اشتمل كتاب «خليل حاوي.. دراسات وشهادات.. كما قرأه طلابه» على أربع دراسات لأكاديميين من طلاب حاوي تناولوا الشاعر الراحل في مجالات مختلفة. ومما خلص إليه بعض الدارسين علاقة خليل حاوي بالشاعر الإنجليزي كولريدج، بينما خلصت دراسة أخرى إلى أن شعر حاوي يقوم على فكرة الفداء في أشكال مختلفة. صدر الكتاب عن دار نلسن في السويد ولبنان وجاء في 84 صفحة متوسطة القطع.
والأكاديميون الأربعة هم: ديزيريه سقال وربيعة أبي فاضل وربى سابا حبيب ووجيه فانوس. وحمل الكتاب أيضاً شهادة من صديقه الفنان منير أبو دبس. في دراسة سقال جاء في المقدمة «يشكِّل الفداء في شعر خليل حاوي عنصراً أساسياً لما يربطه بالتزام الشاعر العميق الذي ضحَّى بحياته من أجله.
وفي الواقع فإن الشاعر سواء حين كان في الحزب السوري القومي الإجتماعي في مرحلة شبابه الأولى أو حين تحول إلى الالتزام بالقضية العربية ظلت مسألة الفداء تمسك برؤياه الشعرية وتوجه نصه».
واستطرد «لا يمكن أن نغفل البعد المسيحي في مفهوم الفداء عند خليل حاوي. وفي الواقع فإن صورة المسيح نفسه ودعواه ترتبط أساساً بالفداء». وأضاف أن حاوي في شعره «يطمح إلى أن يرقى الشاعر إلى هذه المنزلة ليكون فادياً للأمة ولأبناء جيله».
وكتب «في الواقع فإن الخلاص الذي يحلم به لا يتم إلا من خلال انبعاث أصيل يتفجَّر في أعماق ضمير الأمة لينقلها من الموت إلى الحياة مجدداً ويشكِّل انعطافة تغيِّر التاريخ وتردُّه إلى مساره السليم».
وقال: «والجدير بالذكر هنا أن حاوي يقرن في البطل كلاً من الفداء في المسيحية والإسلام.. فصورة المسيح في هذا المثال تقترن بصورة النبي محمد لأن البطل يولد من أم بتول (هي نفسها التي ولد المسيح منها هنا) ولكنه يولد فاتحاً من فاتحي المسلمين الذين حملوا معهم قرآنهم في الفتوحات. وبهذا فإن البطل لا يرتبط بدين دون دين؛ بل هو ينتمي إلى الديانتين التوحيديتين اللتين احترمهما حاوي: المسيحية والإسلام ورأى في إلههما إلها واحداً».
وقالت ربى سابا حبيب، من الجامعة اللبنانية أيضاً إن كتابة حاوي «مغامرة مستمرة باتجاه الداخل.. كتابة تتعامل مع الوحدة الكونية .. فالصور تتكثف.. تتهادم.. تتجاذب.. تتفارق في تبادل وتراشق عظيمين لترتبط بمفاصل القصيدة».
ربيعة ابي فاضل كتب «حاوي وكولريدج: المجاز الحقيقة». وقال إنه مقتنع «بأن علاقة منهجية وفكرية وشعرية عميقة جعلت حاوي على تأثر بيّن بمواقف كولريدج وأفكاره وخاصة مسألة الخيال وقصيدة «البحَّارالقديم» وقضية الوحدة العضوية ومسألة التجربة الشعرية التي تزيل خلقاً وتنشئ آخر بقوَّة الكلمة والرؤية».
وأضاف «أكاد أجزم أن حاوي لم يدع جولة من جولاته الحوارية تنتهي دون التذكير بكولريدج سواء وهو يشرح النقد منذ أرسطو مروراً بعبدالقاهر الجرجاني أو يغوص في الحداثة الشعرية ومكانة (خليل) مطران وجبران (خليل جبران) و(الياس) أبوشبكة بآراء السابقين واللاحقين».
وقال، إنه ليس مستبعداً أن تكون رحلة السندباد الشعرية الجديدة عند حاوي على علاقة برحلة «البحَّار القديم» عند كولريدج، وأن تكون ثنائيات التجربة الحاوية (نهر الرماد. بيادر الجوع. البحار والدرويش. الناي والريح) على «علاقة بالتناقضات التي سعت إلى وحدتها في تجربة كولريدج».
وخلص إلى القول عن الشاعرين اللذين تخرجا من جامعة كيمبردج إن من «يتأمل في شخصيتي كولريدج وحاوي يجد أوجه شبه عديدة وخاصة في عملية الجمع بين العمق الأكاديمي والرقي الشعري واللجوء إلى الأسطورة في الشعر كونها ذروة المجاز حاملة النضج الفكري والروحي للشاعر والحرص على الوحدة العضوية في شعرهما كما على مزج الغنائية بالتأملية والشعرية بالفلسفة. «فالناقدان - الشاعران لم يوفرا فرصة معرفية إلا واستثمراها سعياً إلى إدراك الحقيقة الكلية واكتشاف أسرار الحياة».
أما الأستاذ في الجامعة اللبنانية، وجيه فانوس، فقد خلص في ختام دراسته إلى نتيجة مؤلمة. قال متحدثاً عن حاوي الذي انتحر عند دخول القوات الإسرائيلية إلى لبنان العام 1982: «لطالما هربت في كتاباتي وأحاديثي السابقة عن خليل من هذا التعبير: «الموت انتحاراً» ولطالما حوَّرته إلى أن خليلاً قرر كتابة قصيدته الأخيرة أو مجرد أنه قرر الرحيل.
لكن وبعد كل ما حصل ويحصل منذ تسع وعشرين موسم فجائع بعد موت خليل فإني لن أقدر إلا أن أقول إن خليل حاوي أراد بوعي فذ وإصرار مرعب وتصميم هادف وتضحية فجائعية أن ينتحر. «وها أن رؤياه الشعرية الحضارية والتزامه القومي وحلمه بنهضة قومية عربية ما انفكت تسألني مرة بوقاحة وأخرى بحزن وثالثة بخجل ورابعة بجنون وخامسة بلهفة وسادسة من غير أي تأثر أو انفعال؛ بل بيأس بارد متخشب: هل موت خليل حاوي انتحاراً هو البداية لإعلان موتنا؟ «كان خليل حاوي رؤيوياً حضارياً ملتزماً العروبة. فهل ماتزال رؤياه صادقة حتى اليوم؟»
العدد 3343 - الثلثاء 01 نوفمبر 2011م الموافق 05 ذي الحجة 1432هـ