العدد 1481 - الإثنين 25 سبتمبر 2006م الموافق 02 رمضان 1427هـ

البحرين الفاضلة إلى من يهمه الامر...

تفضلوا للولوج داخل البحرين الفاضلة، حلم الفلاسفة، وهرمس الحكماء. هنا تجدون العيش الكريم، هنا الإنسان لا يفكر إلا في الإنسان، هنا، لا يفكر البحريني إلا في البحريني/ في نفسه. يقال «حلم»، ويقال «خيال»، لكنه الشيء الوحيد الذي يجعلنا أحياء.

هذه البحرين «ممكنة الوجود» كما يقول أهل الفقه، ممكنة باعتبارها بحريناً لا شيعية ولا سنية. هي «مستحيلة الوجود» باعتبارها سنية فقط، «مستحيلة الوجود» أيضاً باعتبارها شيعية، لا لعجز تاريخي في شيعتها أو سُنيّيها، أو لتضاد بينهما، بل لأن أياً منهما لا يستطيع أن يلغي الآخر من هذه الأرض، أرض البحرين الفاضلة تحب أبناءها كافة، هي لا تدرك في الحقيقة هوية أبنائها الدينية، تعرفهم الأرض من أنفاسهم، من تاريخهم، من قبور آبائهم وأجدادهم.

البحرين الفاضلة هي بحرين ما يريده البحريني نفسه، الأديان كلها فاضلة، المذاهب كلها فاضلة، لا عن تملق للدين أو الدينيين، فلا مستثنى في إطلاق هذه العبارات البتة، كل الأديان فاضلة، كل المذاهب فاضلة، أهل الديانات والمذاهب هم من يحتاجون إلى أن يكونوا الفاضلين.

البحرين الفاضلة ليست شيعية، وليست سنية، هي بحرين الإنسان الفاضل، لا أقل ولا أكثر. لن تكون البحرين فاضلة إن امسك بزمامها الشيعة بمفردهم، ولن تكون كذلك إن تسننت بالكامل، لا التشيع سمة الفضيلة للبحرين ولا التسنن، الشيعي الفاضل يشارك السني الفاضل بحرينه، والسني الفاضل يعرف أن للشيعي حصته، مركز البحرين هي الحصة لإنسانها، لا إنسانها الذي يجعل لمذهبه كل الحصة في الوطن.

إنها مدينة فاضلة؛ لأن من فيها أناساً يعيشون واقعهم، ويحملون رسالتهم الأخلاقية، تظهر في حياتهم وتصرفاتهم، في طبيعة العلاقات الاجتماعية بين الناس، حب الغير، التبسم في الوجوه، السعي للإصلاح (...) إن تربية النفس على الأخلاق الحسنة، تصنع مجتمعا فاضلا، يكون كل إنسان فيه حريصا على وطنه وأرضه، وأهله وعشيرته، فيسود الحب بين الكل، ويغلب عليهم إيثار بعضهم على بعض، لا أثرة أنفسهم من دون النظر لغيرهم (مسعود صبري).

حين نعلم أبناءنا كل شيء، نعلمهم الولاء للمأتم بضرورة كراهية ديوانيات السنة، حين نعلمهم الولاء لديوانيات المساء وكراهية مآتم الشيعة، حين نعلمهم أن لا حق لهم في الدخول للجيش إن كانوا شيعة، وأن لا حق لهم في الطموح بوزارة الصحة إن كانوا سنة، نكون صُناع مدينة حزن، لا تنتج إلا أفكاراً حزينة، كما يقول الروائي البرازيلي ثيلا، نكون بذلك صُناع كراهية لأبناء البحرين الفاضلة منذ الصغر، وأي خراب هذا الذي نصنعه.

حين نؤسس للإبقاء على هذه القسمة الطائفية المريضة في الكراهية، الحب، الولاء، والوظائف نكون بذلك محلقين بعيدا عن أية مدينة فاضلة. نكون تحديداً خارج الدين أصلاً، فالأديان - كما ذكرت - كلها فاضلة، ليس في التشيع والتسنن ما يعلم الكراهية، وما يعلم الكراهية بين إنسان الوطن الواحد فلابد أن يتم محوه من ذاكرة أبناء البحرين الذين باتت الأرض تضيق بفتن آبائهم وأجدادهم.

البحرين التي لا تسرق ولا تستنزف

لا، لأن تكون البحرين كمدينة الفارابي التي وصفها بمدينة «الخسة»، والتي لا يحكمها مبدأ ويتحكم فيها الأراذل والأشرار. أو أن المدينة «الفاسقة» التي يتحكم فيها الفساد والمال والنهب والسلب وتهريب الأموال. أو المدينة «الضالة» التي حادت عن الطريق وخرجت على ثوابت الفضل. وأخيرا مدينة «التغلب» التي تقوم على الغلبة والقوة وتعتمد على العسكر والشرطة في الداخل قبل الخارج، مدينة التسلط والقهر والطغيان (د. حسن حنفي).

البحرين الفاضلة يحكمها دستور وقانون، ولا لأحادية الرأي فيها، لا يتحكم بها أحد مهما بلغ من المال والمنعة. البحرين الفاضلة لا يسيطر عليها الفساد في أجهزتها ومؤسساتها المالية، ويعاقب من أفسد فيها أو انتهك حرمة حرماتها، ولا يرقى، لا يمنح مناصب «المستشارية».

البحرين الفاضلة آمنة، لا يعتدى على بحرها أو برها، لا تستملك بحارها وشواطئها لأحد، لا تباع لأحد. لا تنتهك أراضيها على يد أحد. لا تقطع أرزاق صياديها لينمو زحف الأموال القادمة من هنا أو هناك.

تحكمها المحبة والقانون، ولا تحكمها القوة أو الشرطة، لا قهر فيها لرأي مهما كان، لا طغيان فيها ولا عنجهية، لا تتعدى فيها فئة على أخرى، ولا طائفة على أخرى. «السيد» فيها هو القانون ومنتجات المؤسسات المدنية، لا يخضع أبناؤها لأحد ولا يؤتمرون.

تحترم الأجهزة الأمنية في البحرين الحريات العامة للمواطنين. لا تجسس على الهواتف، ولا توجه تهديدات لأبنائها عبر أجهزة الهاتف، ولا يضربون في الشوارع، حرية الفرد مكفولة، ديمقراطية الحكم ركيزة، الفصل بين السلطات حقيقي لا مجرد شعارات مستهلكة، حقوق إنسان «البحرين الفاضلة» معتبرة وموقرة.

خيرات البحرين الفاضلة لأبنائها كافة، لا تنتقص حقوقهم في شيء، لا فضل فيها لسني على شيعي، أو لشيعي على سني، المال مال الأرض، ولأهل الأرض الفاضلة ان ينعموا بخيراتها كافة من دون تمييز أو تفريق أو تحقير أو تخوين.

حيث أجهزة الأمن ليست أقوى من باقي مؤسسات الدولة

أعطى الشرق نموذج الدولة الشمولية التي تعطي الأولوية فيها للنظام على الفرد، وللايديولوجيا على الرفاهية، وللسلطة على الشعب. وقد انهارت هذه الدولة بانهيار النظم الشمولية ابتداء من أوروبا الشرقية حتى الاتحاد السوفياتي السابق (حسن حنفي)، البحرين الفاضلة ليست دولة شمولية، السلطات فيها تعمل في خدمة الإنسان البحريني، إنسان البحرين هو محورها، لا تخضع لأي ايديولوجيا أو نظام محدد إلا ما يتوافق عليه إنسانها هي، سمتها الرئيسية أنها دولة «الإنسان»، الإنسان أولا، وثانياً، وثالثاً بلا منازع أو شريك.

ليست دولة «ريعية»، «يقوم اقتصادها على ريع واحد هو ريع النفط. وحين ينتهي ريع الدولة. تنتهي الدولة». (حسن حنفي)، وحين نخرج عن الدولة الريعية، نحتاج إلى لوازم التجارة الحرة المبنية على المنافسة، وهنا لا تزاحم الحكومة رجال الأعمال في التجارة والاقتصاد، لا تكبلهم بقوانين ومتطلبات عالم الجآن.

لا تبخس الناس أشياءهم، ولا تقتلهم جوعاً باستجماع المال في بطون طبقاتها العليا حد التخمة. ليست البحرين الفاضلة دولة ريعية، حتى في أوان ريعها يجوع أهلها، ليشبع آخرون.

البحرين الفاضلة ليست دولة أمنية، يظهر فيها رجال المخابرات طاووساً لا يحاسبه احد، وتخشاه كل السلط السياسية الأخرى، يضرب في الشارع من يشاء، ويتصل مهددا من يشاء، ويكتب ما يشاء، في البحرين الفاضلة ثمة أجهزة أمنية لمراقبة الناس إن اعتدوا على النظام، لكن، ثمة من يراقب أولئك المراقبين أنفسهم إن استغلوا سلطتهم في إيذاء الناس.

لا للدولة الامنية

يقول حسن حنفي في توصيف مدينته الفاضلة «الأخطر من ذلك كله، هو (الدولة الأمنية) عصب الدولة التسلطية. وهي الدولة التي تحكمها أجهزة الأمن، الشرطة، والأمن المركزي، ومباحث أمن الدولة، والمخابرات العامة، باسم الأمن القومي. ويعني أمن النظام. الدولة جزء منها وفي خدمتها، وليست هي جزءاً من الدولة وفي خدمتها. أجهزة الأمن أقوى من الرئاسة ومؤسسات الدولة، والمجالس النيابية، والقضاء، والجامعات، والنقابات، والاتحادات، والجمعيات المدنية، والمنظمات غير الحكومية، والصحافة».

البحرين الفاضلة دولة حق، أساسها العدل. صورة مكبرة للفرد، لأن غاية الأخلاق هي الدولة لا الفرد. بمعنى آخر أن الفرد عبارة عن صورة مصغرة للدولة. والدولة هي الهيكل الضخم لهذا الفرد. (عماد الدين الجبوري)، دولة الفرد، ليست دولة دينية يتحكم بها أباطرة الدين، ليست دولة اقطاعية يسرق خيراتها مدير أو وكيل، وليست لدولة استبدادية: يحكمها الطغيان والمصالح الشخصية لوزير أو من هو بمرتبة وزير.

الحكومة تكون لإرادة الشعب. والحكومة محور المجتمع، ولما كان الاجتماع على التعاون والفضيلة ينال بالاختيار والإرادة فكذلك الحكومة، فلا حق لها بالاستبداد في ممارساتها وفرض كل ما تراه على المجتمع على رغم أن مسئوليتها إشاعة الملكات والأخلاق والسلوك الحسن (إبراهيم غرايبة).

لا تفرض الحكومة في البحرين الفاضلة على الناس شيئاً كرهوه، ولا تجبرهم على شيء، فلا تجبر الناس على التصويت الإلكتروني إذ أكدوا أنهم لا يثقون فيه، لما تأخذهم في تلك الآلة من مخيلة شر مستطير لا يرحم. لا تستطيع الحكومة في البحرين الفاضلة ان تفرض على الناس شيئاً، لا تستطيع ان تجعل من السرقة واللصوص أعوانا أو مستشارين، ولا تستطيع ان تعبث بأقدار الناس وحقوقهم الدستورية في أيدي المشبوهين، إنها تأخذهم للبعيد، حيث قضاء المدينة الفاضلة يأخذ مجراه.


الحكومة الفاضلة

«وعلى صعيد المدينة، تلك المدينة التي لن ترى وجه السعادة إلا أن يكون فنانوها من النمط الذي يعتبر العالم الإلهي قدوة لهم ومثلاً أعلى».

كارل بوبر

وضع كارل بوبر نموذجاً للحكومة المثالية، لخصها إبراهيم غرايبه أربع خصائص رئيسية، نعرضها في السياق الآتي إجرائيا على البحرين الفاضلة ونضيف ما نرى انه مهم ومحوري في الحال البحرينية خصوصاً.

أولاً: لحكومة البحرين الفاضلة أهداف نهائية تم تعيينها، وفي هذا الشأن يوضح بوبر أن «المراد من الهدف النهائي هو ليس الأهداف الجزئية والمتوسطة المدى التي هي ليست سوى خطوات موصلة نحو الهدف النهائي فحسب».

لذلك، تمتلك حكومة البحرين الفاضلة أجهزة وزارية كبرى بها من يخطط للبحرين، ويقرأ مستقبلها، الحكومة المثالية لا تتجه في خياراتها الاقتصادية بالموضة، يقولون اليوم هو يوم الاقتصاد الحر، إذاً نخرج كل الحكومة لتقول «مهمتنا البحث عن اقتصاد حر»، قالوا التوجه اليوم صوب «جذب الاستثمارات»، أصبحت الحكومة مهتمة فقط «بجمع الاستثمارات» هي لا تدرك ان أراضي لم تبق لهذه للسكنى، فضلا عن جذب الاستثمارات.

الحكومة الفاضلة تدرك ما تفعل، وتعرف تحديداً أين وصلت في خططها التنموية التي تتبعها بدقة، وتدرك الحكومة طبعاً ما هي نهايات أعمالها. جميع أهدافها السياسية والاقتصادية والاجتماعية معلنة وواضحة.

ثانياً، الحكومة الفاضلة توظف كل قواها وتحشد كل إمكاناتها من أجل الوصول إلى أهدافها النهائية التي أعلنتها، وكما تصرح هي نفسها، فان كل الأعمال السياسية والاقتصادية والاجتماعية تسخر في خدمة الوصول إلى الأهداف النهائية.

وبناء على ذلك، لا وجود في حكومة البحرين الفاضلة لقرارات «السبت» أو «الأحد» هو قرار التنمية منذ بدء الأمر، لا مكان للمخصصات الاستثنائية، أموال المخصصات الاستثنائية تعرف طريق المحتاجين لها في الحكومة المثالية.

أيضاً، الحكومة الهادفة والمثالية لا يمكن أن تكون سياستها مبنية على أساس الأبواب المفتوحة، يقول بوبر: «ان المدينة الفاضلة متشوقة للتضحية بالزمن الحاضر من أجل الحصول على المستقبل الزاهر».

وعليه لابد من ان لا تتعارض الأهداف النهائية المعلنة مع الأعمال، لا الحوادث المصادفة مهما كانت مغرية، الأمور كلها منظمة، في الحقيقة لا حاجة لأي شيء يأتي مصادفة.

ثالثاً: الخاصية الثالثة لحكومة البحرين الفاضلة - بحسب بوبر - الكفاح الجذري المتواصل ضد المفاسد الاجتماعية، والتي يعبّر عنها بأنها مبدأ «الراديكالية» بمعنى التعمق والتوغل في جذور الأمور في المدينة الفاضلة، ويوضح ذلك بالقول: «انه يعني التلهف لبناء عالم ليس فقط أفضل من عالمنا وأكثر عقلانية منه، بل ومبرّأ من كل قبائحه وأدوائه، وطبعاً ذلك لا يعني انه سيكون لحافاً ذا أربعين قطعة، أو قطعة قماش مرقعة قديمة، بل مجتمعاً جديداً من قمة رأسه إلى أخمص قدميه، وعالماً شاباً وجميلاً حقاً».

لا يكرم «سُراق المال العام» و«المخادعون» و«المتلاعبون بمصائر الناس وأموالهم» في حكومة البحرين الفاضلة، بل يطردون من وظائفهم حين يأتون مُنكراً على البحرين، أو على أي بحريني في شخصه أو حقه أو عائلته أو كرامته.

تحارب حكومة البحرين الفاضلة أعداء الإنسان البحريني في شخوص بعض المرضى بحمى «المنصب»، «السلطة»، «الوجاهة»، «الظلم»، «السيطرة»، وتبرير أحاسيس «العجز» على حساب مصالح الضعفاء ولُقَم عيشهم.

لا مكان في حكومة البحرين الفاضلة لمن ثبت تلاعبهم بالمال العام، لا مكان لهم في هرم السلطة أو تفرعاته أو حتى بين طواقم مستشاريها. كل مفسد للبحرين ينحى، وكل سارق يحاسب على سرقته.

رابعاً: الخصوصية الرابعة التي يتحدث عنها كارل بوبر، ويبدي حساسية مفرطة منها هي: انعدام الأنانية أو «تحطيم الذات والانكسار الذاتي» عند الحكومة المثالية.

الحكومة المثالية ليست مصابة بـ «عمى الألوان». هي لا تصنع من سفلتة الشوارع أو بناء المدارس قصة عظمى أو مهرجاناً، لا تستهلك بالنشر والإعلام أخبار إنشاء بنية البلاد التحتية، فليس في بنائها لجسر معجزة خارقة، وليس تشييدها مدرسة ما يشبه إنتاج قنبلة نووية.

حكومة البحرين الفاضلة تدرك أنها لا تستطيع التباهي بأي من أعمالها ما بقي بحريني بلا مسكن أو مأوى، وما بقت نسب البطالة عالية لا تقهر، إذ يقول الوزير تنتهي البطالة في العام المقبل، فيرد عليه الوكيل بأن الأرقام زادت وزادت.

الحكومة هناك لا تصطنع الانتصارات والإنجازات الوهمية، ولا تتلاعب بأرقام لا شفافية فيها، كان سعر برميل النفط 10 دولارات وكانت الموازنة تعاني العجز، أصبحت 20 دولاراً ولايزال العجز، وصل سعر البرميل 60 دولاراً وزاد العجز!!. في الحكومة الفاضلة لا عجز، لأنه لا أموال تُسرق، ولا مخصصات سرية تصرف لمن باع كلمته/ضميره/حبه لوطنه... هنا أو هناك

العدد 1481 - الإثنين 25 سبتمبر 2006م الموافق 02 رمضان 1427هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً