#محفوظ ورطة قديمة اقتحمتني في وقت لم أكن أعرف فيه ماذا يعني هم الكتابة، ماذا يعني أن يهدينا رجل العالمية ونوبل!#
كنت أعرف فقط بأنني أقترف ترف الغواية بين أسطره، والالتحام بين صفحات دفتي كتاب في متعة متواصلة، تعرفت عليه من خلال خان الخليلي، زقاق المدق والكثير من العناوين التي لا تفارقني، اقترب محفوظ من إنسانيتنا كثيرا حين نزل بنا إلى شوارع القاهرة عايشنا وعشناه في كل التفاصيل حتى أننا رأيناه، عرفناه، لمسناه
من دون أن نفعل، نجيب محفوظ الاسم الذي يجب أن لا نتوقف عند رثائه لأن أمثاله لا يموتون بل يتركون لنا الثراء الأكثر اتساعا في البحث عنهم بين إرثهم الكبير.
أكاد أجزم بأن الرحيل لا يعرف أي جيب شق من جلباب الإبداع، تاركا إيانا في صدمة السؤال: هل سيولد في وطننا العربي محفوظ آخر؟!
ريم اللواتي
شاعرة عمانية
ربما لم يكن نجيب محفوظ ليعني لي شيئاً، لولا المكتبة التي تفتحت عيناي عليها، مكتبة أخواتي، أصبح محفوظ بعدها ذاكرة طفولة، ذاكرة منغمسة بلحظات القراءة الأولى للسرد، ولأن محفوظ كان ينقل حياة الفقراء والطبقة العاملة، كان يتكلم عن البشر العاديين، مقابل ثقافة يستوردها التلفاز، تنشر ثقافة الخارق، وثقافة ترشح من جنبات تاريخ غابر، يتحدث عن أبطال أسطوريين، أصبح نجيب محفوظ أصابعنا التي تتحسس جسد الواقع، لذلك لم يكن نجيب محفوظ في نظري رائعاً لأنه عبقري ومتفرد، فهو الذي أصر على التعامل مع الناس بما هم، ولكن جماليته بالنسبة الي فتح نافذة مختلفة، أو رصف طريق لممكن آخر، غير البطل الخارق.
هذا الرجل البالغ من العمر الخامسة والتسعين شكل انعطافة ملفتة في السرد المصري، وحتى المشهد السردي العربي، ولعل دخول رواياته الشاشة الفضية كأفلام، جعل من تناول نجيب محفوظ كروائي بعيداً عن الهالة التي تحوط به أمراً صعباً، فأنا يحضرني نجيب محفوظ في الحرافيش وثرثرة فوق النيل، وقد يكون من أجمل ما سمعته من محفوظ هو كلمته التي كتبها عند تسلمه جائزة نوبل، حين قال:
«في البدء أشكر الأكاديمية السويدية ولجنة نوبل التابعة لها على التفاتها الكريم الاجتهادي المثابر الطويل وأرجو أن تتقبلوا بسعة صدر حديثي إليكم بلغة غير معروفة لدى الكثيرين منكم، ولكنها هي الفائز الحقيقي بالجائزة».
علي الجلاوي
شاعر بحريني
مهموم هو دائما بعالم الموظفين «الغلابة» وبعالم «العوالم». في الأول سرد كل تفاصيل الموظفين «الكحيانين» منذ إفطارهم الصباحي بحبة فول، إلى تهديد المسئولين لهم بإنزال المهمل فيهم إلى الأرشيف الذي غالبا ما يكون تحت!. وفي الثاني لم يكتف بسيرة «العوالم» جمع «عالمة»، وتجاوز ذلك كشف علاقات بين المقنعين بالشرف وبهزات خصور «العوالم»، منهم سي السيد الذي يشبه إلى حد بعيد «الزقرتيين» في بعض أحياء البحرين كلاما اسودّ الحيّ طار رجاله إلى الحي الشرقي... صاروا (زقرتيين) يتطاير دهن العود من ثيابهم النظيفة الجميلة فتضيق بها أزقة الحيّ... عطور تضيع في الحيّ وليس ثمّة عرس؟ يخرجون من قبورهم واحداً واحداً باتجاه الشرق... لا يعرفون جهة أخرى... كلاما غادرت الشمس مكانا كانوا فيه. يخرجون كأنّهم في ليلة عرس.
أعجبتني رواياته كثيراً منذ «أولاد حارتنا» وكل ذلك الجدل الذي أثارته بعمقها وبجرأتها، وبقدرات «الجبلاوي» فيها، إلى الثلاثية، وزقاق المدق، واللص والكلاب. منذ إبراهيم غلوم في مقررات الرواية العربية إلى تعليقات حلمي مرزوق على التفاصيل الصغيرة جداً. أجزم أن أكثر الناس عرفوا مصر من نجيب محفوظ. من رواياته، خصوصا تلك التي تحولت أفلاما وموادا تلفزيونية. فالروائي جهة.
حسين محروس
كاتب ومصور فوتوغرافي بحرني
العدد 1455 - الأربعاء 30 أغسطس 2006م الموافق 05 شعبان 1427هـ