العدد 3468 - الإثنين 05 مارس 2012م الموافق 12 ربيع الثاني 1433هـ

الروح بين العقيدة الإسلامية والعلم الحديث (1 - 3)

ماهو الانسان، ومما يتكون، وماهي ماهيته، ومتى نشأ وكيف نشأ، وما هي رسالته في الحياة، وما علاقة جسده بروحه، وماهي هذه الروح. وهل هي النفس كما يطلق عليها البعض؟ أسئلة عديدة، تثار بين الحين والآخر، وخصوصاً في حالة الوفاة، وهي أسئلة تقلق البعض، واجابتها تطمئن البعض الاخر.

لقد اختص الله جل وعلا، علم الروح لنفسه، جاء ذلك في قوله تعالى: «ويسئلونك عن الروح، قل الروح من أمر ربي، وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً» الإسراء، آية 85 .

لذا لا يجوز للمسلم أن يبحث في ماهية الروح، ولكنه يستطيع البحث في مهمة الروح والدور الذي تقوم به، وعلاقتها بالجسد وهل الأرواح بعد انفصالها عن الاجساد تتلاقى مع بعضها البعض كما يتلاقى البشر، وكيف وعلى أي حال تكون عندما ينام الانسان وهل تموت الروح بموت الانسان؟ أم انها خالدة مخلدة؟ اما في الجحيم اذا كانت شريرة أو النعيم اذا كانت خيرة، وما هي درجاتها، وماهي خصائصها وبماذا تتميز، وماعلاقتها بالميت اذا خرجت من جسده خلال قبض روحه، وماعلاقة الروح مع النفس، أم الروح هي نفسها النفس وغير ذلك من التساؤلات.

قصة خلق الانسان: خلق الله الكون، ومن بعده خلق المخلوقات ومنها الانسان على كوكب الأرض منذ ملايين السنين بعد أن هيأ له أسباب الحياة وقد جاء خلق الانسان من مادة الطين، ثم مرره سبحانه وتعالى بعدة مراحل، قال تعالى: «ولقد خلقنا الانسان من سلالة من طين، ثم جعلناه في قرار مكين، ثم خلقنا النطفة علقة، فخلقنا العلقة مضغة، فخلقنا المضغة عظاماً، فكسونا العظام لحماً، ثم أنشأناه خلقاً آخر فتبارك الله أحسن الخالقين، ثم إنكم بعد ذلك لميتون، ثم إنكم يوم القيامة تبعثون» سورة المؤمنون، الآيات من 12 إلى 16 .

هذه هي حقيقة كل انسان؛ إذ بويضة الأنثى يخصبها الحيوان المنوي للذكر من خلال عملية التلقيح الجنسي، فيستقر الحيوان المنوي والبويضة في رحم الأنثى مكونان مخلوقاً آخر هو نواة الانسان الجنيني؛ إذ تبدأ أعضاؤه في التكوين .

وتحسب أنك جرم صغير

ويتكون بدن الانسان من مجموعة من الأجهزة والهيكل العظمي ومجموعة من الغدد والماء واللحم والعظم والدم، وجسم الانسان تدخل في تكوينه مجموعة من المعادن والغازات كالكالسيوم والمغنيسيوم والحديد والبوتاسيوم والصوديوم و الفوسفور والأزوت والكلور وغيرها بنسب متفاوتة، ومن الأجهزة والغدد التي يتكون منها الجسم، الجهاز العصبي، الجهاز التناسلي، الهيكل العظمي، الجهاز التنفسي، ومن أهم الغدد، القلب، الكبد، البنكرياس، الغدة الدرقية وغيرها. هذا هو الانسان الذي هو من أعجب غرائب المخلوقات والذي قال فيه الامام علي بن ابي طالب (ع):

«اتحسب انك جرم صغير

وفيك انضوى العالم الاكبر»

الانسان روح والجسد: إن كل كائن حي يتكون من جسد وروح، الجسد مادة ترى والروح جوهر أثيري مجرد من المادة وهي لا ترى، وكل واحدة متميزة ومستقلة عن الأخرى.

ومن خصائص الجسد أنه يفنى ويتلاشى، أما الروح فهي باقية خالدة لاتموت ولا تفنى، قال تعالى: «نحن قدرنا بينكم الموت، وما نحن بمسبوقين على أن نبدل أمثالكم وننشئكم فيما لا تعلمون» الواقعة، الآيات 60، 61. إذن الجسد هو الذي يفنى أما الروح فخالدة مخلدة، ومن خصائصها أي الروح بالاضافة الى الخلود، أن الله خلقها قبل أن يخلق البدن؛ إذ يخلق الروح جل وعلا ثم يخلق لها البدن الذي يناسبها، ومن خصائصها أيضاً أنها على نوعين، طيبة و شريرة، كما أن الروحين الطيبة والشريرة على درجات من الخير والشر، ومن خصائص الروح أنها الطاقة الحيوية التي تحرك البدن وتهبه الحياة بإذن ربها؛ إذ هي مصدر الأفعال والأقوال والأحاسيس والمشاعر الانسانية، وما البدن إلا أداة وآلة تأتمر بالروح فتصدر الأعمال المادية والأقوال المعنوية، وكلما سما الانسان باخلاقة وقيمه من خلال مراقبة النفس ومحاسبتها تقرب إلى الله عز وجل أكثر فأكثر حتى يصبح من أولياء الله الصالحين الذين لاخوف عليهم ولاهم يحزنون.

من محطات الروح

عندما تنفصل الروح عن الجسد تبقى تحوم حول صاحبها وحول أهله وعشيرته وأحبائه؛ إذ تكون معهم في ظروفهم الصعبة وتلحظ المأساة التي حلت بهم بعد انفصالها عن الجسد، كما تلحظ تشييع الميت وتغسيله وتكفينه والصلاة عليه ووضعه في القبر، وبعد ذلك تبقى حية في عالم البرزخ وهي الفترة التي تبدأ من انفصالها عن الجسد وحتى قيام القيامة، وكلمة برزخ لها معنيان لغوى واصطلاحى؛ إذ المعنى اللغوي يعني الحاجز والمانع والحاجب بين شيء وآخر كما هو حال بياض البيضة وصفارها، والمعنى الاصطلاحى وهو المعنى الديني الذي يعني المدة الزمنية بين العالم الفاني والعالم الباقي.

وقد جاء في العديد من الروايات التي اعتمدت لدى المسلمين، أن الروح في هذه المدة تمارس حياتها البرزخية من ذلك مانقله الإمام عبدالله بن القيم الجوزية نقلاً عن ابن عبدالبر الذي قال: ثبت عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: «وما من مسلم يمر على قبر أخيه المسلم الذي كان يعرفه في الدنيا فيسلم عليه إلا رد الله عليه روحه حتى يرد عليه السلام».

و نقل عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أنه وقف على أجساد قتلى بدر من أهله وأصحابه وناداهم باسمائهم قائلاً لهم: «هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقاً، فاني وجدت ما وعدني ربي حقاً»، ثم قال مخاطباً أصحابه الأحياء: «والذي بعثنى بالحق ما أنتم باسمع لما أقول منهم، ولكنهم لا يستطيعون جواباً»، ومن أقواله صلى الله عليه وآله وسلم: «إن الميت يسمع قرع نعال المشيّعين له إذا انصرفوا عنه».

ولهذا طلب رسول الله (ص) من أمته إذا مروا على أهل القبور أن يسلموا عليهم سلام من يخاطبونه فيقول: «السلام عليكم دار قوم مؤمنين».

ويعقب ابن القيم الجوزية على أحاديث الرسول فيقول: «والسلف مجمعون على هذا وقد تواترت الآثار عنهم بأن الميت يعرف زيارة الحي له ويستبشر به».

ولهذا كان المسلمون الأوائل من المهاجرين والأنصار كما نقل الشعبي إذا مات لهم ميت انتقلوا إلى قبره يقرأون عنده القرآن

العدد 3468 - الإثنين 05 مارس 2012م الموافق 12 ربيع الثاني 1433هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً