العدد 1444 - السبت 19 أغسطس 2006م الموافق 24 رجب 1427هـ

«العهد الدولي»... بهرجة إعلامية أم استحقاقات وطنية؟

«عهد الحقوق المدنية و السياسية» بين المتفائلين والمتشائمين

هناك من يرى أن مملكة البحرين وقعت عليه لتزيد من غلة الحملات الدعائية لدى الأسرة الدولية، وهناك من يرى أنه يأتي ضمن منظومة الاستحقاقات الوطنية ليكمل مع بقية الاتفاقات والمواثيق حلقة صون حقوق الإنسان... العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية هل هو مجرد إعلان معلق؟ أم أن البحرين أمام تطورات في مجال الحقوق السياسية والمدنية؟ وماذا عن التحفظات التي أبدتها المملكة على بعض بنود العهد؟ هل تجاوزتها لغرض في «نفس يعقوب»؟ أم أن لها رأياً آخر...؟

وفي هذا السياق، يؤكد النائب محمد آل الشيخ أن «العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية يحوي الكثير من الحقوق والمكتسبات، كتلك الحقوق الخاصة بالترشيح والحقوق المدنية ذات الصلة بالحياة، والعيش بكرامة، وغيرها من المبادئ والأسس العالمية التي من خلالها يستطيع الإنسان أن يتمتع بقدر من الحقوق، التي تضمن وتوفر له مستوى عيش كريم». وأضاف «ويبقى الجانب الأهم هو جانب الرقابة على الحكومة، والتنفيذ من قبل الحكومة، بالتالي فإن الحكومة مطالبة أمام الجمعية العمومية في منظمة الأمم المتحدة برفع تقارير دورية عن مستوى ضمان القيام بتنفيذ هذه المواد على أبناء الشعب، أي أنها مطالبة بإثبات وجود إجراءات تنفيذ قامت بها».

واعتبر أن هذا العهد وبمقتضى التصديق أصبح ساري المفعول، ما من شأنه أن يرفع من مكانة البحرين الدولية ويستكمل التشريعات الدولية، الأمر الذي يجعل التصديق عليه ملزما لأن تكون كل بنود الاتفاق وأحكامه بمثابة قوانين وطنية يتوجب العمل بها فور إقرارها.

إشراك جمعيات المجتمع المدني... ضرورة

ومن جانب آخر يرى آل الشيخ «ضرورة إشراك جمعيات ومنظمات المجتمع المدني في الرقابة على مدى تطبيق وإعمال ما جاء في هذا الاتفاق، وهو دور مهم لابد أن تباشره هذه المنظمات للتأكد مما إذا كان هناك وفاء من قبل الحكومة فيما يتعلق بتنفيذ ما جاء في هذا العهد».

ويرى آل الشيخ أن «هناك قضية لا يمكن إغفالها فيما يتعلق بموضوع التصديق، تتمثل في أننا يجب أن نلمس الكثير من التغيرات بعد عملية التوقيع، فالعهد يحوي الكثير من الحقوق، ما يستوجب معه تغيير تلك القوانين المتعارضة مع هذا العهد من جانب، واستكمال القوانين الناقصة من جانب آخر، حتى لا يكون التصديق من قبل الشعارات والمتطلبات الشكلية، لذلك فإننا نأمل أن نرى تغيراً ملحوظاً على صعيد الحقوق المدنية والسياسية المتاحة لنا كبحرينيين، كتلك المتعلقة بحرية الرأي والتعبير، وحق التجمهر، ما يجعلنا نتوقع أن تكون هناك انعكاسات واضحة وملموسة في الارتقاء بنوعية الحقوق التي يتمتع بها المواطن البحريني».

وأكد آل الشيخ «ضرورة وجود شراكة حقيقية من قبل الجانب الرسمي مع منظمات المجتمع المدني، وذلك أثناء تقديم التقارير الدورية، فلابد أن يتم الأخذ في الاعتبار وجود وجهات نظر قد تكون مغايرة لتلك التي تنقلها الحكومة في تقاريرها، وهو ما يدعم مبدأ الرقابة الداخلية التي نطالب بوجودها من قبل هذه المنظمات أثناء تنفيذ مقررات هذا العهد».

وفيما يتعلق بما تم تمريره من قوانين تتعارض مع هذا العهد بين آل الشيخ أن «خطة التوقيع لم تكن موفقة في إقرار بعض التشريعات، كقانون التجمعات، وقانون مكافحة الإرهاب، وقانون مباشرة الحقوق السياسية، فما أكده العهد هو أهمية تمتع المواطن بهذه الحقوق، والتي تعتبر حقوقاً أصيلة يجب ألا تنتزع، وإن تم انتزاعها فيجب ألا تمس بجوهر الحق».

ويواصل «من أبرز الأمثلة، حق المواطن في الحصول على المعرفة والمعلومة، كأحد أبرز الحقوق المدنية والسياسية التي لا يجوز مصادرتها، إلا أننا نأسف للخطوات التي قامت بها وزارة الإعلام من حجب موقع (غوغل إيرث) و(غوغل فيديو)، فهي مواقع وطنية بمثابة أجواء يعبر خلالها مختلف الفرقاء عن وجهة نظرهم، وخصوصاً في ظل الأجواء الديمقراطية التي تتمتع بها المملكة، والتي تشكل نموذجاً قوياً تمت الإشادة به دولياً في محافل شتى، ما يحملنا ككيان سياسي مسئولية التحلي بالشجاعة في إتاحة الحقوق السياسية».

غازي: البحرين بيئة مواتية لتطبيق «العهد الدولي»

من جهته، يرى النائب فريد غازي أن «صدور المرسوم الملكي المتعلق بالعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الذي اعتمدته الجمعية العامة للأمم المتحدة بتاريخ 16 ديسمبر/ كانون الأول في العام 1996، يعتبر خطوة جيدة كنا في انتظارها في البحرين، وذلك لاكتمال منظومة التشريعات التي تعنى بحقوق الإنسان، سواء بالنسبة إلى المرأة البحرينية أو الرجل أو الطفل وذلك لحفظ كرامة المواطن البحريني وصون حقوقه وهذه المراسيم تعزيز لهذا النهج من دون أدنى شك».

وفيما يتعلق بالنظرة التي ترى أن البحرين غير مؤهلة لتطبيق العهد الدولي الخاص بالحقوق السياسية والمدنية، يقول غازي: «منذ بدأ المشروع الإصلاحي لجلالة الملك، وخلال السنوات الست الماضية، أثبتت البحرين بما لا يدع مجالاً للشك أنها بيئة ملائمة لتطبيق جميع القوانين والمواثيق المتعلقة باحترام حقوق الإنسان».

ويؤكد «هناك أدلة كثيرة تدعم هذا الطرح، منها تفعيل المؤسسة الدستورية، وتأسيس النيابة العامة في 2002 وإطلاق الحريات للصحافة، وإعلاء شأن المرأة بشكل كبير جداً إذ أصبحت تنال حقوقها وتشارك في الانتخابات، هذا إلى جانب وجود كل الاتفاقات التي تحمي الطفل، وعموماً نرى أن البحرين مؤهلة... صحيح أننا لسنا في مجتمع مثالي أو في مدينة فاضلة، ولكن الأمور تأتي بالتدرج، والبحرين حققت الكثير من المنجزات التي لا يمكن نكرانها، وإذا كان هناك من يرى عكس ذلك عليه أن يسعى إلى تحقيق ما يرنو إليه من خلال التشريعات الموجودة والتعاون بدل العمل الفردي المتشتت هنا وهناك».

الإسراع في التوقيع على «عهد الحقوق الاجتماعية والاقتصادية»

ويدعو آل الشيخ إلى «الإسراع في التوقيع على العهد الدولي الثاني والخاص بالحقوق الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، فهذا العهد يكرس ويعزز الحقوق الاقتصادية كحق الأجر العادل، وحق العمل، وحق الإجازات، وحق الرعاية الصحية، وحق تأسيس وتشكيل النقابات، وهي من أكثر المشكلات التي يعاني منها المجتمع البحريني، والتي تنصب في نهاية المطاف في مكافحة الفقر، ممثلة أبرز المحطات التي اهتمت بها المنظمات الدولية، وأفردت لها الكثير من الاتفاقات، وبالتالي فإن هذا العهد من أهم الاتفاقات الدولية التي نطالب الحكومة بالانضمام إليها، من أجل معالجة مسألة مكافحة الفقر».

وفيما يتعلق بالتحفظات التي أبداها مجلس النواب إزاء بعض بنود العهد، نوه آل الشيخ بأن «وجود التحفظات عادة ما يفرغ الاتفاق من مضمونه الحقيقي، بالتالي فإننا كأقلية في المجلس النيابي كان من وجهة نظرنا التخلص من هذه التحفظات، اللهم ذاك المتعلق بما يتعارض مع الدين الإسلامي، إذ إن كثرة التحفظات يفرغ العهد من محتواه، إلا أنه من الناحية القانونية فإن هذه التحفظات لا تمس ما يتضمنه العهد من مواد وأسس وقوانين، إلا أننا كنا نأمل أن يتم التصديق من غير تحفظات لكي نكون في مصاف الدول المتقدمة».

واستطرد «في مرحلة التنفيذ، لا أتصور وجود أي نوع من أنواع المعوقات، إلا في حال اتجهت رغبة الجهات الرسمية نحو التنفيذ الانتقائي، بحيث تنفذ ما تشاء، وتركن على الجانب الآخر ما لا تود تنفيذه. وفي حال عدم توافر بعض الأدوات، فأعتقد أنه من السهولة بمكان توفيرها، فالأمم المتحدة لا تقبل بانضمام دولة إن لم تكن تملك تلك الأدوات فعلياً. من جانب آخر، الحكومة ملزمة بتقديم تقارير، ما يجعل من مصلحتها ككيان سياسي أن تقوم بعملية التنفيذ بأمانة، فالأمر لا يتعلق بقضية وطنية، وإنما بمكانة البحرين لدى الأسرة الدولية».

وفيما يتعلق بكون العهد الدولي مجرد إعلان دعائي تتخذه الدولة اعتبر آل الشيخ أننا «كشعب نستطيع إجبار الحكومة على الانصياع لما في العهد من أحكام، حتى لو اتجهت الحكومة نحو التنفيذ الانتقائي، لذلك فمن الممكن أن يكون التصديق بهرجة إعلامية ليس إلا، لكننا نستطيع بإرادتنا الوطنية استخلاص ما يجبر الحكومة على التنفيذ. فمن ضمن ما نستطيع تحقيقه من خلال هذا العهد إيجاد حلول لكثير من الملفات العالقة، كذاك المتعلق بالعائدين للوطن، وقضية ضحايا التعذيب، والمفصولين عن العمل إبان قانون أمن الدولة. هذه الملفات عالقة، ونستطيع من خلال العهد الخاص بالحقوق المدنية والسياسية إيجاد حق قانوني يكفل حقوق هذه الفئة من الناس».

حلحلة الملفات العالقة

واستطرد «في الجانب الآخر، لدينا قضية العاطلين عن العمل، وقضايا الأجر المتدني، وهي من المسائل التي يمكن إيجاد حلول لها من خلال العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، من خلال الدراسة القانونية المحضة، وبإعداد الملفات نستطيع انجاز الكثير».

من جهته، يرى غازي أن البحرين تحوي الكثير من الملفات الساخنة «في السابق كانت لدينا ملفات ساخنة حلت، منها: العمل بالدستور وملف المبعدين الذين عادوا لأرض الوطن، وملف إطلاق سراح السجناء، وإعادة العمل بالحياة السياسية، وبقيت ملفات كثيرة مطروحة على الساحة المحلية مثل ملف البطالة وملف الصحة والتعليم والإسكان... ما نريد أن نصل إليه هو أن بعض الملفات بحاجة إلى أن نتعامل معها بواقعية وهذا لا يأتي من خلال التشكي والتباكي بل بالعمل الجاد. وأعتقد أن 50 في المئة من الملفات العالقة تم حلها خلال الفترة الماضية، ولكن المشكلة أن لدينا ملفات تتجدد كالبطالة والإسكان، وهذه الملفات هي صراعات أجيال متعاقبة، وأتمنى من الجميع تعزيز الثقة بين الحاكم والمحكوم ونتمنى أن يسهم العهد الدولي الخاص بالحقوق السياسية والمدنية في حلحلة هذه الملفات وهي فرصة مواتية لاستغلال ما يمكن استغلاله لتدعيم حقوق الإنسان، وبتعاون الجميع ستحل الكثير من القضايا والملفات العالقة».

ويوضح غازي «صحيح أن هناك أزمة ثقة بين الحاكم والمحكوم في البحرين وهو أمر لا يمكن إنكاره، ولكن أزمة الثقة كانت موجودة في السابق بصورة كبيرة، ولكن ما حدث من منجزات على الصعيدين المحلي والعالمي في جميع المجالات كان مدعاة إلى تقليل الهوة في أزمة الثقة، ولم يعد هناك مكان للادعاءات التي ترى بأن البحرين تطلق الحملات الدعائية الإعلانية من خلال توقيع المواثيق والمعاهدات. وأعتقد أن من ينادي بذلك لديه طموحات للوصول إلى المدينة الفاضلة وهو أمر مستحيل، والكمال لله وحده... هناك نواقص وهي موجودة في كل بلدان العالم حتى تلك التي تتغنى بالديمقراطية، ولا يمكن أن نجد مجتمعا خالياً من المشكلات. ولنطرح مثالاً بسيطاً: كثيرون شككوا في التجربة البرلمانية، وكثر القيل والقال وقيل فيها ما يملأ المجلدات، ولكن من شكك فيها يعود اليوم ليعلن أنه سيرشح نفسه والآن سيشاركون ويسهمون في العمل الديمقراطي الذي شككوا فيه في يوم من الأيام».

ويستطرد «مجتمع البحرين يتدرج من الأفضل إلى الأفضل، ونحن نحترم الآراء المخالفة، ونؤكد أن الحياة صراع وجهاد، والحياة فعل، واللافعل هو الأمر غير المطلوب، وعلى جميع الأطراف أن تعمل وفق منظومة واحدة، والأهم من ذلك أن نحول الدستور إلى كائن حي».

ويبقى أن تظهر آثار - أو بعض منها - العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية بعد أن صدر بمرسوم من جلالة الملك، فهل ستكمم أفواه المشككين؟ أم أن العهد سيكون كما ذهبوا إليه بهرجة إعلامية إعلانية! والأهم من ذلك متى سيرى العهد الخاص بالحقوق الاجتماعية والاقتصادية والثقافية النور؟

العدد 1444 - السبت 19 أغسطس 2006م الموافق 24 رجب 1427هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً