من أقدم الصراعات المعروفة بين النساء وأكثرها انتشاراً في عديد من الثقافات هو صراع الحماة والكنة، والحماة هي أم الزوج والتي تسمى في دول الخليج العربي بصورة عامة «العمة»، أما الحماة عند العامة في البحرين فهي أخت الزوج، وأما الكنة فهي زوجة الابن.
يجب أن نلاحظ أن الصراع هنا ليس بين امرأة وأخرى بل بين الدور الذي تلعبه كل امرأة، فالمرأة أول ما تتزوج تصبح كنة، هذه الكنة لها نظرة خاصة لحماتها وللحياة عموماً، ولكن هذه المرأة نفسها ربما، في المستقبل، تصبح أماً وبعدها تصبح حماة، ومن الأمثال الشعبية المتداولة في أقطار من الدول العربية «يا حماة ما كنت كنة!»، ويأتي هذا المثل بصورة أخرى، «قالوا للحماة ما كنت كنة؟ قالت: كنت ونسيت»، فمن الواضح أن تراكم الخبرات عند المرأة يجعلها تُبرمَج بطريقة معينة بحيث عندما تتحول من كنة إلى حماة يكون حدث عندها تحول في المفاهيم وبذلك يتغير منظورها للآخر، تقول أروى عبده عثمان: «الحماة في التراث الشعبي اليمني» (عثمان 2000): «إنها (أي الحماة) امرأة ليست كأي امرأة، فأدوارها المعقدة، والمتشابكة تتعدد من واقع خبراتها الحياتية. ومن التراكم الثقافي والمعرفي الذي يشكل مجموعة المشاعر النفسية والاجتماعية في الوعي واللاوعي. والعمة كانسان (...) لا توجد إلا مع الآخر، والآخر هنا هو زوجة الابن أو ما تسمى بـــ (الكنة) ويمتد هذا الآخر ليشمل أولاد الابن أيضاً».
الحماة والكنة في التراث العربي
على رغم قلة الشواهد على الصراع بين الحماة والكنة إلا أن ما تم توثيقه يُظهر بوضوح ذلك الصراع، وقد خصص أحمد قبش في كتابه الذي جمع فيه حكماً وأمثالاً من كتب التراث العربي باباً في وصف العلاقة بين الحماة والكنة وجاء فيه المثل العربي:
إن الحماة أولعت بالكنة
وأولعت كنتها بالظنة
وجاء فيه أيضاً الشعر المشهور لأبي نجم الذي أوصى فيه بناته الثلاث، ويتعرض أبو النجم في شعره لكيفية معاملة الحما، ومن وصاياه لإحدى بناته:
سبي الحماة وأبهتي عليها
وإن دنت فازدلفي إليها
وأوجعي بالفهر ركبتيها
ومرفقيها واضربي جنبيها
وظاهري النذر لها عليها
لا تخبري الدهر به ابنتيها
وقال موصياً ابنته الأخرى:
أوصيت من برة قلباً حرا
بالكلب خيراً والحماة سرا
لا تسأمي ضرباً لها وجرا
حتى ترى حلو الحياة مرا
وإن كستك ذهباً ودرا
والحي عميهم بشر طرا
أما في معاجم اللغة كـ «لسان العرب» و»تاج العروس» وغيرها فقد ورد فيها شعر بغير نسب، وهو يوضح المصطلح «سمعنة نظرنة»:
إن لنا لكنة
مبقة مفنة
متيحة معنة
سمعنة نظرنة
كالذئب وسط القنة
إلا تره ظنة
وكل هذه الصفات هي من صفات المرأة السوء، ونلاحظ كيف ألصقت بالكنة.
تقلص سطوة الحماة
يرتبط الصراع القائم بين الحماة والكنة بصورة أساسية إلى نمط الحياة في ظل وجود ظروف ثقافية واجتماعية معينة أدت إلى وجود العوائل المركبة، يقول عبدالسلام الترمانيني في كتابه «الزواج عند العرب» (الترمانيني 1984، ص217): «ويرجع هذا الصراع إلى تكوين الأسرة وطبيعة حياتها. فالأسرة إلى عهد قريب كانت وحدة متماسكة يجمعها (البيت الكبير)، يضم الأبوين والأبناء وزوجاتهم وأولادهم، ويتولى السلطة في الأسرة الجد أو الأب، وتقوم على إدارتها الجدة أو (الست الكبيرة) وهي صاحبة الكلمة العليا في المنزل. فالفتاة حين تفارق البيت الذي نشأت فيه لا تلقى في بيت الزوجية ما كانت تلقاه من دلال أبويها، وتجد نفسها في مواجهة امرأة غريبة تلتزم بطاعتها فيما تأمر به وتنهي عنه. وهنا يبدأ الصراع، ويقرر ميزان الأخلاق حدته ومداه، فيظهر في الخلق السيئ في الحماة وسوء التربية والتهذيب في الكنة، ويخفيه الخلق الحسن في الحماة وحسن التربية والتهذيب في الكنة».
ونتيجة للتطور الثقافي والحضاري حدثت عديد من التغيرات الاجتماعية والتي أدى بعضها في عديد من الأقطار العربية إلى استقلالية الحياة الزوجية، ونتيجة لهذا الاستقلال تم الحد من سيطرة العلاقات الاجتماعية التقليدية، وقد حدث تقلص للدور السلطوي للحماة في مناطق من دول العالم العربي نتيجة تغير طبيعة الحياة والتطور الاجتماعي والاقتصادي؛ إلا أنه في مناطق أخرى على رغم التغيرات الاجتماعية إلا أنه مازالت للحماة سطوتها وهيمنتها داخل إطار المنظومة الأسرية، ويتمثل الصراع بين الحماة والكنة في عدد من الصور وسنتناول بعضها في هذا الفصل والفصل الذي يليه.
صورة الابن المتنكّر لأمه
ترسم عدد من الأمثال الشعبية المتداولة على لسان الأمهات سواء في البحرين أو في البلاد العربية عموماً صورة للابن بعد الزواج؛ إذ تصور مدى ميلانه لزوجته، ويرى عبدالسلام الترمانيني في كتابه «الزواج عند العرب» أن من أسباب الصراع بين الحماة والكنة شعور الأم بسيطرة الكنة على ولدها «فالأم التي قامت بتربية ابنها ورعايته في طفولته وشبابه وولعت به، ترتاع حين ترى امرأة غريبة تنتزعه منها ويدفعه حبها إلى مطاوعتها وتقديم هواها على هوى أمه» (الترمانيني 1984، ص215).
وفي البحرين هناك مثل مشهور بين النساء لكن لا يمكننا التصريح بذكره لأنه لا يذكر الأم وزوجة الابن بصورة صريحة؛ بل يستعيض عنها بألفاظ أخرى فيصور المثل وجود معركة بين الأعضاء التناسلية للمرأة (أي الزوجة) وثدييها (أي الأم) وتغلب الأول على الثاني كناية عن تغلب زوجة الابن على الأم، واختزال المرأة في عضو معين وثّق في عدد من الأمثال الشعبية المحلية بأكثر من لفظ وفي أكثر من موضع لأكثر من غرض (انظر كتاب الناصري «من تراث شعب البحرين» ص 143 - 154)، ومثل هذا التشبيه ليس حصرياً على الأمثال الشعبية في البحرين؛ بل ظل شائعاً في أمثال عديد من الدول (انظر بل العافية 2008، ص 10 – 11).
وعلى نقيض نظرة الأم، ترى الكثير من الزوجات أن زوجها منحاز لأمه بل وينفذ أوامر أمه حتى لو تعارضت تلك الأوامر مع مصالح الزوجة، وتصف الزوجة التي تظن أن زوجها منحاز لأمه بمصطلح «ولد أمه» أو «ابن أمه» وهو مصطلح أصبح شائعاً في الوقت الراهن.
الغيرة من الكنة
يرى البعض أن من أسباب العداوة بين الحماة والكنة هو غيرة الحماة من الكنة، فالحماة «ترى في كنتها الشباب الذي ذوى والحسن الذي غربت شمسه فيثير في نفسها الشعور بالحسد ويدفعها الحسد إلى الترفع على كنتها وإلزامها بالخضوع لأوامرها والتقيد بنواهيها. ويتجلى هذا الصراع في هيمنة الحماة على كنتها واستكانة الكنة لهذه الهيمنة، إذا كانت مهيضة الجناح، وفي إثارة الحقد على حماتها. وتعمل كل منهما على الكيد للأخرى» (الترمانيني 1984، ص215). وهناك عدد بسيط من الأمثال الشعبية التي تكرّس هذا المفهوم منها المثل المغربي «ارجع لي يا صغري باش ننكي عروستي» أي أرجع لي يا شبابي لكي أغيض كنتي (بل العافية 2008، ص 160)
العدد 3302 - الأربعاء 21 سبتمبر 2011م الموافق 23 شوال 1432هـ
لماذا تسمى زوجة الابن كنة؟ ما اصل كلمة كنة؟ ومن اين جاءت هذه الكلمة