العدد 3411 - الأحد 08 يناير 2012م الموافق 14 صفر 1433هـ

جماليات الكتابة وأسئلة الوجود عند المسعدي (1 - 2)

عرفت القاعة الكبرى لبيت الحكمة بقرطاج التونسية، وخلال أربعة أيام (13-16 ديسمبر/كانون الأول 2011) مشمسة على ضفاف أمواج المتوسط التي رست عليها سفن الغزاة والفاتحين والأدباء على مر مئات القرون، مناقشات علمية وثقافية رفيعة المستوى من خلال 30 بحثاً ضمن عشر جلسات شارك فيها أدباء ونقاد من تونس والمغرب والجزائر وسورية وفرنسا وإنجلترا والسعودية والأردن ومصر والعراق، ناقشوا خلالها قضايا الثقافة العربية انطلاقاً من أسئلة المسعدي وما أثارته مؤلفاته من استدعاءات ملحة.

وفي غياب إيجابي لأي ممثل حكومي؛ إذ الانشغال بالترتيبات السياسية بعد ثورة شعبية لم تكتمل، أشرف الأديب والناقد محمود طرشونة رفقة مجموعة من النقاد التونسيين في الإشراف على الندوة الدولية والتي عرفت ستة محاور هي: أسئلة الوجود؛ جماليات الكتابة؛ الذات والآخر؛ أسئلة الثقافة؛ اللغة والأسلوب؛ أسئلة المجتمع والأدب.

ومن بين المتدخلين بأوراق أمين الزاوي (الجزائر) بموضوع «محمود المسعدي نبي الحداثة المعطوبة»، مناقشاً أسباب عطب هذه الحداثة التي مارسها إبداعاً ورفع لواءها محمود المسعدي في الكتابة السردية وفي رؤية الكتابة، متسائلاً، هل يمكن أن نوصف هذه الأعطاب وخلفياتها التي تقف وراء إخفاق هذا المشروع الحداثي في الكتابة السردية الذي أطلقه المسعدي قبيل الحرب العالمية الثانية.

مستخلصاً بعد محاورة عميقة أن العبقرية لا تجيء من بلدان كبيرة في الجغرافية وفي عدد السكان، ولعل الربيع العربي كان من إبداع شعب ومثقفي بلد المسعدي، ففي هذا الربيع الذي انطلق من تونس كنا نسمع أصوات غيلان بنزرت وأبي هريرة سيدي بوزيد وريحانة صفاقس وعمران جربة؛ ولكن هذه المرة سمع الجيل الجديد صوت المسعدي في ثورة أخرى فكانت القاهرة التي تنهض من جديد، قاهرة جديدة بأحفاده الخالدين.

«المسعدي وصفة الأديب الفيلسوف» هو عنوان ورقة مصطفى الكيلاني (تونس)، والذي افتتح ورقته بما الذي قُرئ من محمود المسعدي وما الذي لم يُقرَأ بَعْد إلى الآن؟

لينطلق الباحث في النظر في المُشترك بين الصفتيْن عند الإشارة بَدْءًا إلى ارتكاز كُلّ من الصفتيْن على الأخرى، شأن أدباء فلاسفة أو فلاسفة أدباء أربكوا كُلاّ من روح الكتابة الأدبية سواء كانت شعرا أوْ سَرْدًا مِثلما أربكوا النسق الّذي به تُعْرف أو تُعَرّف الفلسفة «كالوليمة» لأفلاطون «وميدي» لِسنيكا و لزوميّات أبي العلاء المعرّي و «هكذا تحدث زرادشت» لفريديريك نيتشه، على سبيل المثال لا الحصر.

فَبِم يُحدُّ هذا المُشترك الأدبيّ والفلسفيّ في أعمال المسعدي الإبداعيّة؟ كيف يغتذي الأدب من الفلسفة والفلسفة من الأدب، بضرْبٍ من إبداعيّة النّص المُختلف ونسقّية الفكر المُضْمرة وراء تداعيات الحال الكاتبة الحائرة الملتذّة أحياناً كثيرةً بعذاباتها قريباً ربّما من اليأس الآمل، إذا جازت العبارة، أو الأمل اليائس في المُشترك القائم بين كُلّ من آرثر شوبنهاور وفريدريك نيتشه، خصوصاً، بحَسب قراءة محمود المسعدي لَهُمَا؟

أما خالد الغريبي (صفاقس) فتدخل في موضوع «مغامرة السؤال الوجودي في تجربة المسعدي الإبداعية والفكرية» متحدثاً في ستة مباحث هي: قيمة الفرد في نحت الكيان - حدود المعرفة ومعرفة الحدود - السيرورة الدلالية وإنتاج المعنى - اللغة: سؤال الذات / سؤال الوجود - وجودية المسعدي وفعل المغايرة: مساءلة لفكره - الكتابة فعل تأصيل للكيان واستشراف للآفاق.

وخلص في النهاية إلى أن أدب المسعدي لا يمكن أن يفنى ويبيد على وجه الدهر لأنه قادر على إفناء الزمن بالحركة التي عنها يتولّد، حركة السؤال الدائم عن جوهر ما نكتب وجوهر ما نعيش.

وفي بحثه «البحث عن المعنى قراءة في الفضاء الرّوائي في حدّث أبوهريرة قال «تحدث عادل خضر (تونس) قائلاً، إن ورقته تطمح إلى تجديد مسالك التّأويل الأدبي عموماً، واقتراح سبل مختلفة في قراءة أدب المسعدي. من هذه السبل الفضاء، أو المسلك الفضائي الّذي ينهض عندنا على المسلّمة الآتية: «أن يعرف (الأنا) من يكون؟» هو أن يكون قادراً على أن يعرف «أين يكون؟». وهذا الاختبار تحكمه فرضيّة قد وجّهت التأويل لهذا الأثر، وهي أنّ هذه الرواية تعرض من خلال مغامرة بطلها أبوهريرة بحثاً مضنياً عن المعنى بالبحث المستمرّ عن المكان أو الأرض أو الموضع الّذي يمكن فيه للبطل أن يعرف «مَنْ يكون» بمعرفة «أين يكون». قراءة تّأويليّة محكومة بمعطيات نابعة من النّصّ ذاته، فتصبح هي بدورها بحثاً لا يني عن المعنى.

ومن الأردن قدَّم فخري صالح ورقة في موضوع «المسعدي وتهجين الشكل الروائي الأوروبي بالموروث العربي: إعادة نظر في مفهوم الأدب العالمي»، موضحاً أن توجه المسعدي لاستلهام التراث كان على خلفية شعوره الوطني والقومي، ورغبته في مقاومة الهيمنة الحضارية والثقافية، من خلال العودة إلى الجذور، والتمسك باللغة والثقافة اللتين تعرضتا لمحاولة الاقتلاع على يد المستعمر الفرنسي.

إنه مشروع تأصيل سردي يحمل رسالة سياسية ثقافية وحضارية، يتمسك بالجذور لكنه في الوقت نفسه يبحث عن موضع الكائن الإنساني في الوجود، ساعياً إلى كتابة رحلة الإنسان في هذا العالم. لكن جوهر رسالة المسعدي يكمن أيضاً في فتحه الأنواع على بعضها، مزيلاً الحدود بينها، مذوباً الفواصل والعوائق التي ابتدعتها نظرية الأنواع الغربية، لكتابة نص مفتوح قابل لكل شكل ومستخدماً أساليب متعددة أغلبها مأخوذ من التراث العربي، من خلال الإنشاء على هيئة النص القرآني، واستخدام لغة التعزيم الأسطورية، واستخدام طرق رواية الحديث المتواتر، في نص سردي، والمحاكاة الساخرة للموروث.

وفي «مقاربة سردية لحدث أبوهريرة «تطرق السعيد بوطاجين (مستغانم - الجزائر) عن كون كتاب: «حدّث أبوهريرة قال»، يتأسس على أنساق سردية مخصوصة مقارنة بالمتواتر في السرديات الجديدة. و يأتي العدول عن المعيار كسمة غالبة، وعلامة فارقة في التجربتين المغاربية والعربية؛ ما يجعله جهداً استثنائياً له مسوغاته البنائية والجمالية والمعجمية والفكرية، الظاهرة منها والمسكوت عنها.

لقد جاء النص بأدواته وبالأدوات الغيرية التي تجلت في شكل أصداء تناصات وأقنعة وسنن تستدعي مراعاة كيفية السرد ولمياته، لأنّ هذا الخيار ليس ترفاً ذهنياً يراد به التميز عن الآخر للتسلي والتفكه، دون مقاصد وظيفية تبرّر الأشكال السردية التي تمّ الاتكاء عليها لتمرير مجموع البلاغات.

ولعلّ هذه «البينية» هي مقصده القاعدي، لأنّ المجاورات والتماسات السردية تحيل على طبيعة الجهد، حتى في إنتاجها لدلالات مفارقة للأصل وللأنوية المنقولة، ومردّ ذلك مساءلة الوضع باستثماره ومعاودة تشكيله من أجل بديل، أصيل ومختلف، قديم وجديد

العدد 3411 - الأحد 08 يناير 2012م الموافق 14 صفر 1433هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً