العدد 3429 - الخميس 26 يناير 2012م الموافق 03 ربيع الاول 1433هـ

زراعة عمودية لـمدن المستقبل

عندما تضيق مساحة الأرض في مدينة مزدحمة، لا بد من البناء إلى أعلى. البناء العمودي هو سنّة المدن لكي تتمكن من استيعاب الأعداد المتزايدة من الناس والمنازل والمكاتب والمتاجر. ومع توقع ارتفاع عدد سكان العالم إلى أكثر من 9 بلايين بحلول سنة 2050، من الضروري زيادة إنتاج الغذاء لتلبية حاجاتهم الغذائية، وذلك عبر زيادة المحاصيل وتوسيع المساحة المزروعة.

لكن الأراضي الإضافية المتاحة للزراعة موزعة بشكل غير منتظم، وكثير منها مناسب لزراعة محاصيل محدودة. لذلك كان لا بد من الزراعة العمودية، التي تقتضي بناء «ناطحات سحاب» تحتل طبقاتها بساتين وحقولاً تنتج المحاصيل على مدار السنة في مدن حول العالم. وهذه الفكرة ليست جديدة، بل تعود إلى زمن حدائق بابل المعلقة التي بنيت في القرن السادس قبل الميلاد.

فوائد بيئية

إضافة إلى استحداث مزيد من الأراضي الزراعية، تخفض المزارع العمودية في المدن نفقات نقل المنتجات الغذائية، وانبعاثات ثاني أوكسيد الكربون المرتبطة بذلك، وتحفظ جودة المنتجات المهددة بالتلف أثناء نقلها مسافات بعيدة. ويمكن تقليل استعمال مبيدات الحشرات والأعشاب والفطريات إلى حدود دنيا بسبب إمكان التحكم بالبيئة الداخلية في المباني الزراعية. ولا خوف من انجراف التربة، لأن النباتات تنمو في وسط مائي، أي في محلول من المغذيات الذائبة في الماء. ويعاد تدوير هذه المياه، ما يجنب هدر كميات كبيرة من مياه الري والمغذيات، كما يحصل في الزراعة التقليدية، ويلغي الحاجة إلى تصريف المياه الزراعية. وبات ممكناً الآن تكييف درجة الحرارة والرطوبة والإضاءة وتدفق الهواء وإضافة المغذيات، للحصول على أفضل إنتاجية من النباتات طوال السنة في أي مكان من العالم.

وتتيح تكنولوجيا الزراعة المائية زراعة أي نوع من النباتات تقريباً في مياه غنية بالمغذيات، من المحاصيل الجذرية مثل الفجل والبطاطا الى الفاكهة مثل البطيخ وحتى الحبوب مثل الذرة. ثمة طرق عدة للقيام بذلك، لكن الزراعة المائية تقوم أساساً على تعليق النباتات في وسط مثل الحصى أو الصوف أو الزجاج البركاني المعروف بالبرليت، وتغطيس الجذور في محلول من المياه الغنية بالمغذيات. ويؤمّن تدفق الهواء بشكل مستمر حاجة النباتات من ثاني أوكسيد الكربون. وأي مغذيات ومياه لا تمتصها الجذور يمكن إعادة تدويرها، بدلاً من ضياعها داخل التربة.

لكن الإنارة الاصطناعية بالتيار الكهربائي تجعل الزراعة داخل الأبنية عالية الكلفة. فضوء الشمس الطبيعي خلال النهار غير كاف، ومن دون إضاءة اصطناعية لا ينتظم الإنتاج الزراعي، لأن النباتات الأقرب إلى النوافذ تتعرض لضوء أكثر وتنمو بشكل أسرع. والواقع أنه، حتى في البيوت الزجاجية المكونة من طبقة واحدة، لا بد من الإضاءة الاصطناعية لإنتاج المحاصيل طوال السنة.

معها أو ضدها؟

مشروع Thanet Earth للزراعة العمودية، الذي افتتح في كنت عام 2008، هو أكبر موقع من نوعه في بريطانيا، إذ يمتد على مساحة 90 هكتاراً وينتج 15 في المئة من محصول الخس البريطاني. وفيه محطة طاقة صغيرة لإمداد نباتاته بالضوء مدة 15 ساعة في اليوم خلال أشهر الشتاء. وهذا يناقض فكرة أن الزراعة العمودية تقتصد بالطاقة وتخفض الانبعاثات الكربونية، بحسب بيتر هيد، وهو رائد عالمي في التخطيط والتنمية المستدامة في الشركة الهندسية البريطانية «أروب». وقد أجرى دراسات عدة حول هذه الفكرة، ووجد أن الزراعة العمودية تحتاج الى طاقة متجددة رخيصة الثمن اذا أريد لها النجاح.

بين عامي 2006 و2009، رسا «زورق العلوم» المكون من دفيئات عائمة للزراعة المائية في نيويورك، قبل أن ينتقل الى مدينة يونكرز. وقد استهلك عُشر كمية المياه التي تستهلكها مزرعة معادلة. ولم يحدث على متنه أي جريان للمياه الزراعية، وتم استبدال المبيدات الكيميائية بمفترسات طبيعية للآفات مثل الدعسوقة (أم علي). هذا الزورق الذي يعمل على مدار السنة، بامكانه انتاج 20 ضعف ما ينتجه حقل ذو مساحة مماثلة. وعلى سطحه لاقطات شمسية وتوربينات رياح، ما يعني أن بامكانه انتاج الغذاء بانبعاثات كربونية تقارب الصفر. لكن الدفيئات الموجودة عليه تعلو طبقة واحدة فقط، لذلك لم تكن هناك حاجة كبيرة للاضاءة الاصطناعية.

ويرى هيد أن الفرصة الفورية قد تكون الاستفادة من المساحة المتاحة على سطوح الأبنية في المدن لممارسة الزراعة المدينية بدلاً من الزراعة العمودية. وفي هذا المجال، قامت شركة «برايت فارمز سيستمز»، بالتعاون مع شركة «غوثام غرينز»، المنبثقة من «زورق العلوم»، باستحداث أول مزرعة مائية مدينية تجارية في العالم في نيويورك. وقد افتتحت هذه المزرعة، المقامة على سطح مبنى مساحته 1400 متر مربع، خلال صيف 2011، بهدف إنتاج 30 طناً من الخضار سنوياً.

في هذه الأثناء، ابتكرت شركة «فالسنت» للزراعة العمودية نظام Verti Crop الذي يضمن تلقي النباتات ضوء الشمس وتدفق الهواء بانتظام عبر صَـوان (أطباق) للزراعة المائية مرصوفة عمودياً على سكك متحركة. وقد تم تصميم هذا النظام لدفيئات مكونة من طبقة واحدة، حيث تستقبل النباتات الضوء من الأعلى ومن الجوانب، ولذلك قد لا تكون مناسبة للزراعة العمودية

العدد 3429 - الخميس 26 يناير 2012م الموافق 03 ربيع الاول 1433هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً