العدد 1448 - الأربعاء 23 أغسطس 2006م الموافق 28 رجب 1427هـ

أصيلة تحتفي بالشاعر والرئيس السنغالي سانغور في الذكرى المئوية لميلاده

كان الراحل يدعو لدمج الحضارات لا اندماجها...

أصيلة (شمال المغرب) - المصطفى العسري 

23 أغسطس 2006

يظل الرئيس والشاعر السنغالي الراحل نيوبولد سيدار سانغور من المناضلين المتنورين الأفذاذ والأصوات الشعرية القوية الذين أنجبتهم إفريقيا، وهو المعروف بعبارته الشهيرة «اختار قصائدي، ففيها جوهري»، لهذا خصصت أصيلة موسمها الثقافي لهذا العام لتكريم هذه الشخصية الإفريقية إلى جانب المفكر والسياسي المغربي عبد الهادي بوطالب.

وقد انطلقت الندوة التكريمية لسانغور بمركز الحسن الثاني للملتقيات الدولية بإعادة قراءة رسالة الرئيس السينغالي عبدولاي واد التي اعتبر فيها أن مدينة أصيلة تجسد التمازج الثقافي، وأن موسمها موعد للأخذ والعطاء، وهي المدينة التي طالما عشقها ليوبولد سيدار سانغور، مشيرا إلى أن هذا التكريم مبادرة تفرض نفسها لرجل مميز.

وأضاف الرئيس السينغالي، في هذه الرسالة التي تلاها وزير الخارجية السينغالي الشيخ تيديان غاديو، أن إحياء ذكرى الرئيس الشاعر سانغور الصديق القديم للملك الراحل الحسن الثاني، في أصيلة مدينة الفنون والثقافات بالمملكة المغربية يحمل أكثر من دلالة إذ يلتقي الإرث العربي والروماني والقرطاجي والبرتغالي وكذا الإسباني، مؤكدا أن سانغور كان سيود العودة إلى أصيلة ويكون من بين المشاركين في هذه اللحظات ليتقاسم معهم ولعه بالفنون ويناقشهم في قضايا تهم الحضارة العربية - الأمازيغية ويقحمهم بحكمته في عالم الصور والإيقاعات والأشكال التي يدرك كنهها الشاعر المبدع ويطرح موضوع الحضارة الكونية الذي شكل حلم حياته.

فسانغور المثقف ورجل الثقافة بامتياز، يضيف الرئيس واد، كان رجل سياسة ورجل دولة عظيم، وحتى معارضوه سيكونون مضطرين لـ «إعطاء سيدار ما هو لسيدار» اعترافا بإسهامه الكبير في بناء أمة سينغالية موحدة بتعدديتها ودولة منظمة محترمة ومستقرة.

الغائب الحاضر

أما الرئيس المؤسس لمنتدى الفكر العربي في الأردن وولي العهد الأردني السابق الأمير الحسن بن طلال فقد قال في حق المحتفى به «إن سانغور قدم لنا الكثير من الأفكار التي تستوقفنا وتدفعنا إلى الفعل والعمل، غاب عنا لكنه لا يزال حاضرا في وجداننا، ومن منا لا يذكر مقولته (أنت أسود أي أنت جميل) وهي رؤيا خاصة للعالم بتقسيماته وجغرافيته».

وأضاف الأمير الحسن بن طلال، في هذه المداخلة التي ألقاها بالنيابة عنه سفير الأردن بالمغرب نبيل الشريف، أن «العلاقات العربية الإفريقية تحتل مكانة عالية في تفكيرنا وقلوبنا»، معربا عن الأمل في أن يتحقق المزيد من التكامل وتعزيز التعاون المشترك بين الطرفين في المسارات الاقتصادية والثقافية والعلمية والفنية.

وذكر، في هذا الصدد، بدعوة سانغور إلى قيام نظام ثقافي عالمي جديد مبني على الاحترام المتبادل بين الثقافات ودعوته إلى الحضارة الكلية وترديده في كل مناسبة «نعم للدمج لا للإدماج».

وفي مداخلة فيها من الامتنان والاعتراف بعظمة هذا الرجل، تحدث المدير العام السابق لمنظمة اليونيسكو وأحد أعضاء حكومة سانغور السابقين المختار امبو، عن إسهام هذا الأخير في الحضارة الإنسانية وباهتمامه بالثقافة الإفريقية في الوقت الذي كان فيه الاستعمار يعتبر أن الشعوب المستعمرة ليست لها حضارة وأنها أتتها عبره، فكان سانغور، يضيف امبو، يشدد على أن الشعوب لها أن تختار ما يلائمها من الحضارات الأخرى وترفض ما يتعارض معها.

وأبرز امبو دور سانغور في حصول السينغال على استقلالها وتكريس التضامن بين الشعوب الإفريقية واعتراضه على بلقنة القارة السمراء، مستعرضا نشاطاته السياسية وتحركاته المكثفة ومساعيه المهمة في التعريف بالحضارة الإفريقية وبشعوبها، مضيفا أن سانغور كان قدوة يحتذى به في جمعه بين السياسي والمفكر الذي ينبض شعرا وحكمة حاول بها التقرب من معارضيه عبر الحوار والبحث عن سبل توفيقية ليس سوى لتوحيد إفريقيا.

من جانبه، أعلن المندوب العام لسانغور روجي ديهايبي أن 20 دولة عربية وأجنبية خصصت 200 تظاهرة ثقافية لتكريم سانغور واستحضار إنجازاته، مشيرا إلى أن المحتفى به أدرك العولمة قبل ظهورها كواقع يميز القرن الـ 21 ودعم مفهوم حوار الثقافات.

سانغور «المدرسة»

أما وزير أول سابق في حكومة سانغور مصطفى نياس، وبعد أن استعرض مختلف المحطات التي قضاها إلى جانب سانغور كوزير وكمدير لديوانه، فقد اعتبره مدرسة نهل منها الكثير وشخصية متعددة تضم الشاعر والكاتب والفيلسوف والمنظر السياسي ثم الرجل العملي ورجل الدولة والرجل العمومي، وأضاف «أن أجيال اليوم والغد من المؤكد أنهم سيثيرون ويناقشون ويحللون إبداعات سانغور وكتاباته المتنوعة والمتميزة باهتمام وعمق لكونها متعددة الأبعاد وغناها ليس له حد».

الشهادات في حق سانغور لم تقتصر على محبيه ومؤيديه، بل جاءت حتى على لسان أشد معارضيه السياسيين وهو الكاتب والفيلسوف السينغالي حميدو ديا الذي قال إن سانغور وأصدقاءه سيزار ودماس فتحوا من باب الأدب الكوني قارة جديدة وإنه إذا كان لديه وعي شفاف كونه «زنجياً قحاً» فإلى هؤلاء يعود الفضل في ذلك، معتبرا أن الهويات إذا كانت في الوقت الراهن ضعيفة والمواطنات الصغيرة مهددة بعولمة خطيرة وهدامة، فإن رسائل هؤلاء الثلاثة قوية تحث على إعادة قراءتها، مشيرا إلى أن سانغور كان رجل القضايا والكفاحات الكبرى وزنجيته كانت مفهوما جديدا للإنسانية مبنية على رماد الأنتربولوجيا الاستعمارية.

أما الصحافي الفرنسي جون ميشيل دجييان مؤلف كتاب «ليوبولد سيدار سانغور : تكون الخيال الفرنكفوني»، فتحدث عن سانغور من منطلق مقارنته مع زعماء مثل ماو الثوري الذي زعم أنه شاعر ودوغول الذي كان كاتبا ممتازا وكذا ميتران، معتبرا أن هؤلاء كانوا رجال دولة واختاروا إيديولوجية تناسب توجهاتهم، أما سانغور الذي لم يختر أي إيديولوجية، فقد اختار ثلاثة أبعاد مغايرة عاشها بشكل متواز وشكلت قوته وحضوره، موضحا في هذا السياق، أن سانغور تعامل مع مصيره كرجل دولة وأسس أمة ومنحها كل الطموحات وفهم أن جوهر هذا المصير مرتبط بالكلمة العميقة، لذلك، يضيف جون ميشيل، أن سانغور كان إنسانا استثنائيا ومعلما يحمل رؤى بعيدة وقيماً يفتقد إليها اليوم رجال الساسة الكبار الذين لم يتمكنوا من منح شعوبهم حلم البناء.


معرض سانغور يختزل حياة رجل متعدد

وفي محاولة لإبراز جوانب من حياة الشاعر الرئيس ليوبولد سيدار سانغور أقيم معرض في أصيلة اختزل جوانب من حياة هذه الشخصية الافريقية الفذة ذات البعد الإنساني.

ويمنح المعرض الزائر فرصة الاطلاع عن قرب على مسيرة سانغور العبقري عبر استعراضه للصور والكتابات والأشعار واستماعه في الآن نفسه إلى تسجيل صوتي له وهو يلقي شعرا ويتحدث عن رؤيته الثاقبة إلى العمق الإنساني وعن بعض أحلامه ومشروعاته السياسية التي ظلت قائمة ومرجعية قوية لا تلين كشعره وحكمه وفكره في ربط جميل ما بين الصورة والمكتوب والمسموع.

وشكل هذا المعرض الذي استحضر بمحتوياته روح سانغور، شريطا حقيقيا يختزل مسيرة رجل مختلف من خلال صور وهو رفقة الكثير من الزعماء والقادة والرؤساء من القارات الخمس من ضمنهم على الخصوص الزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات والرئيسين جمال عبدالناصر وأنور السادات وملوك ورؤساء عرب وشارل دوغول وجورج بومبيدو وجون كينيدي، والعاهل المغربي الراحل الملك الحسن الثاني.

كما أن المعرض تضمن صورا لسانغور بشموخه واعتزازه بافريقيته منذ كان شابا يافعا مدافعا عنها وعن مبدأ التمازج الثقافي والنهل من ثقافات العالم وأخرى مع رفيقة دربه زوجته كوليت وأبنائه غي وفرانسيس وفيليب والرسالة القوية التي تركها لهم من أجل استكمال رسالته الإنسانية.

واشتمل المعرض على نصوص شعرية قوية لسانغور في ملصقات كتبت بأحرف كبيرة وواضحة مزينة بصور للفنان التشكيلي مارك شاغال تثير اهتمام الزائر وتفتح شهيته لقراءتها والغوص في أعماقها.

فالشاعر والكاتب والمفكر، هي المميزات التي اجتمعت في سانغور من دون منازع، جعلت كتاباته متنوعة ومنفتحة على كل الآفاق تعرج على دروب السياسة والفكر ثم الشعر الفياض الذي انحاز إليه بقوة في أحد الأيام عندما سئل وهو بعد رئيسا للسنغال عن اختياره بين أن يكون سياسيا أو أستاذا جامعيا أو شاعرا، ليظل صوته وسط هذا الصخب والفوضوية التي عمت العالم، جوهريا عاليا متجاوزا كل الحدود الممكنة أو المفروضة.

ولتقريب جمهور موسم أصيلة الثقافي من بعض أعمال سانغور تم عرض عدد من مؤلفاته كـ «حرية 5... حوار الثقافات» وما كتب عنه كمؤلف «سانغور... الوقت الثالث» لروبير جواني وآخر حول «ليوبولد سيدار سانغور... الرئيس الإنساني» لكريستيان روش والذي أخرج غلافه الرئيس السابق عبدو ضيوف وكتاب عن كفاحه ودفاعه عن حضارة السود وترجمات لأشعاره بالعربية والإنجليزية ووثائق هامة احتفظ بها سانغور.

ويبرز هذا التنوع في الكتابات أن سانغور الذي توفي في دجنبر 2001، كان يسعى في بحثه عن حرية في المعتقد والفكر لأبناء أفريقيا وعن تراثهم وطرح أسئلة حول هويتهم وملامح ثقافتهم فكان في بداية الأربعينيات من القرن الماضي من قادة أدب جديد في القارة عرف بـ «أدب الزنوجة» فاعتنق هذا الاتجاه إلى جانب رفيقه الشاعر المارتينيكي إيمي سيزار الذي كان عضوا ملتزما في الحزب الشيوعي الفرنسي وشغل منصب عمدة بورت دو فرانس «عاصمة المارتينيك».

ويروي سيزار حكاية ميلاد هذا المصطلح فقال في حديث نشرته صحيفة «لوموند» إنه كان يوما في باريس فسأله فرنسي متهكماً قائلاً: «ماذا تفعل أيها الزنجي هنا»، وعندما روى الحكاية إلى صديقه سانغور قال له «سنستخدم هذا المصطلح إيجابيا بدل أن يكون في أفواه العنصريين جزءا من السباب والشتيمة»

العدد 1448 - الأربعاء 23 أغسطس 2006م الموافق 28 رجب 1427هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً