لا يحب الألمان الحديث عادة عن ماضيهم، إذ ليس في فترات التاريخ بالنسبة إليهم أبشع من الماضي الألماني وتحديدا الحقبة النازية التي قيدت ألمانيا وحملتها مسئولية نتائج الحرب العالمية الثانية واضطهاد اليهود الذي أدى بدوره إلى اضطهاد الفلسطينيين وتشريدهم من بلدهم على رغم أن الساسة الألمان لا يحبون أن يعترفوا بهذه الحقيقة التاريخية.
كرة القدم لم تسلم من ذكرها في السجل الأسود للحقبة النازية. أجرت كثير من مؤسسات الدولة مراجعة لماضيها، كذلك فعل حديثا الاتحاد الألماني لكرة القدم (دي إف بي) بعد مرور 65 سنة على سقوط النازية. صدرت دراسة تحت عنوان «كرة القدم في ظل الصليب المعقوف» أعدها خبير التاريخ نيلس هافيمان بصورة كتاب يقع في 473 صفحة.
قال ها فيمان عند تقديمه الكتاب في مؤتمر صحافي عقده في برلين: «تركت المصادر التاريخية وحدها تقودني إلى الحقيقة». قام المؤلف بجمع كل ما يزخر به الكتاب من معلومات من 40 أرشيفاً داخل ألمانيا وخارجها. كما قام بتحليل المعلومات التي تحتوي على ما وجده من وثائق وفي ضوء ذلك توصل إلى نتائج مثيرة مهولة.
على رغم تبني عدد قليل من أعضاء الاتحاد الألماني لكرة القدم إيديولوجية النازية إبان حكم هتلر، فإن الكثير منهم ساهموا بشكل مباشر أو بآخر في الترويج للحكم النازي، بسبب الإهمال أو الجهل المتعمد أو الانتهازية المطلقة أو انطلاقا من دوافع شخصية. هكذا حمل المسئولون في الاتحاد أنفسهم تهمة التواطؤ مع الحكم النازي، وبالتالي كما يقول هافيمان في كتابه، ذنب تجاه ما حصل لليهود.
يشير الكتاب إلى دور مدرب ألمانيا السابق لكرة القدم المتنازع على دوره خلال الحقبة النازية، سيب هيربيرغر، الذي خلد الألمان اسمه لأنه قاد منتخب ألمانيا لكرة القدم إلى الفوز في العام 1954 ببطولة العالم التي جرت تصفياتها النهائية في سويسرا. وكانت هذه أول مرة تشارك بها ألمانيا بعد أن كان الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) أقصاها خلال الحقبة النازية عن المشاركة في بطولات كأس العالم.
يتحدث هافيمان في كتابه عن دور أوتو نيرتس الذي شغل منصب مدرب المنتخب الألماني قبل مجيء هيربيرغر. وكان نيرتس من أشد مؤيدي النازية وعرف عنه تصريحاته المعادية للسامية. بعد أن خلفه هيربيرغر لم يتغير الحال كثيرا بحسب رأي هافيمان الذي كتب يقول: «صحيح أن هيربيرغر لم يتبن إيديولوجية النازية ولكنه قدم عن طيبة خاطر خدماته إليهما».
يذكر أن هيربيرغر ظل يشغل منصبه حتى العام 1964. علق الرئيس الحالي للاتحاد الألماني لكرة القدم تيو تسفانتسيغر على المعلومات الجديدة وقال: « مع الأسف الشديد لم يكن في الاتحاد إبان الحقبة النازية مناهضة نموذجية للنازية وكان بالوسع استغلال الفرصة وحث الجماهير على مناهضة النازيين من خلال رياضة كرة القدم التي تتمتع بشعبية واسعة جدا في أوساط المجتمع الألماني».
الملفت للنظر أن الكتاب يعد أخيرا شهادة إدانة ضد هيربيرغر الذي خلده عشاق الكرة في ألمانيا لأنه حقق معجزة مع الفريق الذي قاده إلى نهائيات كأس العالم في سويسرا العام 1954 وفاز معه لأول مرة ببطولة العالم حين لعب في المباراة الختامية أمام فريق العمالقة المجر، بوشكاش ورفاقه وضد جميع التوقعات فاز الألمان بنتيجة 2/3. وعرضت دور السينما الألمانية في العام الماضي فيلما عن معجزة بيرن لم يتطرق أيضا إلى ماضي هيربيرغر المثير للجدل. إنه الفوز الذي أعاد إلى الألمان الثقة بأنفسهم بعد نهوض بلدهم من ركام الحرب العالمية الثانية وشرعت في تحقيق ما وصف بالمعجزة الاقتصادية التي جعلتها لاحقا أقوى قوة اقتصادية في أوروبا وثالث أكبر قوة اقتصادية في العالم.
غير أن المؤرخين ظلوا يتجادلون بشأن ماضي صانع معجزة بيرن الذي يظهر في الفيلم الذي حقق رواجا كبيرا، كمدرب لا يفكر إلا كرة القدم وكيف سيفوز مع فريقه بكأس العالم. الآن يعرف الرأي العام الألماني أن هيربيرغر لم يبدأ حياته الرياضية الناجحة في العام 1945، أي بعد استسلام ألمانيا النازية وإنما قبل ذلك بزمن بعيد، إذ انتسب إلى الحزب النازي بعد أشهر قليلة من تسلم هتلر السلطة في برلين في العام 1933 وعين في العام 1937 مدربا للمنتخب الألماني لكرة القدم.
وقال نيلس هافيمان خصوصا: «لم يصدر عنه شيء يوحي أنه كان نشطا في الحزب لكنه لم يفعل ما يشير إلى مناهضته النازية». وكشف مؤلف أول كتاب عن ماضي الاتحاد الألماني لكرة القدم خلال الحقبة النازية عن مشاركة هيربيرغر في العام 1941 بتصوير فيلم دعائي للعهد النازي يحمل عنوان: «المباراة الكبيرة».
وقال وزير الداخلية الألماني أوتو شيلي الذي ينتمي إلى الحزب الاشتراكي الديمقراطي والذي يقوم بمهمات وزير الرياضة في أول تعقيب عما سمعه من معلومات جديدة عن صانع معجزة بيرن: «مع الأسف الشديد، بدأ الظلال يغيب عن سيب هيربيرغر». شارك شيلي في المؤتمر الصحافي الذي عقده مؤلف الكتاب وقال ردا على سؤال: «إن هيربيرغر ترك نفسه يتحول إلى لعبة سهلة بأيدي النازيين الذين استغلوه لخدمة أهدافهم وألصقوا به العار».
يذكر أن فكرة إعداد كتاب يتناول ماضي الاتحاد الألماني لكرة القدم صدرت عن الاتحاد نفسه الذي رغب في توضيح الماضي بسبب الطلبات الملحة لكشف ماضيه. قام الاتحاد على الاثر بتكليف نيلس هافيمان لإعداد دراسة تحولت إلى كتاب وتوصل الباحث من خلال الوثائق التي جمعها إلى إدانة هيربيرغر لتعاونه مع النازيين ولكنه أوضح أيضا أن صانع معجزة بيرن كغيره من الإداريين في الاتحاد الألماني لكرة القدم إبان الحقبة النازية، لم يكون نشطا وربما لم يؤمن بإيديولوجية النازية لكن هذا لم يكن واضحا في سيرة حياته. وكان هيربيرغر توفي في العام 1977 عن عمر ناهز 80 عاما.
قال تسفانتسيغر: «بالتأكيد لم يكن المسئولون في الاتحاد وقتذاك رموز مقاومة للعهد النازي وأضاعوا على أنفسهم فرصة تاريخية لتشكيل معارضة شعبية واسعة من خلال الجماهير العريضة. يرى المراقبون في خطوة توضيح دور الاتحاد الألماني لكرة القدم إبان الحقبة النازية رغبة الاتحاد في الرد على المؤرخين الذين يطعنون في الاتحاد كلما تم فتح ملف الماضي الألماني تمهيدا للترويج لسمعة ألمانيا الجديدة عند استضافة بطولة كأس العالم في الصيف المقبل». هذا ما أيده أيضا وزير الداخلية شيلي الذي قال: «إن الكتاب يتضمن إجابات عن أسئلة من شأنها أن تصدر عن زوار البطولة العالمية»، وأضاف «أتصور أن الكثير من ضيوفنا سيسألون عما حصل في الفترة بين العام 1933 والعام 1945 والكتاب مساهمة قيمة يساعدهم على الحصول على ما يطلبون معرفته».
كرد فعل على التوضيحات الجديدة بشأن ماضي الاتحاد، أصبحت هناك جائزة تقدير تحمل اسم لاعب سابق في المنتخب الألماني لكرة القدم يدعى يوليوس هيرش الذي قتل على أيدي النازيين في معسكر الاعتقال في أوشفيتز. قال رئيس الاتحاد تسفانتسيغر: «نسعى من وراء هذه الجائزة التي تخلد هذا اللاعب اليهودي الذي كان يلعب في صفوف فريق كارلسروهه، إلى الإعراب عن تمسكنا بالديمقراطية وبالقيم والمبادئ التي يقوم عليها مجتمعنا العصري، كما أننا سنسعى إلى استغلال دورنا داخل المجتمع في الدعوة إلى الحرية والتسامح والإنسانية».
سيكون فريق بايرن ميونيخ لكرة القدم أول طرف يحصل على جائزة يوليوس هيرش تكريما لدور الفريق البافاري في الدعوة إلى مناهضة العنصرية. وقال إداريون في مقر الاتحاد بمدينة فرانكفورت: «إن لبايرن ميونيخ تاريخ عريق في مكافحة العنصرية والدعوة إلى التسامح، الأمر الذي تجلى حديثا في تمويله لقاء كرة القدم على ملعبه الجديد بين لاعبين ناشئين ينتمون إلى نادي بايرن ميونيخ وفريق يضم لاعبين ناشئين فلسطينيين وإسرائيليين»
العدد 1337 - الخميس 04 مايو 2006م الموافق 05 ربيع الثاني 1427هـ