«العالم ضيف على أصدقاء» هذا هو الشعار الألماني لبطولة كأس العالم بكرة القدم التي تستضيفها ألمانيا في الفترة من 9 يونيو/ حزيران حتى 9 يوليو/ تموز. غير أن سمعة الألمان ليست حسنة عند كثيرين مع قرب موعد بدء هذه المناسبة الرياضية التي ستخطف الأضواء العالمية مدة شهر كامل، تحذر كتب الدليل السياحية الصادرة باللغة الإنجليزية القراء من خطر النازيين الجدد وذوي الرؤوس الحليقة بينما تدعو وزارة الخارجية الأميركية رعاياها إلى إتباع الحذر.
غير أن كتاب (المرشد) الذي أعده قسم الترجمة في سفارة ألمانيا في الرياض تجنب التطرق إلى هذه القضية وتجاهل كليا الخطر الذي يشكله النازيون الجدد وتؤكده الأرقام والإحصاءات التي أفرج عنها مكتب الجنايات الفيدرالي. وكان وزير الداخلية في حكومة ولاية سكسونيا السفلى «عاصمتها هانوفر» أوفه شونمان قد ذكر أن عدد الاعتداءات التي لها صفة عنصرية بلغ خلال العام 2005 الماضي 958 اعتداء وكان قبل عام سبق قد بلغ 776 اعتداء ما يعني زيادة نسبتها 23 في المئة، وبلغ عدد الاعتداءات بالضرب لأسباب عنصرية 816 في العام 2005 مقابل 640 في العام 2004، كما زاد عدد النازيين الجدد في أنحاء ألمانيا الذين هم على استعداد للقيام بأعمال عنف من 3800 في العام 2004 إلى 4100 في 2005. أما أمثالهم غير المنظمين فيصل عددهم وفقا لبيانات السلطات المختصة إلى أكثر من عشرة آلاف شخص. وهكذا فإن عدد النازيين الجدد بالكامل في ألمانيا يزيد عن 39 ألف شخص. من أهم أسباب هذه الزيادة رواج المنشورات الدعائية وحفلات الموسيقى الصاخبة التي تعتبر ملتقى المتطرفين الألمان ففي العام الماضي نظمت 195 حفلة مقابل 58 في العام 2004.
وكانت قضية الاعتداء على مهندس ألماني من أصل أثيوبي في مدينة بوتسدام بألمانيا الشرقية السابقة قد سلطت الأضواء من جديد على خطر هذه الفئة من الشعب الألماني وقدم الدليل مرة جديدة على أن خطر تعرض مواطنين أجانب لاعتداءات عنصرية على أرض ألمانيا الشرقية السابقة أكبر منه في الشطر الغربي، وتعتبر ولاية براندنبورغ القريبة من برلين الأخطر على حياة المواطنين الأجانب. ويعتقد البعض أن من أبرز أسباب انتشار مشاعر الكراهية ضد الأجانب في أوساط الألمان الشرقيين، شعورهم بالإحباط بعد نهاية دولتهم السابقة وخسارة الكثير منهم وظيفة العمل وتبني الدعايات التي تروجها التنظيمات اليمينية المتطرفة التي تسعى إلى الفوز بأصواتهم في العمليات الانتخابية ولا تملك وصفات ناجعة لحل مشكلاتهم. لذلك يحاول هؤلاء الانتقام من الأجانب الذين هم كبش فداء على الدوام.
وكانت الحكومة الألمانية قد أعلنت عقب الاعتداء على المهندس الألماني من أصل أثيوبي خطة جديدة لمكافحة اليمين المتطرف، وقالت انها ستخصص 19 مليون يورو للقيام بإجراءات في هذا الصدد. لكن رئيس مجلس إفريقيا في برلين مختار كامارا الذي ينضوي تحت مظلته 25 اتحاداً إفريقياً في برلين وولاية براندنبورغ يشعر بغضب شديد وقال: «أظهر الاعتداء الذي وقع في مدينة بوتسدام أن الحكومة الألمانية فشلت حتى اليوم في وضع إجراءات دائمة كفيلة في مواجهة العنف العنصري ضد الأجانب». وكشف كامارا الذي يترأس هذا الاتحاد منذ عشرة أعوام عن أنه بدأ العمل بحملة مستقلة لمواجهة الاعتداءات العنصرية. فقد أعد اتحاد إفريقيا قائمة بأسماء المناطق التي ينبغي على المواطنين الأجانب، الأفارقة على وجه الخصوص، الاقتراب منها بسبب الخطر الكبير الذي يحدق بالأشخاص الملونين بصورة خاصة. كما تتضمن القائمة عدد من محطات الحافلات وحانات ومراقص وأحياء كاملة في عدداً من المدن وذلك في برلين وبراندنبورج وزاكسن أنهالت وسيتم إعداد قائمة كاملة لاحقا لعموم ألمانيا.
وقال كامارا: «نحن نعرف هذه الأماكن بفعل تجاربنا الخاصة ونحصل باستمرار على معلومات من مواطنين أفارقة تعرضوا للإهانة أو الضرب عند وجودهم في هذه الأماكن». فنسبة 80 في المئة من ضحايا الحقد الأعمى لا يجرأون على التقدم بشكوى للشرطة لشعورهم أن بعض أعضاء الشرطة يتعاطفون في هذه المناطق مع النازيين الجدد، لكن اتحاد إفريقيا يقوم بتسجيل المعلومات التي يحصل عليها ليجري توثيقها. حتى اليوم لم يقرر كامارا بعد ما إذا سيقوم بنشر هذه القائمة ليجري توزيعها على الأجانب وزوار ألمانيا هذا الصيف وقال: «إذا لم تقم الحكومة الألمانية أو البرلمان المحلي لولاية برلين بإجراء فعال لحصر خطر النازيين الجدد فإننا سنكشف عن القائمة ونطبعها للتوزيع قبل بدء مباريات بطولة العالم لكرة القدم منعاً لتعرض حياة مشجعي الفرق الإفريقية المشاركة في البطولة إلى الخطر». وتريد ألمانيا اغتنام فرصة استضافة بطولة العالم لكرة القدم للترويج لسمعتها كبلد جذاب للسياح ولهذا تم اختيار شعار البطولة «العالم ضيف على أصدقاء» لكن في الوقت نفسه يريد النازيون الجدد الألمان اغتنام الفرصة لاجتذاب انتباه وسائل الإعلام العالمية. فقد ذكروا أنهم سينظمون مسيرات أمام بوابة براندنبورج المواجهة لمقر البرلمان الذي كان مقر الرايخ حتى نهاية الحرب العالمية الثانية. في الوقت نفسه تشعر الجالية الإفريقية في برلين بصفة خاصة بخيبة أمل كبيرة من الحكومة الاتحادية وحكومات الولايات لعدم توافر سياسة فعالة لوقف الاعتداءات العنصرية التي تزداد من عام إلى آخر. وقال كامارا: نطالب منذ سنوات بأن يجري وقف الهجمات على الأشخاص بسبب لون البشرة وأن يجري العمل بسياسة رادعة، لكننا نشعر أن أحدا هنا لا يأخذ هذا الخطر على محمل الجد. المشروع المحبب لكامارا وزملائه في اتحاد إفريقيا في برلين هو مبادرة تحذر المواطنين الملونين والعرب والأتراك أيضا من الاقتراب من الأماكن الخطرة. ويحمل المشروع اسم خُ -اُ ءْمف ابتعد عن الأماكن التي توردها القائمة السوداء. من أبرز هذه المناطق ضاحية كوبنيك في برلين إذ يقع المقر الرئيسي للحزب القومي الألماني اليميني المتطرف أن بي دي. كذلك بعض أحياء ضاحية برلين بانكوف. وولاية براندنبورج «عاصمتها بوتسدام» ومدينة ماجدبورج عاصمة ولاية زاكسن أنهالت. كما هناك أسماء أحياء ومناطق تقع في غرب البلاد. وفقا لبيانات اتحاد إفريقيا يعيش في برلين نحو 18 ألف إفريقي إضافة إلى ألف إفريقي يعيشون في ولاية براندنبورغ. وسيزيد عدد أصحاب الوجوه السمراء في ألمانيا هذا الصيف حين يبدأ مشجعو المنتخبات الإفريقية بالوصول إلى البلد المضيف لبطولة العالم لكرة القدم والتي تشارك فيها خمس منتخبات إفريقية هي: تونس وساحل العاج وتوغو والكونغو وغانا. كما هناك لاعبون ملونون في منتخبات أخرى لاسيما البرازيل وفرنسا ولاعبون ملونون في المنتخب الألماني. وهدد كامارا بتوزيع القائمة على المشجعين الأفارقة لكن هذه الفكرة تعرضت لانتقاد شديد من بعض السياسيين الألمان. وقال وزير الداخلية في حكومة ولاية برلين إرهارت كورتينج ان توزيع القائمة سيعكر الأجواء. وقال عضو البرلمان خبير السياسة الداخلية في الحزب المسيحي الديمقراطي فرانك هنكل الذي تتزعمه المستشارة أنجيلا ميركل إنها خطوة تقود إلى نشر الخوف. وجرت العادة أن يتستر السياسيون الألمان على خطر اليمين المتطرف في بلدهم. وقد أثار وزير الداخلية الاتحادي فولفجانج شويبلي حفيظة الكثيرين بعد الاعتداء الذي استهدف المهندس الألماني من أصل أثيوبي في بوتسدام حين قال بعد ساعات على وقوع الجريمة انه يستبعد أن يكون للاعتداء صفة عنصرية. كما أيده بذلك وزير الداخلية في ولاية براندنبورغ الجنرال السابق شونبوم الذي تهجم على المدعي العام الفيدرالي لقراره تبني التحقيق في هذا الاعتداء وتصريحه بأن كل المعلومات المتوافرة تشير إلى وقوع جريمة عنصرية جديدة. لكن التحذير من خطر اليمين المتطرف ليس مقتصرا على الأفارقة والعرب والأتراك. ففي الدليل السياحي الإنجليزي الأسترالي عن ألمانيا جَُمٌٌّ ذٌفَمُّ أي الكوكب الوحيد يقرأ المرء: ألمانيا بلد آمن ثم يصل إلى جملة تقول: «هناك علاقة مضطربة بين المهاجرين وفئات معينة من الشعب الألماني وخصوصاً منذ استعادة ألمانيا وحدة شقيها في العام 1990. وأدت هذه العلاقة المضطربة لوقوع اعتداءات عنصرية يزيد عددها باستمرار. ويحذر الدليل السياحي المذكور من خطر ذوي الرؤوس الحليقة ويقول ان الغضب يستبد بهم لمجرد رؤيتهم مواطنين أجانب. ويشير دليل آخر بالانجليزية زُِّهو اِّىلم إلى خطر التجوال ليلاً وخصوصاً في مناطق الشطر الشرقي مثل ضاحيتي ليشتنبيرج ومارزان ويتحدث عن خطر حقيقي يشكله النازيون الجدد في هذه المناطق. كما يحذر دليل السياحة الذي تصدره صحيفة (إندبندنت) البريطانية من خطر اليمين المتطرف في الشطر الشرقي من برلين خاصة إذا كنت مثليا أو لا تشبه ملامحك ملامح الألمان. وتشير كتب سياحية عن ألمانيا في الولايات المتحدة إلى المخاطر نفسها. وثارت حفيظة برلين لأن وزارة الخارجية الأميركية نشرت هذه التحذيرات على موقعها الإلكتروني. ألمانيا نفسها تقر بهذه المشكلة لذلك يجرى منذ وقت تعليم عشرة آلاف من العاملين بالقطارات والفنادق وسائقي سيارات الاجرة وقطاعات خدمات أخرى لهدف التعامل بلطف مع زوار بطولة العالم لكرة القدم ومراعاة العادات والتقاليد في البلدان المشاركة بهذه البطولة. لكن لا أحد يضمن أن برنامج تعليم احترام الآخرين يكفي كي يزور ضيوف بطولة العالم أحياء موجودة على القائمة السوداء من دون أن يحدق بهم خطر النازيين الجدد وذوي الرؤوس الحل
العدد 1362 - الإثنين 29 مايو 2006م الموافق 01 جمادى الأولى 1427هـ