العدد 3482 - الإثنين 19 مارس 2012م الموافق 26 ربيع الثاني 1433هـ

اقتراح تركيا بإقامة «منطقة عازلة» هل يكون نقطة تحوُّل في سورية؟

ربما يمثل اقتراح رئيس الوزراء التركي، رجب طيب أردوغان بإقامة «منطقة عازلة» للاجئين داخل سورية نقطة تحول في الصراع بما يفتح المجال أمام تدخل أجنبي في الانتفاضة التي دخلت عامها الثاني.

وتخشى تركيا طرح احتمال العمل العسكري لكن تزايد أعداد القتلى وتصاعد أعداد اللاجئين الذين يعبرون الحدود إلى أراضيها - والذي وصل عددهم حتى الآن إلى 15 ألفاً بينهم ألف لاجئ خلال 24 ساعة الخميس الماضي- دفعا العمل العسكري أقرب ما يكون إلى حيز التحقق.

وما لاتزال ذكرى تدفق نصف مليون لاجئ عراقي على تركيا من العراق خلال حرب الخليج العام 1991 حية. وفي ظل تكهنات تتردد على نطاق واسع بتزويد دول خليجية للمعارضة بالسلاح سيكون إقدام تركيا على إرسال قواتها إلى داخل الأراضي السورية خطوة كبرى.

وستسعى أنقرة للحصول على دعم دولي قوي قبل القيام بمثل هذه الخطوة. وربما تفضل القوات الموالية للرئيس السوري، بشار الأسد الانسحاب طوعاً بدلاً من مواجهة الجيش التركي لكن من المحتمل أيضاً أن تبقى بعض القوات السورية لمواجهة ما تعتبرها قوة أجنبية غازية.

ومن جهته أوضح محلل شئون الشرق الأوسط في مركز مابلكروفت لاستشارات المخاطر السياسية في بريطانيا، أنطوني سكينر «في حال إقامتها (المنطقة العازلة) فإن ذلك قد يمثل تغييراً في قواعد اللعبة... حماية هذه المنطقة يتطلب نشر قوات برية تركية وهذا سيكون مهماً في ما يتعلق بآليات الأمن بوجه عام ومن الواضح أنه سيفيد المعارضة».

ورغم أن النية المعلنة لأي عملية لنشر قوات عسكرية ستكون حماية اللاجئين والسماح بتوصيل المساعدات الإنسانية فمن شبه المؤكد أن يستخدم الجيش السوري الحر المنشق هذه المنطقة ملاذاً آمناً له. ومن الممكن أن تتحول الأراضي التي تسيطر عليها تركيا إلى منطقة يستغلها الجيش السوري الحر في التسلح والتدريب وربما شن هجمات على القوات الحكومية في مناطق أخرى في سورية.

ولم تنجح المعارضة السورية حتى الآن في السيطرة على كثير من الأرض ولا تزال تجد صعوبة في مواجهة آلة الحرب الحكومية التي استخدمت لدرجة مروعة خاصة في حصار أجزاء من حمص.

ومع إحجام قوى غربية من بينها الولايات المتحدة عن تجربة خططها للتدخل في سورية فإن عملية عسكرية تقوم بها تركيا قد تحظى بدعم أعضاء آخرين في حلف شمال الأطلسي. وعلى الأقل ربما تقدم القوات الأميركية المتمركزة في تركيا دعماً يتعلق بالإمداد والتموين والدعم المخابراتي.

ويبدو حصول أية قوة أجنبية على تفويض الأمم المتحدة بالتدخل العسكري في سورية أمراً شبه مستحيل حيث ستعوق روسيا والصين على الأرجح صدور أي قرار بهذا الشكل. ومع دعم روسيا لحليفها الأسد بالسلاح والوقود قد تجد تركيا نفسها تحت وطأة مواجهة متزايدة خاصة مع موسكو.

وقال المتخصص في شئون الشرق الأوسط في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية يولين بارنز-دايسي «أنقرة تتحدث عن التدخل منذ فترة طويلة لكنها إذا لم تحصل على مشاركة دولية أوسع فسيبقى تدخلها غير متوقع، هناك مخاطرة أكيدة في أن يحاول الأسد مقاومة هذه الخطوة عسكرياً في محاولة لجعلها أمراً مكلفاً للأتراك وغيرهم بما يردعهم عن القيام بها».

ومع ذلك فإن الدرس المستفاد من الحرب في ليبيا العام الماضي ربما يتمثل في أن الرغبة في تدخل أجنبي قد تبرز بسرعة بشكل مدهش. وقالت تونس أمس إنها لا ترى مانعاً في إقامة منطقة عازلة فيما يمكن أن يمثل تصاعداً في التأييد للفكرة في العالم العربي.

وقال أردوغان إن مؤتمر «أصدقاء سورية» الذي يعقد في الثاني من أبريل/نيسان ويضم دولاً غربية وشرق أوسطية سيخرج «بنتيجة مختلفة تماماً» عما انتهى إليه اجتماع المجموعة السابق في تونس هذا الشهر من نتائج اعتبرت على نطاق واسع محدودة.

ورغم أن المهمة في ليبيا نفسها لم تكن سهلة يقول خبراء استراتيجيون إن أي شكل من أشكال التدخل العسكري في سورية سيكون أكثر تعقيداً. ولا يرجع ذلك فقط إلى أن عدد سكان سورية أكبر من ليبيا وإنما يرجع أيضاً إلى أن الجيش السوري أكثر تطوراً عن جيش معمر القذافي.

ومن الممكن أن تؤدي الدفاعات الجوية المتطورة إلى إعاقة عمل الطائرات بدون طيار، بينما ستكون الأهداف البعيدة عن الساحل صعبة الاستهداف. وربما يكون تكرار العقوبات الصارمة والحصار الذي فرضه حلف شمال الأطلسي ما حرم القذافي من عائد صادرات النفط أمراً شبه مستحيل مع معارضة روسيا والصين. وحتى الآن تبدو قوات المعارضة السورية المسلحة أضعف كثيراً من المعارضة الليبية المسلحة في بدايات حملتها لإسقاط القذافي والتي سيطرت على معظم الشرق الليبي بشكل أكثر سهولة نسبياً ولم تكن تحتاج الضربات الجوية التي شنها حلف شمال الأطلسي إلا في صد القوات الحكومية وإجبارها على التقهقر.

ويقول خبراء إن أحد السيناريوهات المحتملة قد يكون تكرار خطة «المنطقة الآمنة» التي أقيمت في إقليم كردستان العراقي بعد حرب الخليج العام 1991. إذ تمكنت أعداد قليلة من القوات البرية والقوة الجوية -إلى جانب القوات التركية الاعتيادية- من الحفاظ على هذه المنطقة الآمنة كجيب مستقل. وقال المحلل في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، بارنز-دايسي «حتى لو أقيمت المنطقة العازلة فلن تغير توازن القوى الأوسع فوراً».

بينما تمثل خسارة كبيرة للأسد ومنطقة محتملة لحشد المعارضة فهي لن تهدد كثيراً سيطرته أو استخدامه المتواصل للعنف في أنحاء البلاد».

وبينما تطالب الأقلية الكردية في تركيا بالحكم الذاتي وتقاتل أحياناً من أجل ذلك فإن تركيا ستكون الخاسر الأكبر مقارنة بدول المنطقة إذا أدت الاضطرابات في سورية إلى فوضى أكبر وإعادة لرسم الحدود في المنطقة.

كما أنها تخشى من أن أي مساعدات عسكرية للجماعات الكردية داخل سورية قد ينتهي بها المطاف باستخدامها ضد الدولة التركية. لكن الأثر الأكبر لأي تدخل عسكري أجنبي من الممكن أن يؤثر على النخبة الحاكمة في سورية نفسها.

وهناك حديث بالفعل عن انشقاقات في صفوف الجيش من بينها فرار ضباط كبار إلى تركيا. وإذا ترجم التدخل التركي على أن زمن الأسد يوشك على الانتهاء فربما تصاعدت موجة الانشقاقات في صفوف جيشه. وقال سكينر «إذا انزلقت تركيا إلى الصراع بشكل مباشر فربما يكون لدى بشار الأسد مبرر أكبر للقلق قد يدفعه لأن يتحسس عنقه».

العدد 3482 - الإثنين 19 مارس 2012م الموافق 26 ربيع الثاني 1433هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً