديدة».
لا حماس ولا الإدارة الأميركية نجحت في تصحيح الروابط المتداعية بين فلسفاتها العامة وسياساتها الفعلية. معظم الأميركيين يعرفون حماس بأنها منظمة إرهابية ولا تستطيع حتى تصور إعطاء أفرادها الشرعية كممثلين دوليين. الكثيرون في العالم العربي يرون الولايات المتحدة منافقةً على أعلى المستويات، رسولة ذاتية التعيين أو التكليف للحرية، مسئولة عن مقتل آلاف العراقيين الأبرياء، وقوة عظمى تدعي النزعة إلى عمل الخير ولكنها تجيز التعذيب.
مستقبل العلاقات الأميركية الفلسطينية يعتمد على عدد من المتغيرات، بما فيها أداء حماس وعلاقة البرلمان مع الرئيس عباس، ودور فتح المستقبلي في الساحة السياسية، وموقف حماس إزاء استخدام القوة ضد المدنيين وسياسة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط على المستوى الأوسع ونتيجة الانتخابات الإسرائيلية. يبدو أن قدر حماس هو البقاء على قائمة وزارة الخارجية الأميركية للإرهابيين في المستقبل المرئي. ولكن مع اقتراب عدد كبير من التحديات الحقيقية، لا يستطيع صانعو السياسة بعد الآن الاعتماد على الأمور المجردة التي لا تفعل شيئاً سوى حجب خياراتهم وتقييدها. من السهل جداً على الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين ترك فلسطين تلج في فقدان أمل وفقر عميقين من خلال وصمها بالإرهاب. ومن السهل بالمثل على حماس أن تحكم قبضتها على السلطة من خلال السماح لأميركا وحلفائها الأوروبيين أن يفعلوا ذلك، إذ إن خطوة كهذه ستعزز شرعيتها بشكل إضافي كمدافع وحيد عن الشعب الفلسطيني. خطوة كهذه لن تضمن الدولة للفلسطينيين ولا تعزز أمن «إسرائيل»، ولن تعطي دفعة كذلك لشرعية ضغط الولايات المتحدة باتجاه نشر الديمقراطية في الشرق الأوسط. الحلول الوسط، والعودة إلى مفاوضات ليست فقط فرصة للبلاغة، ليست هي الحل الأفضل فحسب، بل هي الآن الحل الوحيد والسبيل الوحيد قدماً.
كاتبة أميركية، والمقال ينشر بالتعاون مع خدمة «كومن غراوند
العدد 1386 - الخميس 22 يونيو 2006م الموافق 25 جمادى الأولى 1427هـ