يحملق في الضريح، يتمنى لو يتسمر، يقبل الشباك العطر ويتراجع قليلاً للوراء ليقدر على قراءة الزيارة المعلقة كوسام افتخار على صدر المزار. الزيارة مكتوبة بخط عربي متألق، مفعم بالانتماء، ومزدحم بالمعاني. بعد رجوعه للوطن، أول مكان توجه إليه بعد تحية الأسرة مسجد الشيخ عزيز. أراد أن يسترجع ذاته بعد طول غياب، أراد أن يشم البحرين كما يعرفها، أراد أن يرتمي في أحضان التاريخ الذي مازال يأنس بتذكره. حين كان غريباً، عرف البحرين أكثر. حين كان غريباً، تأمل في ملامح وجهها ليبحث عن عروق الوطن فيها، حين كان غريباً، أقسم أن يعود وفي قلبه بحرين أخرى غير التي تتراءى لغيره. فقد الوطن فترة فشعر أنه فقد جزءاً من جسده وعاد ليعود كما كان، كاملاً، أو هكذا كان يأمل.
الناس تملأ المسجد، والسعيد من تلامس أنامل يده القماش الأخضر المتدلي بدلال، ويقرأ الفاتحة. للنساء ركن، وللرجال آخر، قسمة عادلة، فالشيخ للجميع، كما الوطن. تمنى لو يتعرف أكثر على شخصية صاحب هذا المزار، والفخر. يعرفه، كما يعرفه الآخرون، الشيخ عزيز، وفقط. ابن من؟ ولد متى؟ كيف عاش؟ في أيام من؟ ماذا صنع ليكرمه الله بحب الناس؟ متى مات وكيف؟ أسئلة صارت تشغل باله، بات ضجراً، ليس لأنه لا يعرف أجوبتها فقط، وإنما لأنه لا يريد أن يشغل باله بغير التأمل في الضريح. رجع يتأمل.
في الطريق إلى المسجد كان يحملق في كل شيء حوته ضفتي الشارع، كأنه يبحر في نهر من التفكر، كاد أن يكون فيلسوفاً. أبصر المباني التي غمرت المكان، السيارات، المحلات التجارية، الناس اللاهية في كل شيء، شعر بغلبة الكثرة والمادة على حساب التفرد والمعنى. شعر أنه يريد الانتماء لشيء آخر غير ما كان يراه، وباستمرار، في الغرب. كان يريد أن يرى البحرين لا الغرب الساكن فيها. شبع من الغرب، تنفسه، عاشه، وكاد أن يموت فيه. ما عاد يجذبه، ما عاد يوفر له الهواء النقي. عاد للبحرين ليحتضنها ولكنه لم يجدها في كل مكان، لم يجدها في كل شارع، بات يبحث عنها، شغوف بها، فلاذ بمسجد الشيخ عزيز.
المسجد ضيق ولا يتسع للكثيرين من رواد الشيخ، ولكن التوسعة مستحيلة لإحاطة الشارع بالمسجد من كل مكان. من يحاصر من؟ هل الشارع يحاصر المسجد أم المسجد يحاصر الشارع؟ الشارع فعل يومنا والشيخ رمز تاريخنا، فمن يحاصر من؟ جلس في مقابل الضريح وعينه لا تفارقه، يتأمل في كل شيء في المسجد حتى النملة التي كانت تتهادى في مشيتها بقربه. هل جاءت لتزور الشيخ؟ لتنتمي إليه؟ هل سئمت ضجيج اليوم ودفعها الحنين للبحث عن التاريخ ورمزيته في هذا المزار؟ هل شعرت بما شعر هو به من غربة حتى بعد العودة لأرض الوطن؟ تمنى ذلك، لتشاطره النملة الحنين، والانبهار. حين كان في الغرب، كان يتذكر البحرين، ولكن ليس كل شيء فيها. كان يتذكر ما يميزها، ما يجعلها فخورة بنفسها، ما يجعلها البحرين، بحق. كان يتذكر النخلة، والبحر، واللؤلؤ، كان يتذكر الحر واللعب بالتراب في وقت الظهيرة، كان يتذكر مسجد الشيخ عزيز. بعد رجوعه للبحرين، لم يستقبله شيء من كل ذلك، استقبله ما كان يراه في الغرب، ما سئم منه، ما جاء فاراً منه، استقبله وطن آخر غير الذي كان يحلم به، يتذكره، يفخر به، ويسلي النفس بلقياه يوماً. كان جالساً، مأخوذاً بالتأمل فيما حوله، أغمض عينيه وراح يتخيل، الشيخ عزيز يمشي وحوله مجموعة رجال، كلهم يلبسون الثوب البحريني القديم، يمشون بين حقول النخيل، من حقل لآخر حتى وصلوا لساحل البحر. جلسوا جميعاً، ومازال الشيخ مركزهم، ينظرون نحو الأفق، يمسح عرق جباههم الانتظار، يحملقون، وفجأة تبدو تباشير الابتسامة على محياهم، سفينة قادمة من بعيد، يفرحون وتعلو الضحكات، تقبل النساء من كل صوب، يتراكض الأطفال، يهتفون، الفرحة تتناثر وتختلط مع حبات رمل الساحل، مشهد عسلي، تصل السفينة فينزل منها الغاصة الأبطال، ينزل الفاتحون الذين انتصروا على موج البحر وغدره، وصلوا اليابسة، موطنهم، ترابهم، وصلوا ليفكوا طوق تعب البحر عنهم. هالهم ما رأوا من فرحة الكبير والصغير، هالتهم البحرين التي مازالت بحرينهم، حنينهم لم يمت، لم يضع سدىً، لم يتبدد. حصدوا اللؤلؤ، قطفوه وهو في عمق البحار، احتضنهم الشيخ واحداً واحداً، ضمهم إليه، ومازال الناس يضحكون، الغواص يضم الفلاح إلى صدره، والفلاح يضم الغواص إلى صدره، هؤلاء هم أهل البحرين، كأن النخلة تضم البحر، كأن اللؤلؤ يتدلى من النخلة وكأن المحارة تحوي تمرة. فتح عينيه، الابتسامة تعلو وجهه، أحس بثقل دمعة تريد أن تهوي، سمح لها بذلك، وتوجه لضريح الشيخ، قبله ومضى سعيداً
العدد 1464 - الجمعة 08 سبتمبر 2006م الموافق 14 شعبان 1427هـ