لعلها اللوحات الأولى التي خلقت ذائقة فنية شعبية ومميزة، وقد يكون الإخلاص للفن والتفاني في العطاء وربما كانت الروح التي تشع محبة وعطاء. لعل كل ذلك هو ما ميز الفنان التشكيلي الراحل عبدالكريم البوسطة الذي فجعت ساحة الفن التشكيلي في البحرين بفقده، ولعله ليس سوى جزء يسير من مناقب الفنان الإنسانية قبل الفنية التي يتحدث بها الجميع.
يوم رحيله كان شعور الفنانين واحداً، غصة في الحلق لرحيل رجل جسَّد المحبة والإخلاص والتفاني. نأي بنفسه عن كل الصراعات، ورحيل معلم أخلص لتلامذته كما أخلص لفنه، ستظل آثار حبه وعطائه باقية على تلامذته الذين أصبح بعضهم من كبار فناني البحرين التشكيليين. يوم رحيله أجمع الفنانون على أن خسارة عبدالكريم البوسطة لا تعوض وأن غيابه لا يسده أي وجود فني آخر، هو رجل لا يستحق التكريم فحسب، بل كما قال عباس يوسف: «يستحق أكثر من تكريم وأكثر من لفتة». هو رجل الحب، رجل الفن ورجل الحياة.
«الوسط» استطلعت آراء بعض الفنانين التشكيليين حول البوسطة وغيابه المر.
الغضبان: علمنا عشق الطبيعة والفن الحقيقي
الفنان التشكيلي عبدالجبار الغضبان الذي كان واحداً من أبرز تلامذة الفنان الراحل عبدالكريم البوسطة، وأكثرهم تأثراً به، قال معبراً عن أسفه لرحيل البوسطة: «لقد تعلمنا على يدي الفنان الراحل معنى الإخلاص للفن والصبر والإطلاع على التجارب الفنية وصقل موهبتنا. لقد كان نموذجاً للفنان المتفاني والمضحي بوقته وماله في غرس الثقافه والوعي بدور الفن باعتباره أحد أركان البناء الحضاري. لا يسعني الا أن أقول إنه نعم الفنان والمعلم، لقد كان مخلصاً لفنه ووطنه».
ويضيف الغضبان «لقد تمكن الفنان الراحل عبد الكريم البوسطة من صوغ تجربته الفنية على قدر كبير من الوعي الفكري والجمالي بتأسيس ثقافته الفنية الذاتية».
وبشأن الموضوعات الشائعة في أعمال الفنان الراحل قال: «لقد عالج الكثير من الموضوعات ذات الصبغة المحلية المرتبطة بالواقع البحريني والتي تصور معاناة الإنسان وتحديه لصعوبات الحياة وتمرده على مستغليه. لقد تجسدت هذه المعطيات في تناوله لحياة البحّار في معاناته مع النوخده والفلاح مع الإقطاعي والعامل مع رب العمل وكذلك في لوحاته المرتبطة بملحمة كربلاء، كما عالج العديد من الموضوعات المرتبطة بالتراث البحريني مثل ليلة الحنا، أم حمار، حفلة الزار، ليلة الدخلة».
ولعل ما يميز لوحات البوسطة في نظر الغضبان هو أنه «استطاع في هذه المرحلة الكلاسيكية والتعبيرية أن يجسد رؤاه ويبرز قدرته على تمكنه من استخدام الرسم كتقنية أساسية في تصوير ملامح الإنسان وتفاصيله التشريحية».
ويرى الغضبان أن تلك التجربة «أكسبت البوسطة خبرة كبيرة وجعلت الكثير من تلامذته يتأثرون به في صقل مواهبهم الفنية والإنغماس في رسم وتقليد الأعمال الكلاسيكية لفناني عصر النهضة من أمثال مايكل أنجلو وليوناردو دافنشي ورافائلو بغية الوصول إلى القيم الجمالية المثالية التي كان يؤكدها في نصائحه لهم باعتبارها عنصراً أساسياً للفنان».
ويضيف الغضبان «استمراراً لمشواره الفني المهم في رسم المناظر الطبيعية بأسلوب انطباعي أخّاذ مشبع بألوان غنية ساحرة تعبيراً عن اعتقاده الراسخ بأن الطبيعة هي المعلم الأساسي للفنان، فقد رسم معظم قرى البحرين وسواحل البحر ومناظر السفن وغروب الشمس، وكان يقول لنا إذا أردتم أن تكونو فنانين حقيقيين عليكم أن تعشقوا ألوان الطبيعة».
يوسف: تكريمُ البوسطة
كما يليق به
من جانبه، قال الفنان الكاتب عباس يوسف «في العام 2007 دعوت إلى تكريم الفنان عبدالكريم البوسطة، اليوم أقول إنه لا فائدة من تكريم المبدعين بعد وفاتهم.
وأضاف «في ذلك الوقت قلت إن هذه المهمّة ملقاة على عاتق المؤسسات الخاصة والعامة، لتكريم المبدعين من كل المشارب والصنوف وكذلك الفنانين الرّواد تكريماً يليق بمكانتهم نظير عطائهم المتواصل».
وواصل «لكني قلت أيضاً إن الفنان البوسطة يستحق أكثر من لفتة، أكثر من تكريم، يستحق تكريماً يليق به. هذا الفنان الذي ما انفك يعطي ويبدع على أكثر من صعيد سواء في الرسم أو الخزف أو الغرافيك. كان شغوفاً بالمغامرة والبحث والتجريب وبالتعليم أيضاً، لذا تراه كالنحلة التي تقطع المسافات بحثاً عن الزهرة. تراه في خضمِّ هذا المشهد الفني وهذا النشاط يتنقل من معرض إلى معرض يبحث عن الومضة، الزهرة التي منها يتنفس ويبث رحيقه فيه».
بإعجاب كبير يتحدث يوسف عن الراحل البوسطة، وبإعجاب كبير يستعرض بداياته، يقول يوسف: «في سبعينيات القرن الماضي وفي الذاكرة الجمعية الشعبية ارتبط اسم البوسطة مع أخوه الفنان عبدالمنعم البوسطة رحمة الله عليهما من خلال لوحاتهما التي كانت تصف واقعة الطّف والتي تميز بها موكب عزاء أهالي رأس الرمان عن بقية المواكب الحسينية. كانت تلك اللوحات محط إعجاب الناس وهواة الرسم آنذاك؛ إذ خلقت ذائقة فنية شعبية لربما لم ترتبط بالبعد الفلسفي والجمالي الغربي المعقد، بقدر ما خاطبت ذاك الحس بعاطفة جمالية بسيطة المفهوم بغية إيصال الفن والجمال أيضاً مدغوماً وممزوجاً بالحزن والمأساة وكأن تلك المآساة والكرب حولت إلى معركة فنية وجمالية هدفها إيصال الرسالة الإنسانية الرائعة والجميلة التي قامت من أجلها وإليها ثورة الإمام الحسين عليه السلام».
ويضيف يوسف «الفنان عبدالكريم البوسطة عاش حالة من التواضع والتواري بنفسية المعلم الذي ما انفك يحمل همّ نشر الفن بوصفه ماء وهواء والذي من خلاله كوّن لشخصه سمعة شعبية طيبة ونأى بها بعيداً عن صراعات الفنانين باعتباره معلماً مخلصاً استفاد منه الكثير من الفنانين».
الساري: متواضع أخفى
آلامه عن الجميع
الفنان التشكيلي سيد حسن الساري تحدث بألم عن ذكرياته مع البوسطة قائلاً: «يعد المرحوم البوسطة نموذجاً مهماً ومثالياً للحركة التشكيلية في البحرين فهو إنسان مميز ذو أخلاق عالية جعلته محبوباً لدى الجميع».
ويتذكّر الساري «سمعت الكثير عن الفنان الراحل منذ دخولي الحركة التشكيلية في التسعينيات، ولم ألتقه إلا بعد سنوات من ذلك، كانت لقاءاتنا سريعة وغير منتظمة وفي كل مرة كنت ألتقيه كان حديثنا قصيراً وعابراً لكنني بعد فترة صرت أعمق أسئلتي معه حول الفن ومداخلاته المعقدة وخصوصاً أنه ذو تجربة طويلة تمتد إلى عقود».
الساري يحمل إعجاباً خاصاً بالبوسطة؛ إذ يعبِّر عنه قائلاً: «مع أن البوسطة كانت دراساته محلية وابتكاراته نشأت من الحماس الذي كان يتشارك فيه مع الرواد في الخمسينات إلا أن تجربته أخذت منحى آخر عندما تعددت سفراته إلى شمال إفريقيا بحسب مايذكر عبدالكريم العريض في كتابه أضواء على الحركة التشكيلية».
الساري يتذكر دعوته البوسطة لحضور معرضه الثنائي الأول، يقول: «كان البوسطة يُعرف بطيب خلقه وحب المساعدة وهذا ما لمسته من أحاديث تلامذته في الكواليس أو ممن كانت لهم مواقف معه. وبما أن الشيء بالشيء يذكر فقد حصل أن تلقى الفنان الراحل عبدالكريم البوسطة دعوة لحضور معرضنا الثنائي الأول أنا والفنان محمد المهدي في العام 2004 الذي أقيم بصالة جمعية البحرين للفن المعاصر، وبما أنه كان مشغولاً تلك الليلة، نسي موعد المعرض، لكنه عاد ليتذكره في وقت متأخر فما كان منه إلا أن ترك ما كان منشغلاً به وحضر مسرعاً للحاق بالمعرض».
ويواصل «كنا نهمُّ بالخروج حينها وقد غادر الزوَّار الصالة، فإذا بالبوسطة رحمة الله عليه يشرفنا بدخوله. لقد كان مصراً على الحضور على رغم انشغاله وقد جعلنا موقفه ذاك نحمل له احتراماً عميقا في نفوسنا لتقديره لنا؛ بل إنه عمَّق علاقتي به حتى صرت أتحدث معه بشكل أوسع حين نلتقي في مختلف المحافل الفنية».
بعد سنوات، أصيب البوسطة بوعكة صحية أبقته في المستشفى أياماً، ويتذكر الساري زيارته للفنان الراحل في منزله «حين زرنا البوسطة في منزله استقبلنا استقبالاً حاراً، كنا نظن أن مرضه سيجعل الزيارة رسمية لأنه سيكون متعباً وغير قادر على الكلام إلا أنه فاجأنا بمباشرته للحديث معنا والضحك على رغم مرضه الشديد. وهذا ما أريد الإشارة إليه هنا، وهو أنه على رغم معاناته مع المرض لسنوات طويلة إلا أنه كان يخفي آلامه عن الناس، إيماناً منه بأن الابتسامة التي يعطيها للآخرين تعطيهم دافعاً لحب الحياة والتفاؤل.
بعدها التقى الساري مع البوسطة مرة أخرى في العام 2010 خلال ملتقى فناني الخليج واجتماع جمعيات دول مجلس التعاون في الكويت، يقول: «كانت تلك رحلتي الوحيدة معه، وقد كان يمثل جمعية خزافي البحرين التي كان يرأسها رحمه الله وكعادتي كنت ألتقط معه الصور بشكل خاص سواء في المعرض أو في المطار وكنا نتبادل الفكاهة والضحك بمعية العريض والمهدي. وقد كان يشير لنا بكل تواضع بأن الحركة التشكيلية في البحرين ستكون بخير مادام هؤلاء الشباب هم الذين سيرثوننا في الفن».
«لقد كان المرحوم مثالاً بطريقته الهادئة والمتواضعة في التعامل مع الآخرين حتى أصبح ذكره موجوداً في كل المحافل، وهنا أود الإشارة إلى أننا وإلى آخر يوم في حياته كنا نذكره بالخير في أحد اجتماعات الفنانين قبل أن نتلقى خبر وفاته الذي لم نستوعبه مبدئياً ولكن إرادة الله فوق كل شيء»
العدد 3405 - الإثنين 02 يناير 2012م الموافق 08 صفر 1433هـ