العدد 3466 - السبت 03 مارس 2012م الموافق 10 ربيع الثاني 1433هـ

يقظة الشعر في ديوان «غازات ضاحكة» للمصري الشافعي

«أن أوقظ وردةً واحدةً، خيرٌ من أن أنام في بستان»، كلمات تصلح مدخلاً أو عنواناً للواحة الشعرية التي ينقلنا إليها الشاعر المصري شريف الشافعي في ديوانه الجديد «غازات ضاحكة» (الأعمال الكاملة لإنسان آلي2)، الصادر عن دار الغاوون في بيروت (يناير/ كانون الثاني 2012)، حيث يقدم لنا على لسان الروبوت المتمرد وجهاً عارياً للشاعر والإنسان في لحظات ووقفات وتجليات وإطلالات مختلفة، تبدو غير منقطعة الصلة بتجربة الآليّ الأولى «البحث عن نيرمانا بأصابع ذكية» (صدرت في ثلاث طبعات عربية خلال الأعوام الثلاثة الماضية).

تمثل البنية اللغوية مساحة بارزة من ومضات الشاعر النابضة في «غازات ضاحكة» (572 صفحة من القطع الصغير)، وحرصه على الجدة والابتكار، وتحقيق حالة من الدهشة والمفاجأة، التي تتأكد وتتفجر مع تأمل الخيط الفني في المقطع الشعري كاملاً:

«حطام طائرة ورقية

يغرد طوال النهار مع العصافير

التي تخبز له الذكريات

وفي المساء يصيح:

منفىً هي الحياة بلا طيران».

وتتجلى روح التأمل كنزعة أخرى تسيطر على الشاعر في تعاملاته وتفاعلاته مع الحياة والبشر والمشاهد والرؤى والنظرات، وتكسوها أيضاً نبرة الدهشة التي نلمحها جليّاً في صوته وتعبيراته وانفعالاته، والتي يستطيع غالباً أن ينقلها إلينا بتلقائية وعفوية:

«الغريب

الذي يعبر الطريق

ليس بحاجة إلى عصا بيضاء

ولا كلبٍ مدرّبٍ/

هو بحاجةٍ

إلى أن تصير للطريق عيونٌ

تتسع لغرباء»

إننا نمضي مع الشاعر، على امتداد النص، في رحلة حالمة، وسفر مدهش بريء، في أجواء من الانتظار والترقب والأريحية، حتى نصل إلى نهاية العمل، لنجدنا أسرى حالة شعورية متصلة رقيقة شفافة، تحيلنا إلى حياة أخرى جديدة، وأجواء لا تخلو من فرح ونشوة وابتسامة وألم وعتاب، وحالة حب حية لا تتبدل أبداً:

«حياة واحدة لا تكفي، لاعتناق امرأةٍ مبتسمةٍ»

ولا يخلو العمل من إطلالة بوح أخرى، لا تحتاج إلى الكشف عن إيحاءاتها وملامحها، وفي هذا السياق نقرأ:

«السحابةُ الحمراءُ،

التي أحرقتْ أرضي

قالتْ في اعترافاتها:

«أنا أيضاً أرضٌ

تستحقُّ غرسَ جذورِكَ في رَحِمِها»

وفي فضاءات التجارب المتشابكة، التي يأخذنا إليها الشاعر، يمتزج الخيال دائماً بالوعي، وتتعانق سماء الحلم والتربة الواقعية معاً، يقول:

«المرأةُ الشجرةُ

التي اشتهيتُ هَزّها وتسلّقَها

تمكّنتُ أخيراً من اصطيادِها

بالشبكةِ العنكبوتيّةِ/

المرأة الشجرةُ

مغروسةٌ الآن في ذاكرتي الصّلبةِ

محفورةٌ كالوشم

على سطح أسطوانةٍ مدمجةٍ

بحجمِ قبضتي الحجريّةِ المتشقّقةِ/

المرأةُ الشجرةُ طوع يميني

أستدعيها وقتما أشاءُ

أهدهدُ الفأرةَ

فأدغدغها في الحال

أداعبُ لوحةَ المفاتيحِ الحساسة

فتنتفض نقاطها الأنثويةُ الحسّاسةُ/

المرأةُ الشجرةُ

لها ثمراتٌ ناضجةٌ

صالحةٌ لكل شيءٍ

لكنّ بذورها الجافّةَ

ليستْ صالحةً للزراعةِ

في تربةٍ طينيّةٍ خصبةٍ»

ويمضي بنا الانطلاق الشعري الخصب إلى اكتشاف ورسم تموجات من الطبيعة، الممتزجة دائماً بأنفاس اللحظة التي يسكن ظلها:

«آه أيتها العصافيرُ

أيتها الأفكارُ الفسفوريّةُ

عندي ألفُ نافذةٍ لإطلاقكِ،

لكن الفضاء كلّه مرعبٌ/

قفصي الصدريُّ أحَنُّ عليكِ بالتأكيد،

جمجمتي الجامدةُ أرْحَمُ»

وتستوقفنا أيضاً نبرة الآهات الساكنة، التي تتملك الشاعر أحياناً، فتجعله يرثي روحاً كانت مستيقظة حرة طليقة في الفضاء، لكن أنفاسها سلبت منها في لحظة، وانتزعت منها نبضات الأمل وقتاً طال أم قصر:

«كأيِّ خفيرٍ مُسَلَّحٍ

ببندقيّةٍ بدائيّةٍ متهالكةٍ،

قَضَيْتُ الليلَ أحرسُ همومي

كي لا تتبدّدَ،

همومي التي تعوّدتُها

وصار الفكاكُ منها

مغامرةً غير مأمونةِ العواقِبِ»

وتتجلى نبرة الصدق عندما نقترب من نبتة الإيمان في سماء النص، وهنا يتبلور سؤال مشروع عن جوهر الحقيقة العارية:

«سجّادةُ الصلاةِ

تصافحُ الحقيقَةَ دائماً

تمتصُّ أنسجتُها الحيّةُ دموعي

لكنْ لا يزولُ عَطَشُها تماماً

لأنها متشوّقةٌ

إلى ما لا تستطيعُ عيني أن تسكبه»

ويظل الشاعر على أمل في اصطياد هذا الجوهر، فالرحلة لا تكتمل إلا بوصول عادل، ويقظة حياتية تعكس يقظة الشعر المتحققة بامتداد النص. يقول في آخر مقاطع النص:

عذراً قهوة الصباح

موعدي اليوم مع رشفةٍ عميقةٍ

من الصباح نفسه»

إنها مشاهد ولقطات وصور، تسللت من وجدان شريف الشافعي بتلقائية وعفوية، لتعبر الآفاق حرة منطلقة بلا قيود، حاملة إلينا زاداً من المشاعر المتدفقة، والخيوط الحالمة، والسبحات التأملية

العدد 3466 - السبت 03 مارس 2012م الموافق 10 ربيع الثاني 1433هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً