العدد 3468 - الإثنين 05 مارس 2012م الموافق 12 ربيع الثاني 1433هـ

تاريخ مصر كما سجَّله «موظف» قبطي

يسجِّل المؤرخ القبطي ساويرس ابن المقفع الذي عاش في القرن العاشر الميلادي كيف تعامل المسلمون والمسيحيون في مصر منذ القرن السابع الميلادي؛ إذ لم يكن تولي المسيحيين مناصب عليا في إدارة الدولة أمراً مستغرباً. ويرصد في لغة عربية تمتاز بخفة الظل مقارنات بين قسوة الاحتلال الروماني المسيحي للبلاد وبين تعامل المسلمين مع المسيحيين؛ إذ كان هرقل «يبلي أهل مصر بلايا صعبة وكمثل الديب الخاطف كان يأكل القطيع الناطق ولا يشبع» وفي ذلك الوقت كان البطريرك بنيامين هارباً ومطارداً.

ويضيف أن رجلاً من العرب «ثار... اسمه محمد. فرد عباد الأوثان إلى معرفة الله وحده وأن يقولوا إن محمد رسوله» وأنه بعد دخول العرب إلى مصر تعاون موظف بيزنطي اسمه سانوتيوس مع عمرو بن العاص وأخبره بسبب اختفاء «الأب المجاهد بنيامين البطرك وأنه هارب من الروم خوفاً منهم فكتب عمرو بن العاص إلى أعمال مصر كتاباً يقول فيه: «الموضع الذي فيه بنيامين بطرك النصارى القبط له العهد والأمان والسلامة من الله فليحضر آمناً مطمئناً ويدبر حال بيعته وسياسة طائفته. فلما سمع القديس بنيامين هذا عاد إلى الإسكندرية بفرح عظيم بعد غيبة 13 سنة منها عشر سنين لهرقل الرومي الكافر وثلاث سنين قبل أن يفتح المسلمون إسكندرية» مقر الكنيسة المرقسية الأرثوذكسية إلى الآن. ويسجل ساويرس أن القديس بنيامين قابل ابن العاص ثم «جلس هذا الأب الروحاني بنيامين البطرك في شعبه دفعة أخرى بنعمة المسيح ورحمته. فرحت به كورة مصر كلها وجذب إليه أكثر الناس الذين أضلهم هرقل الملك المخالف وكان يجذبهم للرجوع إلى الأمانة المستقيمة بسكينة ووعظ وملاطفة وتعزية».

ومخطوطة «تاريخ البطاركة» لساويرس ابن المقفع أعدها وعلق عليها الكاتب المصري عبد العزيز جمال الدين في كتاب موسوعي عنوانه «تاريخ مصر» سجل فيه أن ساويرس «لم يوجد في عصره من يضاهيه في معرفة الكتاب المقدس» وأنه كان يهدف من تسجيل سير البطاركة إلى تمجيد الدين المسيحي والإشادة بالمذهب الأرثوذكسي أو «الأمانة المستقيمة» وأنه كان يمزج أحياناً بين الدين والتاريخ وكرامات بعض البطاركة.

والكتاب الذي نشرته الهيئة العامة لقصور الثقافة بمصر يقع في عشرة أجزاء تضم نحو ستة آلاف صفحة كبيرة القطع تحت عنوان فرعي هو «من بدايات القرن الأول الميلادي حتى نهاية القرن العشرين من خلال مخطوطة تاريخ البطاركة لساويرس ابن المقفع».

وقال جمال الدين إن مخطوطة «تاريخ البطاركة» لابن المقفع تعد أكبر المخطوطات من حيث الفترة التاريخية التي تغطيها ولكن معظم مؤرخي مصر يتجاهلونها لأسباب منها الظن بأنها تخص تاريخ بطاركة الكنيسة المصرية وليس التاريخ المصري.

وأوضح أن كاتب المخطوطة ولد العام 915 ميلادية من أب لقب بالمقفع على غرار عبدالله بن المقفع مترجم كتاب «كليلة ودمنة». وقال إن ساويرس كان كاتباً بارزاً في الجهاز الإداري للدولة وترقى لأعلى المناصب في عهد المعز لدين الله الفاطمي ثم تخلى عن وظيفته ليترهبن في أحد الأديرة وأنه في ظل الرهبنة أتقن علوم الكتاب المقدس وألف فيها كتباً بالعربية منها «الدر الثمين في إيضاح الاعتقاد في الدين» وأنه كان يترجم من اللغة القبطية إلى العربية.

وأضاف أن ساويرس سجل تسامح الخلفاء الفاطميين؛ إذ «أصبح جميع مقدمي المملكة والناظرين في دواوينها وتدبير أمورها كلهم نصارى» إذ شغل المسيحيون كثيراً من الوظائف المالية والإدارية العليا وازداد نفوذهم في ظل السلطة الإسلامية. وقال إن بعضهم أصبحوا وزراء «بسبب عدم كفاءة الجهاز الإداري الإسلامي وحاجته إلى خبرات غير المسلمين في إدارته. وكان هذا يؤدي في بعض الأحيان إلى احتجاج فقهاء الدين».

ويسجل ساويرس أن الرب «أعطاه نعمة وقوة في اللسان العربي» حتى إنه جادل قضاة من المسلمين بأمر من المعز لدين الله الفاطمي «فغلبهم بقوة الله ونعمته». ويسجل أيضاً ما يمكن اعتباره شهادة في حق المصريين؛ إذ كان المعز لدين الله الفاطمي «كلما أراد أن يعمل شيئاً كعادته في الغرب يمنعه منه جوهر (الصقلي قائد الجيش الذي دخل مصر) بلطف وسياسة ويقول إن أهل مصر قوم فيهم مكر وفطنة لا يخفى عنهم شيء فكأنهم يعلمون الغيب»

العدد 3468 - الإثنين 05 مارس 2012م الموافق 12 ربيع الثاني 1433هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً