العدد 3485 - الخميس 22 مارس 2012م الموافق 29 ربيع الثاني 1433هـ

رهانات «اختيار» الميامين

يتخذ المسرح الديني في البحرين أشكالاً متعددة في العرض، تنطلق غالباً من الفعاليات العاشورائية التي تقام بشكل موسمي إحياء لذكرى الإمام الحسين عليه السلام، ويعتمد جوهر هذا المسرح على إمكانية إقامته في أماكن مختلفة لا تبدأ بالمآتم والساحات المفتوحة ولا تنتهي بخشبة مسرح مجهزة، فالعروض هنا وجمهورها متوافر وطيّع للحضور في أي هذه الأمكنة أو غيرها رغبة في التلاحم مع العرض، ورغبة العرض في تفاعل المتلقين مع الأحداث أمامه. وهذا ما يمكن استنباطه وقياسه أيضاً بوقت العرض نفسه مع الجمهور الحاضر في عرض «اختيار» آخر ما شاهدت في هذا النوع من المسرح الذي يعد فرعاً أساسياً ومهماً من الفنون المسرحية.

في هذا العمل، يغمرني بعض الأسى لأنه عرض نسائي بحت، لا يستطيع الذكور مشاهدته لاعتبارات المحافظة التي تتخذها فرقة «أنوار الميامين» نهجاً لا أظنها تحيد عنه، وهو شأن يُحترم على رغم محدودية الجمهور نوعاً ما، لكن يحسب للفرقة ترسيخ هذا النوع من الفن في هذا الجو من الخصوصية على مستوى الجندر ومسرحة القضايا الدينية والإنسانية ذات الهدف.

ولابد من الإشارة إلى المسرح الديني الذي لا يستسيغ ارتياده جمهور المسرح العادي لأسباب تتعلق إما بالتوجيه المباشر كما حصل مؤخراً في عرض مسرحية «اختيار»، أو بالإمعان في المبادئ الدينية بشكل رتيب لا تجذب متلقي الفنون، لذلك الأجدر بالمهتمين والمتخصصين تصويب الهفوات التي تجعل من المسرح الديني في البحرين يأخذ صورة نمطية معنية بطائفة واحدة في حين أن قضية الإمام الحسين هي قضية الإنسانية قاطبة.

في عرض «اختيار» هناك شعر جميل منشد بأصوات عضوات فرقة «أنوار الميامين» لا تقل عذوبة عن معنى الكلمات التي صاغها المبدع مجتبى التتان، وعلى رغم أن مفهوم الأوبريت قام على أساس الترفيه إلا أن تضمين القضايا المهمة في هذا القالب ليس بالأمر المتعارض وخصوصاً إذا اتفق مع ذائقة الجمهور الميالة إلى مشاهدة عرض ديني من باب الثبات والعاطفة، وتجد المسرحية الدينية طريقها في البحرين غالباً عبر تجسيدها واقعة كربلاء؛ إذ يتفنن المسرحيون من هواة ومحترفين في تضمين مثل هذه الفعاليات الدينية في شهري محرم وصفر من كل عام، ومن الفخر لكل مسلم أن يملك هذا الإرث التاريخي الغني بعرض سيرة الملاحم والبطولات المتمثلة في شخوص واقعة الطف، الذين نعرفهم كمسلمين من خلال سيرتهم المقروءة والمجسدة في «استشكات» أو عروض مسرحية متكاملة للعبرة والتذكير، ويعمل الفنانون غالباً في هذه العروض على تسليط الضوء على شخصية أو أكثر محاطة بالحدث الأكبر. إن الإعادة النظرية للواقعة هي درسٌ ومثال وقدوة سنظل نتعلم منها كثيراً، فماذا لو كانت فعلاً مجسداً أمامنا؟

ويؤخذ على عرض «اختيار» استعماله الكثير من الأزياء والماكياج وأيضاً الكثير من «الشعر المستعار» - لسبب لم أفهمه حقيقة - ولكن من الواضح أن التكلف في الأزياء والإكسسوارات هي للتمييز بين فريقي الخير والشر، وكان من الأجدى لمشرفة العمل انتصار رضي استخدام ما يشير للمعنى بدون الإسراف في التصنيف بحيث يكتشف المتفرج إلى أي الفريق ينتمي الممثل فور ظهوره على خشبة المسرح، كذلك يجب التنويه إلى أهمية استخدام كل قطعة ديكور أو إكسسوار توجد في الفضاء المسرحي، والأمر نفسه ينطبق على المداخل والمخارج التي تنفذ طبقاً لحركة الممثلين ولا تتكل على الشكل الجمالي فقط، وعلى رغم بعض «الهنّات» فإن الجهد المبذول من قبل كل الفريق العامل لابد من الإشادة به وتحميله مسئولية النهج الذي أورده الباحث محمد عزيزة في كتاب «الإسلام والمسرح» إذ قال: «إن الإسلام قد عرقل النهضة المسرحية التي كادت أن تنشأ وتتطور على غرار التجربة الإغريقية، ولكن مع ذلك فهناك استثناء للقاعدة، ويتجسد هذا الاستثناء في التعازي العاشورية».

وفي هذا الفضاء يقرن البعض نجاح فعالية من هذا النوع، بتفاعل الجمهور البكائي مع الحدث أمامهم، متناسين أن العبرة التي تشتعل في المتلقي هي المبتغى من العروض المسرحية، وخاصة للجيل الجديد الذي يصعب إقناعه بالتقليدي في ظل كل المتغيرات التي تستجد بشكل منسجم مع رتم الحياة العصرية، وهي فرصة مناسبة أيضاً لتضييق الفجوة التي تحسّس الفرد العادي بأن المسرح لمتخصصين أو مهتمين أو مدّعي هذا وذاك! لذلك تغيير القناعة أيضاً لابد أن يصاحبه التغيير والأدوات ووسائل الجذب التي تجعل من الرتيب مذهلاً ومن العادي إبهاراً، وهو أسلوب - بحسب قناعتي الشخصية - يمكنه أن يكبر قاعدة الجمهور الانتقائي للمسرح الديني الذي عرف منذ نشأته الأولى مساحة لبث الوعي وتنمية الوازع الديني والثقافي وأيضاً...الترفيه.

العدد 3485 - الخميس 22 مارس 2012م الموافق 29 ربيع الثاني 1433هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً