وصفت صحيفة «إنترناشيونال بيزينيس ديلي» الصينية المعنية بالشئون الاقتصادية أسعار النفط الخام في الأسواق العالمية بأنها تبدو كالطيارة الورقية وقد انقطع خيط التحكم بها، بحيث قفزت من دولارا للبرميل العام لتصل إلى سبعين دولارا هذه الأيام، الأمر الذي أثار زوبعة من الأقاويل والتكهنات ذهب بعضها الى حد اختلاق وتلفيق الأباطيل وكيل الاتهامات الى الصين وتحميلها كامل المسئولية عن ذلك بسبب الطلب غير الاعتيادي للنفط الخام لتلبية حاجيات مسيرة نموها الاقتصادي سريعة الخطى.
وفي محاولة لدحض تلك الاتهامات... قدمت الصحيفة في تقرير نشرته أمس (الخميس) الأسباب الحقيقية وراء «غليان» أسعار النفط في الأسواق العالمية وطالبت كل «موضوعي ومحايد» بالتمعن فيها بتأن وتجرد، وهي:
أولا: عامل العرض. اذ ان تحديد سعر أي سلعة كانت يخضع من حيث الأساس الى عاملين رئيسيين هما العرض والطلب ودائما ما يكون عامل العرض هو العامل الأقوى، ففي الوقت الراهن هناك عجز في القدرة الانتاجية الاضافية (الفائضة) للنفط العالمي وخصوصاً ان قدرة منظمة الدول المصدرة للنفط (الاوبك) على تكييف وتعديل أسعار النفط قد انخفضت بشكل ملحوظ، وقد ارتفع معدل استغلال الطاقة الانتاجية للمنظمة الى في المئة تقريبا هذه الأيام بعد أن كان في المئة العام وهو ما أسهم إلى حد خطير في تقليص قدرة المنظمة على ضبط أسعار النفط العالمي من خلال زيادة طاقتها الانتاجية.
إضافة الى ذلك هناك العجز الكبير في طاقة التكرير الذي يعود سببه الى نقص الاستثمار في هذا القطاع كما وأن مصانع التكرير الجديدة بحاجة الى وقت من الزمن لتشغيلها.
ثانيا، عامل الطلب: ان النمو السريع للاقتصاد العالمي في السنوات الاخيرة لازمه تزايد الطلب على النفط، ولكن الصين ليست أكبر الدول المستوردة للنفط وإنما الولايات المتحدة تحديدا هي أكبر الدول المستوردة للنفط في العالم، وما لا يمكن إنكاره هو أن الصين احدى الدول المهمة المستهلكة للنفط في العالم إلا أنه بحساب حجم الاستهلاك على أساس معدل استهلاك الفرد يتضح أن استهلاك الصين من النفط منخفضا نسبيا وبلغة الأرقام تشير بيانات وزارة التجارة الصينية الى أن حجم استيراد الصين - التي يبلغ تعدادها السكاني , مليار نسمة - من النفط بلغ مليون طن العام ، بينما استوردت كوريا الجنوبية تعدادها السكاني مليون نسمة، في العام نفسه مليون طن واستوردت اليابان - 031 مليون نسمة - 062 مليون طن؛ أما الولايات المتحدة - 082 مليون نسمة - فقد وصل حجم استيرادها مليون طن من النفط في العام نفسه.
ثالثا: تأثير صدمات رؤوس الأموال الدولية غير الموظفة (المعطلة) وفي مقدمتها صناديق النقد... إذ أظهرت إحصاءات وزارة التجارة الصينية أن صندوق من صناديق النقد كانت قد وظفت العام الماضي مبلغا قدره مليار دولار أميركي للمزايدة على أسعار النفط تحت مسميات ويافطات مختلفة، ولاشك في أن مشاركة صناديق النقد في الارتفاع الأخير لأسعار النفط قد فاقت اضطرابات الأسواق النفطية.
رابعا، تفاقم الاضطرابات الجيوسياسية، وفي هذا الصدد ركزت الصحيفة الصينية على القضية النووية الإيرانية باعتبار أن إيران من الدول الكبرى المنتجة للنفط في العالم، لكن الجدل المحتدم حول قضيتها النووية الإيرانية وغياب أي بوادر إيجابية للحل حتى اليوم مع استمرار تذبذب التكهنات بشأن إمكانات الحرب أو السلام هناك قد فجر موجات هوجاء من ارتفاع وهبوط هوجاء في الاسعار الدولية للنفط معززة في ذلك بمجمل الأوضاع المضطربة في منطقة الشرق الأوسط وافريقيا وخصوصاً أن البؤر الساخنة تحدث في الدول المنتجة للنفط (العراق والسودان ونيجيريا).
خامسا، حماية الولايات المتحدة - أكبر دول العالم استهلاكا للنفط - لمواردها النفطية المحلية إذ تنتهج ومنذ سنوات طوال سياسة الحد من استخراج مواردها النفطية وتعتمد عوضا عن ذلك على استيراد اكبر كمية ممكنة من النفط العالمي وتفيد الاحصاءات بأن الاحتياطي العالمي المؤكد من النفط العالمي يبلغ حاليا مليار طن فقط، ويبلغ إجمالي النفط المستخرج في العالم كله , مليارات طن سنويا أي أنه في حال عدم اكتشاف احتياطي نفطي جديد فان البشرية ستفقد مادة النفط بعد سنة من الان.
وانطلاقا من تفكيرها بعيد المدى للتنمية الاقتصادية المحلية، وفي الوقت الذي يعاني منه العالم من شح الموارد النفطية، راحت الولايات المتحدة الأميركية تنتهج سياسة التقليل من الانتاج والاكثار من الاستيراد وهي سياسة من شأنها تحفيز وإثارة ارتفاع الأسعار العالمية للنفط.
صحيفة صينية ترصد ستة عوامل وراء ارتفاع، اضافة ثالثة واخيرة.
سادسا: مازالت استثمارات الدول المنتجة للنفط في القطاع النفطي بعيدة عن المستوى المطلوب، فوفقا لتقديرات الخبراء لا يمكن تغطية الحاجة المتزايدة للنفط خلال السنوات العشر المقبلة إلا إذا بلغ حجم الاستثمارات في القطاع النفطي نحو مليار دولار أميركي، وبالمقارنة يتضح أن حجم الاستثمارات الفعلية للدول المنتجة للنفط ضئيلة جدا «كمن يحاول إخماد النار في عربة قش بكوب من الماء».
وقالت صحيفة «إنترناشيونال بيزينيس ديلي» إنه في عالم النفط هناك خمس دول منتجة ذات نفوذ وثقل واسعيين هي «المملكة العربية السعودية وإيران والعراق وروسيا وفنزويلا، لكن معدل الزيادة السنوية لكمية النفط المنتج في السعودية يتراوح في الوقت الحاضر ما بين في المئة - 3 في المئة فقط بعد ان كان في تسعينات القرن الماضي يتراوح ما بين في المئة - 01 في المئة، كما أن حجم الانتاج السنوي للنفط في إيران ظل محافظا على المستوى نفسه، بينما انخفض معدل الانتاج السنوي في كل من العراق و فنزويلا... وإذا أرادت هذه الدول الخمس رفع قدراتها الفعلية للانتاج... فلابد من توفير بيئة دولية آمنه ومستقرة وصحية، كما لابد لحكوماتها أن تعيد استثمار عائداتها النفطية في المشروعات النفطية والتي لا ينتظر أن تبدأ إنتاجها قبل فترة تتراوح بين الى سنوات.
وذكرت الصحيفة أن إجمالي حجم الانتاج النفطي الصيني قد وصل الى مليون طن العام ، وأن الحجم التراكمي للاحتياطي النفطي الصيني المؤكد يصل الى , مليارات طن... ومع افتراض أن الصين لم تجد اكتشافات نفطية جديدة، فان احتياطيها النفطي سينضب بعد ثلاثين سنة من الآن إذا استمرت عملية الاستخراج بالسرعة التي تسير عليها اليوم.
واختتمت الصحيفة باقتباس مثل صيني مأثور يقول «يتعين ترميم البيت قبل هطول الأمطار» مشددة على أن المهمة الكبرى الملقاة حاليا على عاتق دول العالم هي استكشاف وتطوير واستغلال أنواع جديدة من الطاقة كالطاقة الشمسية والطاقة الهوائية والطاقة النووية وغيرها بهدف تجنب العواقب المستقبلية الوخيمة التي قد تنجم عن نضوب وجفاف الموارد النفطية خلال السنوات القليلة المقبلة
العدد 1393 - الخميس 29 يونيو 2006م الموافق 02 جمادى الآخرة 1427هـ